مقال

 

الثوب الفضفاض حذاء للعقل

د.محمد جمال طحان



 

الثوب الفضفاض حذاء للعقل

 د. محمد جمال طحّان

عندما تكون عاقلاً تتمتع بشيء من الموضوعية تتيح لك رؤية الأفعال التي تجعلك قادراً على احترام نفسك من خلال قيامك بما أنت مؤهّل له من غير التعدّي على ما هو مفصّل للآخرين.لا يكفي أن تتمتع بثقة صاحب شأن فيسبغ عليك ما ليس فيك ويحمّلك مسؤولية ما لاطاقة لك به، لأنك حينذاك ستتعب وتُتعب من حولك. عندما تكون سائقاً ماهراً، تستطيع أن تقود وأنت تتكلم.. وأنت تفكر.. وأنت تستمتع. أما حينما تتجرأ على القيادة، حتى في شارع غير مزدحم، قبل أن تتقن ذلك الفن، فإنك ستقود بكل أعصابك وحواسك، بحيث تؤدي بك هفوة بسيطة إلى فقدان الأعصاب فتقوم بسلسلة من الأخطاء التي تجلب الكوارث.

ليس عيباً أن تعطي القوس باريها وتقوم أنت بما تستطيع إتقانه من غير أن تضاعف جهدك بما يستطيع غيرك القيام به ببساطة شديدة، ولكن العيب أن ترضى بثوب فضفاض لم يفصّل لك، لأن الثوب الفضفاض كالحذاء الضيق تماماً، كلاهما يضغط على العقل ويؤدّي إلى خسارة الانتفاع منه لمن هو مؤهل له من غير جزع.

                                             * * *

مـا الذي يعنيه أن تكون مهندساً، أو مدرساً، أو كاتباً جيداً في محيط يتقن فيه المتسلقون قتل المواهب ودفنها، ثم يقفون دقيقة صمت حداداً على موتها، ثم يندبون هذا الوطن العقيم الذي لا يقدر على إنجاب نجباء ينقذون الأمة مما هي فيه.

حين ترى أناساً يبيعونك شعارات تكفي الكرة الأرضية، ويكتبونها على لافتات تؤمّن سوق معامل النسيج التي يمتلكونها، ثم يقبضون ثمن تخديرك بأنهم يكفونك شرّ النضال، ويدافعون عنك بكل جوارحهم وما يملكون، ثم تراهم يبيعونك أنت والوطن بزجاجة وسكي مستوردة، حين ترى ذلك بأم العين، ما الذي يمكن أن تفعله؟ إنك، بوصفك مهندساً مدرّساً كاتباً.. تقف في وجوههم صارخاً: هذا حقي، وأنتم بي تتاجرون. حينذاك يواجهونك بالخيانة وبأنك لا تقدّر خطورة الوضع، وأنك عميل للقوى الأجنبية التي تحاول زعزعة الاستقرار.

بالطبع، يعني الاستقرار لديهم أن يبقى لجامك في أيديهم، وقوت يومك في أيديهم، ولسانك في جيوبهم. ولهذا يقفون لك بالمرصاد، ولا يتوانون عن الكيد لك حتى تشعر باليأس والإحباط، ويتأكد عندك أن السباحة ضد التيار جنون لا تُحمد عقباه، فتهدأ وتستكين. وحين يُسأل أحدهم عن نتيجة التمرد أو الإضراب أو الاحتجاج، يجيب بلهجة المنتصر الذي استطاع إخماد صوتك: الكلاب تنبح والقافلة تسير، ما يعني إبقاء الوضع على ما هو عليه، شأنك شأن العقار المغصوب. وأخيراًَ تؤمن أن القافلة تسير حقاً.. ولكن.. إلى أين تسير، ولصالح مَن، ومن المستفيد؟ أسئلة فجائعية تخاف حتى من التفكير في الإجابة عنها، فلماذا توجع قلبك وتسير كل هذا المشوار الطويل؟ لماذا لا تقف إلى جانبنا نحن أمثالك من الضعفاء - المستضعفين الذين تكفّهم عن العمل المعوجّ أخلاق ورثوها وعادات أحبوها وأفكار أمنوا بها حتى الصميم. فقراء؟ نعم، مظلومون؟ نعم، فلماذا نكون أيضاً، مجانين؟! تعالوا نجتمع في ساحة الشهداء الباكين على مصائر استبسالهم مردّدين: نحن ننبح والقافلة تسير.. إلى الهاوية عمّا قريب..

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home