قصة

 

جنون الحياة

محمد إبراهيم محروس



تسمرت قدماه تطلع إلى الجمع حوله ، الكل يريدونه أن يمضى أن يستمر في السير ، بلع ريقه و هو يجاهد أن يحرك قدميه .. العرق أغرق وجهه ، المشاعر تتأجج بداخله و هو يحمله بين يديه ، و يفرد يده أمامه و هي مثقلة بالحمل .. مشى بخطوات بليدة ، يحاصرونه عن اليمين و عن الشمال و هو في الوسط باسط ذراعيه بالحمل .. كأنه يرجوهم أن ينجدوه أن يحققوا ما طلبوه منه .. منذ سنوات و هو هارب متخفي .. تلقطته عدة بلدان ثم لفظته من رحمها ليرجع مرة أخرى إلى رحم الأرض التي خرج منها هارباً .

مأمور البلد قال – انه سيشرف على التجهيزات بنفسه ، لن يدع فرصه تفوته ليوقف بحار الدم التي امتدت لسنين عديدة . وافقه لقد تعب ، أتعبته السنون .. الهرب جعله كالمشرد الذي يبحث عن مأوى دون جدوى ..

حرك قدميه باتجاه كبيرهم ، انه يعرف المطلوب تحديداً و لكن لمَ ؟ لمَ يفكر الآن في التراجع ؟

ربما أتت رصاصة غادرة فتنهى حياته الآن .. ربما لن يقبلوه بالكفن الذي بين يديه .. كثيرات هي التي دارت بذهنه و هو يتقدم إلى كبيرهم ، و لكن ابتسامة شاحبة على وجه الكبير جعلته يراجع نفسه و جعلته يطمئن قليلاً و هو يقترب و يقترب ..

لا فائدة من الثأر ، الثأر حرب داخلية سرية يضيع فيها العديد من شباب قريته كل عام ..

أمه قالت له – اختفى .. أرجع جوب البلاد ..لا تعود لكنه تعب و تعب حقاً .. و لا مناص الآن ليسلم بالأمر الواقع .. ابتلع ريقه مرة أخرى و هو بين يد الكبير الذي أشار إليه ، أن يرتمي على الأرض بين يديه .

مأمور المركز هزّ رأسه أن يفعل .. نفذ الأمر و هو يتلمس الكفن بين يديه بأصابعه فأقشعر جسده و انتفض .. اقتربت السّكّينُة في يد الكبير من رقبته ، ظن أنها النهاية ثم ابتعدت السّكّينُة عن رأسه لتجز رأس شاه مربوطة بجواره .. أطلق المأمور تنهيدة راحة و ابتسم و ارتفعت الزغاريد .. ظل هو على الأرض دون حراك .. و دماء الشاه تغرق من حوله .. مرت دقيقة قبل أن يربت المأمور على كتفه أن يقف .. و لكنه لم يتحرك .. هزّة المأمور ظل ساكناً ، مال عليه و حاول أن يمد يده إليه ليقف .. و لكنه كان قد فارق الحياة و دون أن يدفع الثأر .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home