القلم الفكري

 

فلسفة الفكر الديني

عزيز محمد أبوخلف



 

فلسفة الفكر الديني

 

عزيز محمد أبوخلف

 

تهتم الفلسفة بقراءات فكرية في أفكار الناس، فهي تفكر في اللامفكر فيه، وقد اتخذت طابع النقد في العصر الحاضر. وكانت الفلسفة في الماضي ترتبط بحب الحكمة والتشبه بالحكماء، كما الحال عند اليونان، أصحاب هذا المصطلح. وفعلاً تشبه بهم تيار ظهر في عهد الدولة الإسلامية حاول التوفيق بين الدين والفلسفة. ثم قام تيار آخر تمثل في علم الكلام للدفاع عن عقائد الدين في مواجهة الفلسفة وغيرها، لكن المفارقة أنه قام على أسس علمية ومنطقية مبنية أيضاً على أفكار اليونان. فهل يعني هذا أن الدين نفسه لا فلسفة فيه؟.

هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال قراءات فكرية في الفكر الديني متمثلاً في أهم تياراته العقائدية الممتدة عبر التاريخ كالتيار السلفي، والتيار الاشعري وما يلحق به من تيارات أخرى، والمعاصر منها كالنبهاني التحريري. وسوف نبدأ بالفكر السلفي، باعتبار أن هذا الفكر امتداد لما كانت عليه أفكار الدين الأصلية، ثم طرأ عليها ما طرأ من علم الكلام والتوفيقية الفلسفية السيناوية والرشدية. والدليل على ذلك تقاتل التيارات الإسلامية على مصطلح أهل السنة والجماعة، فكلٌّ يدّعيه لنفسه، مع أن المنطق يقول بأن من ظل على الخط الأصيل هو أحق به منه، لأنه صفته.

 

السلف والعقل

السلف هم الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم الأصيل. لكن هذه الأصالة ما لبثت أن تعرضت للتشويه والتحريف بعد دخول أفكار اليونان إلى حقل المعرفة الإسلامي. أدى ذلك إلى تطور علم الكلام الذي يبحث في عقائد الإسلام من زاوية خاصة، وتغيرت وجهته ليعتمد منطق اليونان وعلومهم الطبيعية. ثم ثارت تساؤلات حول ما إذا كان السلف يدركون هذه الأفكار الجديدة المرتكزة على أثارة من العقل، وعلى أساس من تقديس علوم اليونان ومنطقهم.

 

لا شك ان هذا تساؤل يعكس اهتزاز الثقة بالنفس وشعورها بالعجز أمام الفكر الدخيل. وما كان تساؤل كهذا ليُثار لو ترسخت فكرة استقلال العقائد الاسلامية عن مثل هذه العلوم، وعدم حاجتها إليها. وهذه فكرة عظيمة مثيرة للانتباه، لأن العقائد، وهي تتسم باليقين والثبات، لا حاجة لها في أن ترتبط بعلوم تجريبية وعقلية سمتها الأساسية التحول والتغير والنسبية. ولو جرى إدراك ذلك لتبين للمفكرين في علم الكلام وجود المطلق والنسبي، وأن البحث العقلي الخالص والتجريبي لا ثبات لهما على أرضية موضوعية. وربما كان وجه التاريخ ليتغير، ذلك أن العلم كان سيكون بأيدٍ أمينة ترعاه وتستغله في صالح البشرية جمعاء.

 

كبائر علم الكلام

علم الكلام، الذي نصب نفسه مقرراً لعقائد الدين ومدافعاً عنها، اعتمد نظريات اليونان من الجوهر الفرد وحدوث الأجسام ومنطق أرسطو من بعد، ليقيم البراهين على إثبات الخالق، ومن ثم ليدلل على عقائد الإسلام الأخرى وما يتعلق بالذات الإلهية بشكل خاص. وفي خضم هذا البحث الشائك اضطر إلى أن يتسلح بسلاح متطور مبتكر هو التأويل والمجاز، لينسف أي نص يتعارض مع أفكاره، مفرغاً إياه من مضمونه ومحتواه الحقيقي، ليصير إلى معنى يوافق ما تقرر في علم الكلام هذا. وبذلك فقد يكون علم الكلام سبق الفلاسفة المعاصرين في الحرب على النص، وأن الحقيقة لا تكون كامنة في الألفاظ على حد زعمهم. لكن الزعم بأن النصوص الدينية مفرغة من الحقيقة دونه خرط القتاد، وهو أبعد ما يكون عن عيونهم!.

