القلم العلمي

 

الضحك عند برغسون

محمد شاويش



 

الضحك عند برغسون، مناقشة (1)

محمد شاويش - برلين

 

"ماذا يعني الضحك؟ ماذا يوجد في عمق الشيء المضحك؟ ماذا يوجد من شيء مشترك بين تكشيرة المهرج، والتلاعب بالكلام، وغمز المسرح الهزلي، ومشهد الكوميديا الذكية؟ ما هو هذا التقطير الذي يعطينا روح العطر،دائم الذاتية،والذي تأخذ منه المستحضرات المتنوعة: إما رائحتها المزعجة أو عطرها الناعم؟ لقد عكف أكابر المفكرين، منذ أرسطو، على هذه المسألة الصغيرة التي ما زالت تهرب أمام الجهد، وتنساب، وتتملص، ثم تنتصب، كالتحدي الوقح في مواجهة التأمل الفلسفي" (2)

هذه هي الأسئلة التي يحاول برغسون الإجابة عليها في كتاب صغير، ونحن هنا سنحاول أن نستعرض موجزين نظريته في الضحك ونناقشها لأننا نرى في دراسة الضحك أهمية خاصة للسيكولوجيا التي نكتب حولها.

ينطلق برغسون من ثلاث ملاحظات يعتبرها "ركيزية وهي تتناول الهزل بالذات أقل مما تتناول المكان الذي يجب التفتيش عنه فيه"

الأولى: "لا شيء هزلي خارج ما هو "بشري" بشكل خاص" "ربما نضحك من حيوان لأننا نكون قد عثرنا فيه على موقف كموقف الإنسان، أو على تعبير كتعبير البشر نضحك من قبعة، ولكننا نقصد عندئذ الهزء، لا من قطعة اللباد أو القش، بل من الشكل الذي أعطاها إياه الإنسان، بل من النزوة البشرية أو الجموح البشري الذي ارتداه قالبها" (ص10)

والثانية "اللاإحساس" الذي يرافق عادة الضحك"

"يبدو أن الهزل لا يمكن أن يحدث هزة إلا إذا وقع على سطح نفس هادئة جداً، متماسكة جداً. إن اللامبالاة هي بيئة الهزل الطبيعية. والضحك ليس له من عدو أكبر من الانفعال" (ص11)

"جربوا، للحظة الاهتمام بكل ما يقال، وبكل ما يجري، وتصرفوا، بالخيال، مع أولئك الذين يعملون، تحسسوا مع أولئك الذين يتحسسون، وأعطوا أخيراً لودكم أوسع مداه: وكما لو كانت هناك عصا سحرية سوف ترون الأشياء الأكثر خفة تتخذ وزناً، ويغلف التلوين القاسي كل الأشياء والآن ابتعدوا بأنفسكم، شاهدوا الحياة كمتفرج لا مبال: الكثير من المآسي تتحول إلى كوميديا. يكفي أن نسد آذاننا بوجه صوت الموسيقى، في صالون فيه حفلة راقصة حتى يظهر لنا الراقصون سخفاء في الحال" (ص11)

والثالثة: "إننا لا نتذوق الهزل "النكتة" إن شعرنا أننا وحدنا. إذ يبدو أن الضحك يحتاج إلى الصدى (...) إن ضحكتنا هي دوماً ضحكة المجموعة" (ص12)

هذه الملاحظات تتناسب مع ما سنراه الآن من فرضية برغسون الأساسية عن الضحك: إن الضحك هو نوع من الإشارة الاجتماعية وهو بما يوحيه من ترهيب يقمع الخروج أو الشذوذ، ويحفز بصورة دائمة، وباتصال متبادل بعض النشاطات التي توشك أن تنعزل" (ص20)

ظاهرة واحدة يراها برغسون جوهر الهزل ومفتاح تفسيره: "الأوتوماتيكية": تحوّل الحياة إلى آلية متصلبة والضحك هو عمل قمعي يهدف إلى تصحيح  هذا الوضع الشاذ: "كل جمود وتصلب في الشخصية، وفي الفكر، وحتى في الجسد، سيكون مشبوهاً بالنسبة إلى المجتمع، لأنه الدلالة الممكنة على نشاط يخبو وأيضاً على نشاط ينعزل (...) ومع ذلك فالمجتمع لا يمكنه أن يتدخل هنا بفعل القمع المادي، لأنه لم يصب مادياً. إنه في مواجهة شيء يقلقه، إنما كمؤشر فقط- بالكاد تهديد، وفي المحصلة إشارة. وإذا فجوابه يكون عليها بالإشارة أيضاً" (ص20)

