مقال

 

هجرة أدمغتنا الى فرنسا

رضا محافظي



 

 

هجرة أدمغتنا الى فرنسا

رضا محافظي

 

   تعمل فرنسا هذه الأيام على تنظيم الهجرة إليها عن طريق دراسة قانون تم طرحه من طرف وزير الداخلية نيكولا ساركوزي . وفي هذا الإطار، صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية على إنشاء بطاقة إقامة للأشخاص الأجانب الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والمهارة في ميادين تخصصهم. وقد أثارت هذه النقطة بالذات ردود فعل رافضة سواء على مستوى المعارضة السياسية الفرنسية أو على مستوى العالم الثالث وارتفعت الأصوات هنا وهناك لتقول أن فرنسا تريد أن تستغل أدمغة أبناء العالم الثالث مثلما استغلت لفترات طويلة في السابق خيراته الباطنة والظاهرة .

   ما يرضي العالم الجنوبي هو بكل تأكيد أن تفتح فرنسا أبوابها على مصراعيها للجميع بدون تفرقة أو تمييز وأن تقبل بكل من تطأ قدماه أرضها وتساويه مع كل مواطنيها مهما كانت منزلتهم ومهما كان مستواهم. لكن هل من المعقول ومن المنطقي أن نطلب أمراً كهذا من فرنسا أو من غيرها من البلدان الأوربية والغربية التي سارت على نهجها ؟ الجواب هو بالنفي الصريح الواضح . لفرنسا - كما لغيرها من البلدان - استراتيجية ونظرة مستقبلية واضحة المعالم، و لفرنسا مصالح عليا تريد الحفاظ عليها بوسائل مختلفة من بينها السعي الى ضخ جرعات من الطاقة الشابة المتخصصة من العالم الثالث على مدى فترات معينة استدراكاً لحالة الهرم التي يعرفها المجتمع الفرنسي من جهة و استفادة من عقول متخصصة مستعدة لاعطاء ما ليست العقول الاوربية المستريحة مستعدة أن تعطيه و ذلك مقابل أن تحصل على حياة كريمة هادئة .

   من الأجدر أن يوجه اللوم الى الأنظمة والمجتمعات في الجهة الجنوبية من الكرة الأرضية التي تشتكي استجلاب فرنسا وغير فرنسا لخيرة أبنائها وهي التي تعامل العقول الناصعة المتقدة حيوية ونشاطاً لديها بإهمال كبير. ليس من العدل أن يساوى ذوو الشهادات العليا والبحث المتبحر العميق في مختلف العلوم مع غيرهم من ذوي المستويات المتدنية والمتوسطة. ما من شك أنه من حق كل من أفنى عمره في الغوص في أعماق بحور العلم و في الاستبحار في مختلف أشكال المعرفة وألوان الفنون أن يلقى من بلده الاهتمام الذي يليق به والدعم الذي يحتاجه وهو معذور كل العذر إذا ما اضطر إلى الهجرة لكسب لقمة عيش لا يريد بلده – أو لا يستطيع - أن يوفرها له .

   ليست الحكمة في القاء اللوم على فرنسا وأمثال فرنسا بسبب أنها تختار خيرة أبنائنا لتدعوهم إليها وتوفر لهم كل ما يحتاجون اليه مقابل أن يعطوا زبدة ما يعرفون ويتقنون، وليست الحكمة في إلقاء اللوم على من غادر بلده بحثاً عن عيش كريم بعد أن لاقى أنواعاً من العنت في بلده. أظن أننا لو كنا مكان فرنسا لكنا حذونا حذوها ووجهنا كل اهتمامنا إلى أفضل الناس لاستجلابهم وما كنا نقبل أن يلومنا أحد. ألسنا نحن الذين نفتخر أننا أحفاد قوم عرفوا كيف يستفيدون من علوم الفرس والروم والصين وغيرها وترجموا الجيّد من كتاباتهم في مختلف العلوم والفنون ؟ . هل افتخرنا بكوننا استقدمنا سفهاءهم ومتخلّفي العقول لديهم من أجل أن نصنع منهم رجال علم ورموز تحضّر ؟. لقد قام أجدادنا بما يخدم حضارتهم ثم فتحوا أبوابهم لكل طالب علم ليستفيد مما وصلوا اليه . فرنسا تقوم بنفس الشيء ولا لوم يوجه لها. هي تنظر إلى مصلحتها ومصلحة شعبها في الحاضر والمستقبل. كل اللوم يقع علينا نحن لأننا لم نعرف كيف نحافظ على خيرة أبنائنا، وساويناهم مع من هم أدنى منهم منزلة، ولم نعرف كيف نقدر ما تحمل عقولهم من كنوز. لقد شعرت بالإحباط حين وصل إلى علمي أنه في بعض البلاد الجنوبية من الكرة الأرضية هناك من يفرض على الشباب المستفيد من منح الدراسة في الخارج  توقيع وثيقة يلتزم بموجبها بالرجوع إلى بلده بعد اكمال الدراسة، دون أي التزام تجاه نفس الشخص بتوفير الحد الأدنى له من شروط العيش الكريم من سكن ووظيفة وغيرهما. نحن قوم نحمل بين أيدينا كل صنوف الخير لكن للأسف لا نرى من ذلك شيئاً إلى أن يضيع من بين أيدينا أو يسرقه غيرنا. وإلى أن نعي ما نفقد من عناصر قوتنا تكون فرنسا وغيرها قد سبقتنا بأشواط طويلة في استغلال ثمرات مدارسنا وجامعاتنا. فمتى نفيق ؟

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home