من هنا وهناك

 

مهرجان شعري عربي - فرنسي في باريس

جريدة آخر ساعة .



                                                                   الحداثة على ضفتين متقابلتين

هل تمكن المقارنة بين الشعر العربي الراهن والشعر الذي يكتب الآن في فرنسا؟ هذا السؤال قد يطرحه الجمهور الذي يتابع »مهرجان الشعر العربي الفرنسي« الذي انطلق في احدى قاعات وزارة الثقافة الفرنسية والذي ينظمه »مجلس السفراء العرب في فرنسا« متعاوناً مع وزارة الثقافة ووزارة الخارجية الفرنسيتين ومعهد العالم العربي خلال ثلاث ليال (10 و11 و12 ماي الجاري). ولئن طغى الطابع الرسمي على المهرجان فإن الشعراء المشاركين، عرباً وفرنسيين، يمثلون أجيالاً وتجارب مختلفة ويمثلون صورة واضحة للجمهور العربي – الفرنسي عن المشهد الشعري الجديد في فرنسا ولبنان. غابت طبعاً اسماء مهمة ولكن حضرت في المقابل اسماء مهمة ايضاً. أدونيس يحضر ضيفاً، محمود درويش يقرأ في الأمسية مع الشعراء الشباب، سعدي يوسف سيقرأ ايضاً مع الجيل الجديد، صلاح ستيتية كذلك، الطاهر بن جلّون، شوقي أبي شقرا، فيما اعتذر بضعة شعراء مثل أنسي الحاج وعبداللطيف اللعبي وأحمد عبدالمعطي حجازي وسواهم...قد يمثل الشعراء الفرنسيون المشاركون المشهد الشعري الفرنسي الراهن في مدارسه كافة. ويتيح المهرجان فرصة لتشكيل فكرة شاملة عن هذا الشعر الذي يختلف قليلاً او كثيراً عن الشعر العربي، فالنزعة التجريبية والعقلانية تكاد تطغى على الكثير من هذا الشعر، رغم من الاصوات الميتافيزيقية والصوفية الحديثة التي تحاول إحياء غنائية جديدة تختلف عن الغنائية القديمة. لقد اصبح الشعر الفرنسي الحديث سليل المحترف اللغوي بعدما شهد احوالاً من التمرد المتعاقب اجيالاً واتجاهات. اما المقارنة بين الشعراء العرب المشاركين وزملائهم الفرنسيين فهي توضح مدى الاختلاف (وربما التقارب في أحيان قليلة) بين هؤلاء الشعراء. ليس هناك صوت يشبه صوت محمود درويش، وليست هناك تجربة تشبه تجربة ادونيس على رغم من العلاقة القوية بين ادونيس وشعر سان جون بيرس الذي كان شاعر »مهيار« اول من ترجمه الى العربية. وكذلك يتفرد سائر الشعراء العرب الجدد والشباب مثل بول شاوول وقاسم حداد وعبد المنعم رمضان وأمجد ناصر وسيف الرحبي وسواهم. هذا الاختلاف جميل حتماً ويدل على ان الكلام الذي قيل سابقاً عن تأثر الحداثة العربية بحداثة الغرب وفرنسا، خصوصاً لم يبق صحيحاً ولا حقيقياً. ومقولة »البضاعة التي ردت الى اهلها« اصبحت مفضوحة ومضحكة. فالجيل الشعري العربي الجديد عرف كيف يستفيد من كل »الحداثات« الشعرية العالمية من غير ان يقع في التقليد.الشعر العربي الفرنكوفوني او المكتوب بالفرنسي يحضر بشدة من خلال اصوات مشرقية ومغربية لافتة: صلاح ستيتية وفينوس خوري غاتا (لبنان)، الطاهر بكري وعبدالوهاب المؤدب (تونس)، الطاهر بن جلون (المغرب)، مالك علولة (الجزائر) وسواهم...هذا اللقاء الشعري العربي – الفرنسي هو بحق فسحة لتلاقي وللتحاور بين شعراء معاصرين مقيمين على »ضفتين« متقابلتين. وقد يكون الشعر خير مجال لمثل هذا الحوارالابداعي الذي يلغي العروق التي تفصل بين الشعوب.   




 

اطبع الموضوع  

Home