قصة

 

ليلة الفرح

شيماء زاهر



ليلة الفرح

 

أخرج الثلاث بدل التي يمتلكها من دولابه، وهو يحار أيا يرتدي، وعندما وضع الثلاث بدل على جسده وهو يرى أيا من تلك البدل يلائمه، كان يشعر أنه لا يروق لأي منها. حتى عندما أخرج البدلة الكحلي ذات الصفين، ووضعها على جسده وهو يشاهد نفسه في المرآة، كان يشعر أنها تجعله يبدو رجلا في الخامسة والأربعين ، ليس شابا لم يتعد بعد الثامنة والثلاثين. 

لم يكن يريد أن يذهب للفرح، ولولا أن ابن خاله حدثه تليفونيا لمدة ساعة، ولم تفلح كل الحجج كي يعتذر عن الحضور، لما ذهب. وعندما تطلع إلى نفسه في المرآة  وهو عاري الجسد كان يشعر أن منظر ساقيه الرفيعتين كوميديا جدا، ورفع بصره إلى أعلى، وأطال النظر إلى فانلتة البيضاء وإلى بطنه التي أحس أنها انتفخت بشكل كبير، ووضع ساقيه في البنطلون وتذكر ما حدث في الفرح الماضي حين التف حوله عماته وخالاته ومن يصنعن حوله دائرة ويتحدثن معه عن الزواج، يقلن إن العمر يجري به، وإنه لم يعد صغيرا، ويقف هو لا يدري ماذا يفعل سوى أن يرسم على شفتيه ابتسامة، وهو يخرج الهواء بهدوء من صدره، ويقول لهم إن كل شيء قسمة ونصيب.

وعندما كان يرتدي القميص، كان يقول لنفسه إنه لن يسمح لهذا المشهد أن يتكرر، وإنه حين يشعر بأقاربه يلتفون حوله الواحد تلو الآخر، سيتحجج بأي عذر أو يغادر القاعة أو حتى ينسحب ويقول لهم إنه يريد أن يشرب سيجارة، مع أنه لا يشرب السجائر، ولا يحبها. حتى لو لم يستطع أن ينسحب لا بد أن صوته سيعلو، ويقول لهم إنها حريته الشخصية ولا يسمح لأحد أن يتدخل فيها وليحدث ما يحدث

    وأخذ يحملق في المرآة، وارتسمت على ملامحه الدهشة حين اكتشف أنه قد أخطأ في تزرير القميص، وأعاد تزريره من جديد وهو يتأمل وجهه في المرآة للمرة الأخيرة، وأخذ يرتدي رابطة العنق، وصوت يعلو بداخله ويؤكد أن أمر زواجه مسألة شخصية بحتة ولا حق لأحد أن يتدخل فيها.

وغادر البيت كي يركب سيارته وتذكر والدته التي لابد أن قضت أوقاتا سعيدة مع خالاته اليوم الماضي وهن يتناولن أخبار العائلة. وسرعان ما وصل إلى الفندق الذي يقام فيه الفرح، وحين وصل إلى بهو الفندق، كان أول ما يلفت نظره مشهد "العريس" وهو يرقص وحده على سلالم البهو، و"العروسة" تقف بجانبه وملامح الخجل تكسو وجهها. ورفع عينيه إلى أعلى السلم ولمح ابن أخته الصغيرة "ميزو" وهو يرتدي بدلة أنيقة ويقف بجوار ابنة خالته "يمنى" وهما يحملان الشموع. وتراءى له أن "ميزو" سعيد جدا بالبدلة التي يرتديها وكأنه "عريس" و"يمنى" "عروسته" التي يزف إليها اليوم.

وانتهت الزفة، ودخل العروسان القاعة والكل وراءهما، وتعالت الموسيقى وأخذ كل من في القاعة يقف على المسرح ، فقط أخوته الكبار وخالاته يجلسون في أماكنهم يشجعون كل من يرقص ويغني. وبدأ هو ينشغل في الكاميرا التي أحضرها معه، وأخذ يلتقط صورا لـ"العريس" و"العروسة". وبدأ ينسجم مع كل من حوله: ابن خاله المليء بالفرحة، "العروسة" التي بدأت ترقص مع ابن خاله وعيناها تلمع، ووقف من بعيد يشاهد الدائرة التي بدأت تتسع حولهما. وابتسم ابتسامة ممتدة تملؤها الدهشة حين رأى والدة "يمنى" ووالدة "ميزو" يدفعانهما لكي يرقصا معا بجوار "العريس" و"العروسة". وانتهى الرقص ووضع "العريس" قبلة على جبين "العروسة"، وانفجر المدعوون من الضحك حين تجرأ "ميزو"، ووضع قبلة ممتدة على جبين "يمنى"..  

    وتعب الرجل من الوقوف وجلس على أقرب منضدة قابلته، ووجد ميزو يجري نحوه فالتقطه، طبع قبلة على خده، وجلس "ميزو" بجوار الرجل، وأخذ يقول له إن حفلة المدرسة بعد غد، وإن أباه قد رفض أن يشتري له بدلة جديدة، وإنه سيذهب غدا لمقابلة الـ"ميس" ومديرة المدرسة.      