الكتاب بعد ذلك استعراض لأنواع من الهزل ومحاولة لإثبات اطراد القاعدة السابقة عليها وسنعرض بإيجاز فيما يلي أمثلة من برغسون تشمل أغلب هذه الأنواع:

-     هزل الهيئة: بماذا تتميز الهيئة المضحكة عن الهيئة البشعة عموماً (التشويه الجسدي مثلاً)؟

يرى برغسون أن كل تشويه يمكن لشخص سوي الشكل أن يقلده يمكن أن يكون موضع هزل. فالأحدب مثلاً يعطي انطباعاً عن رجل تيبس إرادياً في وضع غير طبيعي: "ويكون الوجه أكثر هزلية كلما أوحى لنا، بصورة أفضل، بفكرة نوع عمل بسيط، ميكانيكي حيث تمتص الشخصية و إلى الأبد. هناك وجوه تبدو مشغولة بالبكاء دائماً وأخرى مشغولة بالضحك أو بالصفير" (ص23)

-     هزل الإيماءات: "تكون الأوضاع، والإشارات وحركات الجسم البشري مضحكة بقدر ما يذكرنا هذا الجسم بالميكانيكية المجردة البسيطة" (ص24)

مثلاً: إشارات وحركات الخطيب. الفكر كما يرى برغسون لا يتوقف ولا يكرر نفسه وإنما يتغير وينمو باستمرار فإن أعاد الذي يلقي خطبة الحركة نفسها فإن "الحياة لم تعد هي التي تتحرك، بل الأوتوماتية التي تركزت واستوطنت في الحياة وأخذت تقلد الحياة" (ص27)

-     هزل الأفعال والأحداث: "يكون مضحكاً كل ترتيب للأفعال وللأحداث يوحي لنا وهماً بأن الحياة قد دبت ضمن الترتيب الميكانيكي"

ومن أمثلة ذلك ما يسميه "العفريت ذو الزنبرك" (كمشهد مسرحي كلما دفع فيه أحد الأبطال آخر داخل البيت أطل برأسه من الشباك)

وأيضاً منها ما يسميه "الدمية- الشخص ذات الخيوط" حيث يستمد الموقف الهزلي من وضع الشخصية ضمن ظروف تسيرها فيه شخصية أخرى وهي تحسب أنها تعمل بحرية.

ومنها ما يسميه "كرة الثلج" حيث يأخذ الموقف هزليته من توالي سلسلة من الحوادث بحيث يؤدي السبب التافه أصلاً إلى سلسلة أحداث تزداد خطورة.

وفي ملاحظة هامة لبرغسون يقول "تبدو الحياة لنا وكأنها تطور في الزمن وكأنها نوع من التعقيد في الفضاء. إذا نظر إلى الحياة من حيث الزمن فهي تقدم مستمر في كائن يشيخ باستمرار: وهذا يعني أنها لا تعود إلى الوراء، ولا تتكرر إطلاقاً. فإذا نظر إليها في الفضاء فإنها تعرض أمام أعيننا عناصر متواجدة ومتماسكة فيما بينها بوثوق حميمي، وبتراكب حصري، إلى درجة أن أياً من هذه العناصر لا يمكن أن ينتمي بذات الوقت إلى جسمين مختلفين: كل كائن حي يشكل جهازاً مغلقاً من الظاهرات غير قابل للتداخل مع أجهزة أخرى. تغير مستمر في المظهر، لا ارتدادية في الظاهرات، فردانية كاملة في سلسلة مغلقة بذاتها، هذه هي السمات الخارجية (الحقيقية أو الظاهرية، لا يهم) التي تميز الكائن الحي عن الميكانيكي الخالص. ولنأخذ من هذا نقيضة فيحصل لدينا ثلاثة أساليب نسميها إن أحببت التكرار، الارتداد، وتداخل السلاسل. من السهل أن نرى أن هذه الأساليب هي أساليب المهزلة" (ص62)

ومن أمثلة التكرار أن يكرر الخدم مشهداً سبق أن لعبه الأسياد أو يكرر الأسياد مشهد عناد أعطاهم الخدم مثاله.

ومن أمثلة الارتداد (القلب) المتهم الذي يقدم المواعظ للقاضي والطفل الذي يلقي الدروس على والديه.

