القلم النقدي

 

عودة إلى النقد الموضوعي

فاروق مواسي



 

 

عودة إلى النقد الموضوعي

 

 فاروق مواسي

 

كنت قد تطرقت، في مقال سابق  - هنا في هذا الموقع -  إلى أننا كثيرًا ما نحكم على العمل الأدبي مرتبطًا ارتباطًا وثيقـًا بالحكم على صاحبه. وقد أشرت إلى تجربة ريتشاردز في كتابه  النقد العملي،  حيث خلص إلى  أن الحكم على العمل الأدبي يجب أن يكون بمعزل عن شهرة صاحبه أو غمريته .

وكانت قصيدة (الإبرة)، التي أثبتّها في تلك المقالة، مدار نقاش. فبعضهم اعتبر أنني ألّفتها (فبركتها )، وخرج باستنتاج مختصره أن هذه القصيدة هراء ، ومن قائل إن هذه القصيدة اجتزأتها من قصة طويلة، وهي بالتالي تقع ضمن السلبي ، ومن قائل إن هي إلا كلام نثري باهت ، ومن رافض أن يتحدث عنها لأنها ليست قصيدة أصلاً. ومن شاك أنها لي فهاجمها لأنها في اعتقاده فاروقية, ولم أحصل على إجابة واضحة تشفع لصاحب القصيدة سعدي يوسف بالجودة، رغم أن الشاعر معروف، ويعتبره هؤلاء الأشخاص بالذات أنه في طليعة الشعراء العرب المحدثين .

غير أن الأمانة تقتضي أن أذكر بعض ما كتبه أحد الأساتذة  من المهتمين بالأدب، وذلك بسبب جدية التناول :

".....لا أجد قصيدة (الإبرة)، تتعدى أرق إنسان يجدّ في البحث عن مصدر ضجة تتسلل إلى أذنيه، فيسارع إلى نفي أسباب الضجة الممكنة ، فالشباك غير مفتوح، والمذياع مقفل، والحنفية محكمة الإغلاق. وتتوالى ( لا ) التي تطرد في نفي الاحتمالات المتعددة لمبعث الضجة، وتتوالى النقاط .... الفرج آت. لقد وقع على حل اللغز، إنه الليل الثقيل،

تتسلل وطأة همومه تسللاً دقيقاً خفياً وموجعاً كموقع رأس الإبرة، إذن فقد عرف وأيقن, فاكتفى وكفَّ عن التساؤل.

الشاعر اختزل تجربة امرئ القيس مع الليل مع تحويل التيمة، فإذا كانت هموم الليل تجتاح امرأ القيس كموج البحر، فإنها عند شاعرنا تتسلل إلى أذنيه كما تنفذ الإبر والكلمات (وسدني الصخر)، (بطيء)، (مرهف) تقودنا إلى مقاليد نفسية الشاعر .

غير أنني أنكر على من يحمل هذه الهموم أن يقوى على التفكير المنطقي المرتب والمتسلسل في القسم الأول من القصيدة. وقد جسد هذا الترتيب ذلك التدرج من الخارج (المفترق، الشباك, الباب) إلى الداخل بتعداد محتويات الغرفة بالترتيب من أكثرها ضجة (المذياع) إلى قطرة في المغسل إلى أقلها (رفة في آنية الزهر ........ الخ ) .

 

وإذا كانت هذه التعددية ( النثرية ) الطويلة تخدم المفاجأة السريعة المقتضبة والمكثفة في القسم الثاني على  المستوى الشكلي، إلا أنها تثبت في الوقت نفسه أن الشاعر يعوزه الإلمام بخفايا النفس البشرية والقلق الإنساني ، فالذي يتوسد الصخر لا يقوى على هدوء التفكير المنطقي، وبهذه النقلة الجادة خلق مفارقة بين المقدمات والنتيجة.

وأشير كذلك إلى محاولة الأخ يحيى متاني التي ألغى القصيدة  أولاً وأبدى مدى تجاهلها لقضايانا، ثم ما لبث أن تفهم بعضًا منها، ولكنه لم يغير قراره الأول بأن هذه "القصيدة"  ليست قصيدة, مع أنه بين إيجابًا فيها ومنها .

وإذا كان هذا التمرين الذهني يقع في دائرة الشعر فإن تجربة مسابقة مجلة ( اليوم السابع) أيام كانت تصدر في باريس -  تفيدنا في هذا المجال . فقد شاركت في المسابقة (1518 ) قصة قصيرة ، وكانت القصص تقدم بأسماء مستعارة ، وتبين بعد إعلان النتائج كما يوضح إبراهيم العريس (اليوم السابع عدد 90/ 1/ 29) كون أربعة وستين مشاركًا معروفة أسماؤهم في شتى مجالات -  الأدب والفن والصحافة وغيرها . والمفاجأة أن معظم القصص التي فازت أو تم التنويه بها أو وصلت إلى التصفية الأخيرة لا تحمل تواقيع معروفة . ولا بد من الإشارة إلى أن عشرات النقاد اشتركوا في عملية الفرز ...حتى كان الحكم النهائي للجنة ممن لا يشك بأمانتهم وجديتهم .

لماذا أطرح الموضوع ؟

أطرحه لأقول ثانية إننا إذا جردنا العمل الأدبي من اسم صاحبه (اللامع أو المغمور) فإننا نتعامل ومقاييس حذرة ورؤية أعمق ، الأمر الذي يستلزمنا أن ننقب ونجد ، وأن نقرأ لمن يعرفون في الميدان الذي نجول فيه ونصول ، نتعلم منهم حتى لا نهرف بما لا نعرف .

 أقول ( نتعلم ) لأن التواضع أمام الذي يعرف هو سمة الباحث -  الباحث الجاد عن العلم والمعرفة،  والبعيد عن المهاترة ودس الأنف.....

 ورحم الله امرأ عرف حده فوقف عنده .

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home