    وقام "ميزو" من على المنضدة، وقال له إنه سيجلس هناك حيث يجلس أفراد العائلة وإنه سوف يأتي بعد قليل، وسمع الرجل صوت والدته، وهي تدعوه لكي ينضم إلى العائلة، وأخذ "ميزو" يمسك يده ويسحبه برفق إلى حيث يجلسون...  

وفي ثوان كان قد انتقل إلى الطاولة التي يجلسون عليها، وبدأت فقرة أخرى في الغناء، واتجه "ميزو" إلى وسط القاعة وهو يبحث عن "يمنى" التي كانت هي الأخرى تقف وحدها ترقص بالقرب من الفرقة الموسيقية، وبدا له أول الأمر أن كل من يجلسون معه منشغل برقص "العريس" و"العروسة" في الحفل. وأخذت والدته توشوش في أذنه بأسماء أهل "العروسة"، تشير إليه بوالدة "العروسة"، ووالدها وأولاد خالاتها وأولاد عماتها، وبدأت خالاته وأزواج خالاته ينظرون إليه، ويسألونه عن أحواله وعن العمل الذي يأخذ كل وقته.

وأحس أن والدته تغمز بعينيها للجالسين، وانتهت الفقرة الموسيقية وانضم ميزو إليهم، وبدأت والدته تشكو من ابنها الذي لا تراه سوى ساعات قليلة في المنزل، و لا تدري إن كانت ستعيش كي تحمل أولاده أم لا. وبدأت كل الأصوات تلتف حوله وتتناغم: صوت خالته الصغرى الدافئ المليء، وهي تقول إن الفرح القادم بإذن الله سيكون فرحه وصوت خالته الكبرى الرخيم المحشرج، وهي تقول لهم إن أولاد العائلة وبناتها لا يناظرهم أحد في التربية والأخلاق، وصوت زوجة أخيه الأنثوي الناعم وهي تقول إن الزواج أصبح مشكلة الآن، وصوت زوجة خاله الغليظ المدبب، وهي ترد عليها وتقول إن كل أبناء العائلة مستريحون ماديا، ويقدرون على الزواج وتتناغم كل الأصوات مع صوت جدته الرجالي الخشن، وهي تضحك وتقول "إنت مش عاوز تتجوز ليه يا ولد؟" ويتصاعد الكونسرتو مع همهمات الحاضرين وأصوات الآلات الموسيقية في القاعة وينتهي مع صوت ميزو الرفيع كالزمارة يقول في صوت مندفع ممطوط: "تعالَ لي المدرسة يا خالو وأنا أجوزك الميس.."  

  وبدأ الرجل ينفعل ...وأخذ يتمتم بكلام فلسفي عن حرية الإنسان الشخصية وعن اختيار الإنسان في الحياة وعن أعداد البشر الهائلة وينظر إلى وجه والدته، وهي تنظر للجالسين في انكسار شديد وتأخذ نبرة صوته في الانخفاض، ويصبح كلامه أكثر وضوحا وهو يتحدث عن خطبته السابقة وعن تجارب زملائه، ويتقطع كلامه ويصبح أكثر انفعالا وهو يتحدث عن الحياة الصعبة وظروف العمل الطاحنة التي تدور به في دائرة مغلقة أصبح هو نفسه راضيا بها ولا يريد أن يخرج منها.

    وبدأت أصوات الآلات في القاعة تعلو وتغرق صوته، وجاء صوت الميكرفون في القاعة يعلن أن البوفيه جاهز الآن ، وأصبح على عاتقه أن يحضر الأطباق لكل كبار العائلة الذين لا يستطيعون الخوض في الزحام.

    وبدأ الزحام على البوفيه وأخذ "ميزو" يساعده على نقل الأطباق إلى حيث يجلسون. وطوال العشاء كان يلمح ملامح الاندهاش على وجه أفراد العائلة وينظر لهم في اندهاش هو الآخر ويسود الصمت الحاضرين ويخترق أذنه صوت والدته الدافئ الرخيم، وهي تتحدث بين الحين والآخر عن الفرح، تنظر له في توسل ، تنخفض نبرة صوتها، وتتنهد وهي تدعو أن تعيش حتى ترى يوم فرحه. ويتحسس بصره عينيها و يشفق عليها، وتقع عيناه على "ميزو" و"يمنى"، وهما يجلسان سويا يتناولان العشاء... ورغما عنه يضع ابتسامة مثقلة على شفتيه، يقول لها بصوت خفيض مرتعش إنه يدعو لها بطول العمر، وأن تعيش حتى ترى فرحه وفرح كل صغار العائلة بما فيهم "ميزو" نفسه الذي يجلس الآن بجوار "يمنى" في انسجام يتناولان معا العشاء...     

شيماء زاهر

          

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home