ومن أمثلة "تداخل السلاسل" اللبس وهو أن تدخل شخصيات ضمن لحظة معينة في سوء تفاهم بحيث أن الأفعال والأقوال الواحدة تناسب الجميع ولكن بمعنى مختلف عند كل منهم.

-     لنذكر أخيراً (وليس في نيتنا أن نلخص تفاصيل كتاب "الضحك" كلها) ما في الكتاب عن "هزل الشخصية أو الطبع":

الشخصية الهزلية عند برغسون هي أساساً شخصية "مستسلمة للسهو"، متصلّبة في عاداتها أو طباعها وهذا التصلب يعطيها أوتوماتية وانعزالاً يقمعه المجتمع بفعل الضحك. ويرى برغسون ان الكوميديا تصوّر أساساً الشخصيات النمطية العامة. ما هو مشترك من الطباع في الأشخاص. ما هو خارجي قابل للرصد. خلافاً للدراما التي لا تصور إلا فردية الأشخاص المتميزة من هنا كما يقول برغسون الأسماء النمطية لكوميديات كبرى "البخيل"، "النساء العالمات".

 ما تقدم كان الخطوط العريضة لنظرية برغسون في الضحك كما وردت في كتابه المعنون بهذا الاسم. ولنناقش الآن أطروحة برغسون:

 ما الناقص في نظرية برغسون عن الضحك وما الذي أغفلته؟

-     نلاحظ أننا لا نجد في النظرية أي تصور لأصل الضحك. كل ما نجده هذه الفرضية الغامضة: "الضحك هو ببساطة أثر من أوالية ركبت فينا من قبل الطبيعة، أو- مما يعني نفس الشيء تقريباً- من قبل عادة طويلة جداً اكتسبناها في الحياة الاجتماعية" (ص127)

فهو لا يأخذ بعين الاعتبار بقدر كاف ظهور الضحك في عهد الطفولة المبكرة، ومن المستحيل تطبيق نظرية برغسون (الوظيفة الاجتماعية للضحك) على ضحك الطفل (على الأقل!)

-     وهذا النقص في نظرية برغسون مرتبط ارتباطاً وثيقاً بثغرة كبيرة في النظرية يمكن أن نسميها "إهمال التحليل الوجداني"، فمن المعروف أن الضحك (ونجد هذا مكتوباً على الغلاف) هو "مطلب اجتماعي وفردي" فهو إذن يرتبط بحالات وجدانية ملائمة نفسياً ومريحة، ومن الصعب أن نفهم هذه الحقيقة إذا سرنا مع برغسون وصدقنا أن الوظيفة الأساسية للضحك هي القمع! ولم نر حقيقة ساطعة لم يرها برغسون وهي أن الضحك غالباً ما يعبر عن السرور بخرق نظام الكون والأشياء لا عن "التحذير" لمن يقوم بهذا الخرق كما يقول برغسون ويعيد متجاهلاً بصورة غريبة الواقعة المشاهدة التي تنقض فرضيته وتعاكسها والقائلة إن الضحك يسر الضاحك ولو كان الهزل الذي يثير الضحك يضايق المجتمع ويسعى بالضحك على حد زعم برغسون  إلى قمعه لما كان الضحك ساراً فقد أثاره على رأي برغسون موقف مزعج ولعل هذه الملاحظة تدلنا على أن شخصية فيلسوف الضحك برغسون هذا كانت في الحقيقة بعيدة عن خفة الظل والمرونة والتسامح الاجتماعي، وهي الصفات المطلوبة في نظرنا من كل من يريد أن يفهم المعنى الاجتماعي الحقيقي للضحك، فهو كما نرى قد رأى في الضحك وظيفة اجتماعية هي بالضبط عكس وظيفته!.

-     الضحك – كما هو معلوم- يظهر عند الطفل متأخراً قليلاً عن البكاء الذي يظهر بعد الولادة فوراً. ونجد في كتاب ديزموند موريس "القرد العاري" (3) فرضية عن أصل الضحك نجدها معقولة في منظور التحليل الوجداني ومنظور تحليل الحركات العضلية (وربما المنظور الفسيولوجي أيضاً)

الفرضية تقول: إن الضحك في أصله بكاء، الطفل يرى شيئاً أو شخصاً فتثير فيه المفاجأة استعداداً للبكاء، ثم يعود إلى التكيف مع المشهد ويكتشف أنه غير مخيف فيعود إلى الاسترخاء في حركات مشابهة ومعاكسة بآن واحد للبكاء (هي الضحك)، ولن نتولى هنا تحديد ما تشابه فيه حركات الضحك الجسدية نظيراتها في البكاء وما تعاكسها فيه بالدقة المطلوبة وسنكتفي بذكر حقيقة أن الضحك هو حركات استرخاء نفسي وعضلي في حين يرافق البكاء توتر عضلي ونفسي (وإن كان للبكاء أيضاً كما هو معلوم دور في تنفيس التوتروالحركات العضلية للبكاء تشابه فعلاً مشابهة تلفت النظر حركات الضحك).

