القلم النقدي

 

عناصر الطبيعة في شعر شبلول

السيد نجم



 

عناصر الطبيعة في شعر شبلول

قراءة في ديوان "بين نهرين يمشي"

 

بقلم: السيد نجم

 

الشاعر أحمد فضل شبلول من شعراء الإسكندرية, ينتسب إلى جيل السبعينيات شعرياً, وله ثمانية كتب شعرية (فضلاً عن كتب أخرى في مجال أدب الطفل والدراسات النقدية والمعجمية).

صدر له مؤخراً ديوان "بين نهرين يمشى" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

تتميز ملامح الشاعر بقدر من الحيوية الشعرية التي تتمثل في اختيار الموضوعات والبناء الفني للقصيدة, وهو ما ينعكس بالتالي على صوره الشعرية ومفرداته وانتقالات أفكاره داخل العمل الواحد.

لعل ديوانه الأخير يعبر عن هذه السمة أيما تعبير.

لعلها حنكة الصنعة وخبرة الأيام, وهو ما سنبحث عنه ونلتقطة من بين ثنايا القصائد التي تعد ثماني عشرة قصيدة: "وردتان من الروح - مرايا الموت والحجر- شمس سليم - صورة أخيرة للنيل- بين نهرين يمشي - جواز مرور - الطائر والشباك المفتوح - قطار من شروق – شجرة - جمال العروبة - إبليس والأحجار - من قلعة قايتباى وحتى القدس - كوني لي – عيناك - أهواك الآن - البحر والبنايات الشاهقة – إسكندرية - صوفية الإسكندرية".

لعل الإطلالة السريعة للعناوين بداية تشي بقدر تعلق الشاعر بعناصر الطبيعة في عناوين قصائده, سواء أكانت جمادا أو نباتا أو غيرها.

(وردتان- الحجر- شمس – النيل – نهرين – الطائر – الشباك – القدس – البحر – البنايات – إسكندرية – قلعة – شروق – شجرة – الأحجار - قطار..). هذه مفردات من العناوين, تكاد تغلب عناصر الطبيعة أغلب العناوين.

أما متن القصائد فهو الذي يكشف عن حرفية الشاعر وقدرته على توظيف تلك العناصر، بما يلائمها شعرياً. هكذا بدأ الشاعر بعض قصائده: قصيدة "وردتان من الروح" يقول فيها:

"أنت الوردة في قلب شتاء صيفي

ماتت وردات العالم.. إلا أن

فكيف أقاوم سحر الموج المتألق في أوراقك؟

موج.. أم شجر.. يزحف نحوى"

في تلك الأبيات القليلة, لا يخلو بيتٌ من عنصر طبيعي, إلا أن التوظيف لافت وجميل ومكمل للشعرية الرهيفة للشاعر .. "شتاء صيفي", "ماتت وردات العالم", "سحر الموج", ثم صورة الموج والشجر الذي يزحف نحو الشاعر في البيت الرابع.

قصيدة "مرايا الموت والحجر" يقول فيها:

"أريد أن أموت

قبيل أن يخونني الوطن

قبيل أن أداس في الشوارع

وتعبر الفئران فوق جثت

وتأكل القطط"

هنا تبدو عناصر الطبيعة لها توظيف أكثر فاعلية, في مواجهة الشاعر نفسه. لم يوظفها لإبراز الصورة الداخلية التي يرجوها, وإنما يوظفها كعنصر ايجابي مشارك في مواجهته (كعنصر طبيعي أيضاً).. وهو ما يعد توظيفاً مختلفاً عن التوظيف الأول.

قصيدة "شمس سليم" يقول فيها:

"موسوعة مصر أمامي

لم أقرأها بعد

ومؤلفها يتبعني

يحصى خطواتي

وأنا أقرأ شارعنا العربي الآن"

تبدو عناصر الطبيعة هنا وكأنها أداة مشتركة يتم توظيفها بين طرفين متواجهين (الشاعر وسليم حسن) .. فسليم حسن له جهد مشكور في البحث عن جذور التاريخ, والشاعر عند رؤيته للواقع الآني في العالم العربي مناقض له. هذا التناقض الذي صنع الصراع في القصيدة, تشكل من خلال "الموسوعة – مصر - الشارع", فبدت عناصر الطبيعة مؤججة للصراع النفسي ودلالة القصيدة.

قصيدة "صورة أخيرة للنيل" يقول فيها:

"مسافر..؟!

وراءك النهار والبحار والطريق

ونسمة كانت تداعب النوارس المهاجرة

وبسمة تسابق الأحضان للحبيب والصديق

ودمعة بالأفق تلتحم"

تبدو عناصر الطبيعة هنا: "النهار – البحار – الطريق - الأفق"، وكأنها على أحوالها المعروفة عنها, لم تتغير ولم تتبدل, وأن الشاعر وحده هو الذي يتغير في رؤيته لها أو اللحاق بها.

وهكذا بقية القصيدة / القصائد, يبدو الشاعر متعلقاً بعناصر الطبيعة ويوظفها بحسب عدة أحوال:

.. ففي حالة الحزن تكون الصور "شتاء صيفي", "ماتت وردات العالم", "أوغل في عتمة هذا القمر", ".. للغابات الحجرية", "تركوا وردة روحي", "المطر الأسود", "انخلعي من طينك", وهى من قصيدة واحدة.

.. في حالة الأمل والانتشاء تكون الصورة "حطت طيور الربيع", "وغنت زهور البنفسج", "وجاءت شموس النهار", "بين نهرين يمشى", وتلك الصورة المركبة في قصيدة "بين نهرين يمشى":  

"ولكنه لم يشاهد خطاي إليه,

وكانت تباعد بيني وبين حنان يديه

طيور الظنون,

ووهم الصحارى

فناديته,

ولكنه كان يمضى إلى نهره"

وتتعدد الأمثلة بتعدد الحالات التي يبنى عليها الشاعر قصيدته.

***

إن ديوان "بين نهرين يمشى", يمثل في مجملة نقلة نوعية، وملمح أصيل في رحلة الشاعر, ويستحق الدرس والتأمل في أكثر من جانب.. فلم تكن تلك الزاوية التي تخيرتها سوى جانب من عديد الجوانب في شعر أحمد فضل شبلول, والى وقفة أخرى وإنتاج أخر قريب.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home