 

علم الكلام إذن ارتكب كبيرتين فكريتين: أولاهما ربطه العقائد بالعلوم المتحولة المتغيرة، وثانيهما تفريغ النصوص من محتواها بالمجاز والتأويل لصالح هذه العلوم المتقلبة. والأخذ بالتأويل والمجاز يعني تقرير معنى غير ما يفيده ظاهر النص، وهذا المعنى يتوافق مع معطيات علمية أو عقلية معينة، والنتيجة هي صرف النص عما أريد له. وفي غياب الثقة بالنصوص الدينية فلا مفر من التأويل أو التفويض، والتفويض يكافئ القول بأن الله أعلم بمراده. وهذا لازم حتى لمن يتقيد بالقطعي الثبوت والدلالة في العقيدة، كما عند الكلاميين، وكما عند بعض المعاصرين كالعلامة النبهاني إمام التحريريين، وإن كان هذا الأخير غير ملزم بالنظريات العلمية والمنطقية، لأن العقل العقائدي عنده بمثابة تأشيرة الدخول في الإيمان وحسب.

 

الإعجاز العلمي يقدس العلم التجريبي

ولكن هل التاريخ يعيد نفسه؟ لو أمكن ذلك لوفر هذا على علماء النظرية النسبية البحث في السفر عبر الماضي، ليركزوا جهودهم على السفر عبر المستقبل. لكن هذا لا يمنع من تكرار بعض الوجوه في أنساق متشابهة. فقد حصل ما يشبه ذلك في الإعجاز العلمي الذي يضفي القداسة على اكتشافات العلماء التجريبيين بربطها بالنصوص القرآنية والنبوية. وهذا تقديس ضمني من قبل أهل الإعجاز العلمي للعلم التجريبي، بل هو إضفاء صفة المطلق على هذا العلم. ولكنهم مع ذلك يقولون إنهم يرومون إثبات ان القرآن من عند الله، ومن ثم إثبات عقائد الإسلام بشكل علمي. وربما عليهم أن يحتاطوا بالقول إن ما توصلوا إليه اجتهادي، لكن في هذه الحالة يكونون قد ربطوا متحولاً بمتحول.

وقد سبقهم الفيلسوف كانط عندما جعل من فيزياء نيوتن علماً مطلقاً، متخذاً إياها الأساس في فلسفته العقلانية. ثم ما لبث أن تقزم هذا العلم المطلق أمام نسبية اينشتاين ليصير حالة خاصة منها. ثم ظهرت المفاجأة الأخرى بظهور ميكانيكا الكم لتقرر أن ما يجري على مستوى النظريات السابقة هو حالة خاصة مما يجري في عالم الذر، ولا تجري ملاحظته بسبب العدد الكبير من الجسيمات المجهرية في هذا العالم العياني. ولا ندري ماذا تخبئ لنا نظرية الأوتار الفائقة التي تقول بأن كل شيء هو نتاج نغمات راقصة لأوتار ذات مقاس متناه في الصغر، وأنها تتحرك في أبعاد مخفية.

 

فلسفة نقصان عقل المرأة

ولم يقف الأمر عند ربط العقائد بعلوم اليونان وعلوم العصر المتحولة، بل استمر سلاح التأويل في العمل، وبصور مختلفة. فكلما اصطدم نص مع فكرة سائدة من الحضارة الغربية صار اللجوء إلى التأويل متسارعاً، لأنه لا بد ان تكون السيادة للآخر، ولفكر الآخر. وهذا يعني أن النص الديني لا يحمل معناه في ظاهره، أو ان المعنى هو غير ما يفهمه المفسرون والمشايخ والمفكرون الدينيون.