لنقل إذاً، بناء على هذا التحليل البدئي المزدوج، العضلي، الفيزيولوجي- النفسي، إن الضحك هو حركة استرخاء نفسي جسدي موجودة بالتناقض مع حركة توتر نفسي- جسدي متلاشية.

لنتذكر الآن أننا في المفاهيم الشائعة نجعل للهزل نقيضاً هو "الجد". والهزل يقترن بصفات أخلاقية واجتماعية مثل "المجون"، "اللامبالاة"، "الطيش"، "قلة الهيبة"، "الباطل" (ومنه مقولة منسوبة إلى عدد من الصالحين: "إني لأداوي نفسي بشيء من الباطل لتقوى على الحق")

والجد بالمقابل يقترن بصفات مثل "المسؤولية"، "المهابة"، "الحق". ويمكن أن نجد اقتراناً قد لا يراه المرء لأول وهلة بين الهزل والطبقات الدنيا من المجتمع والجد والطبقات العليا ولنذكر في هذا المجال أن "الكوميديا" سابقاً كانت تأخذ شخصياتها من الشعب وهي القطب الهزلي في المسرح أما "التراجيديا" فكانت تأخذ شخصياتها من "النخبة" وهي القطب "الجدي" في المسرح.

ومن هذه الاقترانات (التي أخذناها اعتباطاً ويمكن رؤية مفاهيم وصفات أخرى مرتبطة بالقطبين "الهزل" و "الجد") نرى أن السمة العامة للهازل هي أنه "لامبال" بنظام الكون أو المجتمع و"منطق الخيال" الذي تحدث عنه برغسون في كتابه حين قال إننا في الخيال نعتقد أن الزنجي هو أبيض دهن نفسه بالأسود (لم يذكر برغسون أن هذا الاعتقاد هو عند المجتمع الذي غالبيته بيضاء وقد كان ممكناً تصور العكس في مجتمع غالبيته سوداء ودخل إليه بالصدفة ناس بيض) يوحي لنا أن المجنون والذي يتعثر ويقع لاصطدامه أثناء المشي بعقبة لا يراها ودونكشوت إلخ.. هم قوم يخترقون القواعد قصداً وعمداً ومن هنا نتقمص شخصياتهم لنهم يحققون لنا رغبة جوهرية في الخروج عن "جد" الكون وفي تغير هذا النظام الكوني الاجتماعي الضاغط على الحيوية الطبيعية لنا.

الضحك أساساً إذاً لا هو "إشارة تحذير" و لا هو "عقاب" كما يرى برغسون بل هو أساساً حركات بهجة لأن الكون قد انقلب رأساً على عقب!

لنقرأ هذه الفقرة من كتاب برغسون: "تبدو الحياة لناو كأنها تطور في الزمن وكأنها نوع من التعقيد في الفضاء. إذا نظر إلى الحياة من حيث الزمن فهي التقدم المستمر في كائن يشيح باستمرار: وهذا يعني أنها لا تعود إلى الوراء ولا تتكرر إطلاقاً. فإذا نظر إليها في الفضاء فإنها تعرض أمام أعيننا عناصر متواجدة ومتماسكة فيما بينها بوثوق حميمي، وبتراكب حصري، إلى درجة أن أياً من هذه العناصر لا يمكن أن ينتمي بذات الوقت إلى جسمين مختلفين: كل كائن حي يشكل جهازاً مغلقاً من الظاهرات غير قابل للتداخل مع أجهزة أخرى. تغير مستمر في المظهر، لا ارتدادية في الظاهرات، فردانية كاملة في سلسلة كاملة بذاتها، هذه هي السمات الخارجية (الحقيقية أو الظاهرية، لا يهم) التي تميز الكائن الحي عن الميكانيكي الخالص. ولنأخذ من هذا نقيضة فيحصل لدينا ثلاثة أساليب نسميها إن أحببت التكرار، و الارتداد، وتداخل السلاسل. من السهل أن نرى أن هذه الأساليب هي أساليب المهزلة، وانه لا يمكن أن يكون خلافها" (ص62)

