مقال

 

ما الذي يريده الشعب؟

أحمد الخميسي



 

ما الذي يريده الشعب ؟

أحمد الخميسي

 

في 26 يناير من هذا العام حكى الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل في قناة الجزيرة ضمن سلسلة أحاديثه " تجربة حياة " الواقعة التالية : " في ذلك الوقت أنا ساكن في بيت 14 شارع شجرة الدر في شقة صغيرة ثلاثة حجرات .. وقال لي عبد الناصر : أنا رحت مرة أزور الأستاذ أحمد أبو الفتح في جريدة المصري.. انتظرته في حجرة فيها الأستاذ عبد الرحمن الخميسي، والأستاذ عبد الرحمن الخميسي كان يصلح فيما يبدو بروفة قصة وجمال عبد الناصر كان يحاول يسأله على حاجة فيردد عبارة كان واقف عندها أن هذه ليست ساقي ولكنها ساق رجل آخر . جمال عبد الناصر فضل حافظ الجملة. جمال عبدالناصر يقول له هو الأستاذ أحمد أبو الفتح يعني سيتأخر ولا حاجة؟ فالأستاذ الخميسي أكمل: انتظر . هذه ليست ساقي ولكنها ساق رجل آخر. وفضل جمال عبد الناصر حافظ العبارة دي" . هذا ما قصه الأستاذ هيكل بالضبط منوها باستغراب عبد الناصر من شخصية الخميسي الفنان ودهشته من استغراقه في كتابة رواية كانت تنشر حينذاك في جريدة المصري بعنوان "ساقي اليمنى" استغراقا وصل إلى درجة عدم الاعتناء بوجود ضيف في حجرته، فما بالك وأن الضيف هو عبد الناصر شخصياً ؟ وكان عبد الناصر في تلك الفترة يعد للثورة التي لم تلبث أن تفجرت بعد شهور قليلة. بعد نجاح الثورة عقد عبد الناصر اجتماعات في دور الصحف الكبرى مع رؤساء تحريرها وكتابها، وكان أحد تلك الاجتماعات في جريدة المصري، ولم تهمل ذاكرة عبد الناصر الواقعة، فقال للخميسي: ألا تذكرني؟ جئتك منذ شهور هنا ؟. فضحك الخميسي قائلاً: وأنا كنت أعرف منين أنك ح تبقى زعيم ثورة ؟! .

الفصل الثالث من هذه القصة أهم فصولها، فقد أخذت الثورة بعد نجاحها في التضييق على حرية الصحافة والكتابة والتعبير. ولم يجد الخميسي حيلة يعبر بها عن رأيه الحقيقي سوى كتابة مقال ظاهره كله مديح في الثورة ورجال الجيش لكنه أنهى المقال بعبارة غريبة هي "يا مهلبية يا !". وكانت تلك العبارة مطلع أغنية شعبية لشكوكو ذاعت وراجت حينذاك ! . ووجد بعد أيام ثلاثة ضباط في مكتبه يسألونه عما ورد في المقال، فقال لهم: المقال كله مدح ؟ عاوزين إيه ؟ . فأجابوه : مقال عن الثورة ينتهي بعبارة " يامهلبية " ؟ إيه المسخرة دي ؟ فأوضح لهم : هذا خطأ مطبعي، فقد قفزت العبارة من صفحة برنامج أغاني الإذاعة إلي المقال عندي! . وبعد ذلك نشر الخميسي في مجلة الكاتب التي ترأسها طه حسين مقالاً بعنوان: "ما الذي يريده الشعب" دعا فيه إلي عودة الجيش إلي الثكنات، والحياة الديمقراطية. فكان أحد أسباب اعتقاله نحو ثلاث سنوات. خرج بعدها، فوجد مصر محكومة بنظام حديدي. تذكرت قصة ذلك المقال القديم "ما الذي يريده الشعب؟" وأنا أتابع الأحداث التي تلاحقت في الأسابيع الأخيرة بدءاً من العنف ضد الأقباط في الإسكندرية، ثم تفجيرات دهب وسيناء، وأخيراً مظاهرة التضامن مع القضاة أمام دار القضاء العالي بوسط القاهرة. خلال تلك الأحداث تمت عمليات اعتقال طالت عدداً من المثقفين والصحفيين والشعراء في القاهرة، وبدو سيناء ، بينما طوقت قوات الأمن نادي القضاة وحاصرت نقابة الصحفيين والمحامين، وضربت وهددت وحاصرت ورفعت العصي والقبضات في وجوه الناس في مشهد مروع. وتساءلت : أليس من الغريب أن ما يريده الشعب الآن، هو ما أراده منذ خمسين عاما؟ أي: عودة القوات إلي الثكنات؟ وإشاعة الديمقراطية؟ وإذا كان جهد القوات منصرف إلي مواجهة الأحزاب والحركات السياسية وسحل المستشارين والقضاة في الشوارع، وقمع المتضامنين، فمن الذي سيتولى إذن التصدى للتفجيرات؟ والفتنة الطائفية؟ والفقر؟ والبطالة؟ والفساد؟ وإذا كان الثقل الإعلامي الضخم لقناة الجزيرة لم يمنع اعتقال مراسلها حسين عبد الغني بصورة مهينة، فهل من حماية للصحفيين الآخرين في الصحف الصغيرة؟ ألا يعد ذلك الاعتقال إشارة وإنذاراً قوياً للشرفاء من الكتاب والصحفيين بأن شيئاً لن يمنع "القوات" من اعتقال من تشاء وقتما تريد؟ . والآن هل سيتحتم علينا قريبا أن ننظر - قبل الكتابة - في برامج الأغاني المذاعة قبل أن نكتب لنتخير منها مطلع أغنية هابطة مثل "حط النقط فوق الحروف" لنعبر بها في خاتمة المقال عما نريد قوله فعلاً؟ . بعد أكثر من نصف القرن يبدو أن ما يريده الشعب ما زال هو: "عودة القوات إلى الثكنات" !




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home