 

وهذا ما حصل مثلاً في تأويل حديث ناقصات عقل ودين، الذي تصدى العقليون والوعاظ للدفاع عنه بأنه مجرد مداعبة أو ممازحة أو هزار، لأن الرسول لا يمكن ان يقصد اهانة النساء يوم العيد. والرسول على أية حال اعظم شأناً من ان يهين النساء أو الرجال في يوم العيد أو غيره!. ولو تأمل هؤلاء قليلاً وكانت لديهم الثقة في النصوص لما اضطروا إلى سلاح التأويل القديم الجديد، ولأدركوا أن نقصان عقل المرأة المشار إليه في الحديث ليس نقصاً في المرأة، وأن وراءه فلسفة عظيمة، تُظهر تفرد هذا الدين فيما قرره من معايير متناسبة مع فطرة البشر.

 

فلسفة قدم النوع

قرر شيخ الاسلام ابن تيمية، بناء على النصوص القرآنية والنبوية، أن هذا الكون خُلق من مادة سابقة عليه، وفي مدة سابقة عليه أيضاً، وأنه لا يمكن أن يكون أول مخلوق. وهذه فكرة عظيمة المعنى، إذ لا سبيل إلى تقدير فترة في الزمان على أنها تمثل أول مخلوق، لأن هذا يتضمن القول بتحديد أزلية الخالق وتقييد أفعاله. وهذا ما يعبر عنه بقدم النوع، ومعناه أن الله لم يزل فاعلاً إذا شاء. وفي هذا النص معان فلسفية عظيمة منها أن ما ينطبق على الخلق لا ينطبق على الخالق، وأنه لا بد من جعل النصوص هي المرجعية لتفكيرنا وليس العكس كما حصل في علم الكلام، وأنه ليس في النصوص ما يخالف العقل، فالواجب عرضها بدون حرج ولا خجل، بل بكل ثقة، وترك الأمر للعقول تفكر فيها بعيداً عن الأفكار الدخيلة وعن الثقة المهزوزة أمام هذه الأفكار.

وكان علم الكلام قد قرر أن المادة لا تفنى وأنه يعاد تشكيلها، وتبعه في ذلك الإعجاز العلمي بناء على قانون حفظ المادة والطاقة. وأرادوا بذلك أن يؤكدوا على أن الله خلق هذا الكون من عدم، ولذلك تبنى الإعجاز العلمي نظرية الانفجار العظيم، وأن الكون قد نشأ عن انفجار ضخم لكون متناه في الصغر، عندها ابتدأ الزمان والمكان. هذا مع العلم أن هناك نظريات أخرى حول الكون تخالف ذلك. كما أن العلم يتساءل وحالة الانفجار العظيم هذا: وماذا قبل؟ على شاكلة السؤال المألوف وماذا بعد؟ يتساءلون عن الزمان والمكان، وأين حصل الانفجار هذا، وغير ذلك من التساؤلات المثيرة.

 

خاتمة

لقد رأينا كيف أن أهل الإسلام حرفوا نصوصه وأولوها لصالح الفكر الآخر في جانب، ولصالح تقديس العلم التجريبي وجعله مطلقاً من جانب آخر، مع أن العلماء التجريبيين أنفسهم لا يقرون بثباته ولا بمطلقيته. وقد أدى التأويل إلى تفريغ الكثير من النصوص من محتواها الحقيقي، مثل النصوص التي تخبر عن أن الرب يقوم بأفعال معينة، مثل الاستواء على العرش والنزول وإجابة الدعاء وغيرها. بل إن اعتماد النظريات العلمية والآراء العقلية قد أدى إلى الخجل من ذكر مثل هذه النصوص أحياناً، أو تفويض معانيها أو تحويرها لتناسب تلك الأفكار.

 

وظاهر التأويل أنه اعتذار عن صاحب القول بأنه لم يقصد ما قاله وأن ما قصده هو هذا الرأي المُؤوَّل، لأن قوله يعارض أفكاراً أخرى موجودة يضع المؤولون ثقتهم فيها أكثر من نصوص الدين. ولكن احترام النصوص يقتضي تقديمها بدون خجل أو حرج، ثم نرى أي شيء في العلوم يناقض أفكار هذا الدين، ثم نناقشها.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home