ألا نجد هاهنا الفكرة التالية "الهزل هو عكس النظام الذي تسير عليه حياة الإنسان"! على أن برغسون بدلاً من أن يجد في الضحك تعاطفاً مع عملية العكس هذه وابتهاجاً بها يجده عقاباً عليها وتحذيراً! ويمكن لنا أن نلمس هنا تأثير وجهة النظر الاجتماعية المحافظة لبرغسون في هذا التحليل للبعد الاجتماعي للضحك.

-     على أن برغسون في النهاية يجد نفسه مضطراً إلى الإقرار بما في الضحك من اندماج مع خرق الهزل لمألوف الكون: "خلال لحظة على الأقل نندمج في اللعبة وهذا يريحنا من تعب الحياة ولكننا لا نستريح إلا لبرهة فالود الذي يمكن ان يدخل في الانطباع في المضحك هو ود سريع الهرب. إنه يأتي أيضاً من السهو والشرود. وعلى هذا يندمج الأب الصلب القاسي، في بعض الأحيان، تناسياً، في شيطنة من شيطنات ابنه. لكنه يتوقف حالاً لكي يعاقب ويصلح" ص126)

والحال أن الناس ليس "في "بعض الأحيان" بل دائماً يندمجون في "شيطنات" الهازلين ولولا هذا الاندماج لما ضحكوا لأن الاندماج شرط نفسي للضحك وفقاً لفرضيتنا في التفسير النفسي للضحك.

-     يجد برغسون في "الأوتوماتيكية" و "التصلب" الذي يعتري الكائنات البشرية أساس الهزل ويأتي الضحك عقوبة وتصحيحاً لهذه الأوتوماتيكية وهذا التصلب. أما نحن فنجد في الأوتوماتيكية سخرية من الحياة وإظهاراً لسخف نظامها.

ولو أردنا أن نفكر بطريقة التحليل النفسي فسوف نجد رابطاً بين "الأوتوماتيكية و"العدوانية" وفي الضحك بالفعل تحقيق لدافع عدواني مكبوت لا يراه برغسون في بعض أمثلته:"عندما يتقدم المفوض إلى المشهد، فإنه يتلقى في الحال ،كقصاص، ضربة تقضي عليه وينتصب من جديد فتوقعه في الأرض ضربة جديدة"(ص51)

وهو لا يرى هزلياً في هذا المشهد إلا تكرار الوقوع والقيام (وهي أوالية هزلية سماها"العفريت ذا الزنبرك")وبنظري فإن المشهد هزلي لأنه يحرر دافعاً عدوانياً مكبوتاً عند المشاهد ولتوفر الشرط في الموقف الهزلي الذي نحن بصدد الجدال مع برغسون في تحديده.

وعندما يتحدث برغسون عن أوالية الارتداد (أو القلب) (ص65) لا يرى الأمنية التي تحققها أمثلته في أن تنقلب أمور الحياة فيتحول المسيطرون إلى مسيطر عليهم: المتهم الذي يقدم المواعظ للقاضي،والطفل الذي يريد إعطاء الدروس لوالديه..ولا بأس أن نذكر هنا مسرحية هزلية عربية شهيرة هي "مدرسة المشاغبين" حيث يقوم الهزل فيها منذ أولها إلى آخرها على موقف يتولى فيه التلاميذ المشاغبون السيطرة على أمور المدرسة ويقف الناظر والمدرسون عاجزين. ومن باب التكلف في نظرنا أن لا نرى في الهزل هنا إلا أنه نتج عن "مكننة" الحياة بقلب المواقف،ولا نرى الأمنية الكامنة عند المشاهدين بأن ينقلب نظام الحياة!

-     يقدم "الماجنون" و "المشاغبون" و "المجانين" و"الطفيليون" وغيرهم من الأنماط التي لن نعدها الآن أمثلة على اللامبالاة بالقواعد الاجتماعية،واندماجنا مع هؤلاء اللامبالين بما فيهم من "جرأة" و"صفاقة" وضحكنا لأفعالهم تحققاً لأمنية الخرق لنظام الحياة.

-     على أن شرطاً جوهرياً للموقف الهزلي يراه برغسون ويجدر بنا فعلاً أن نتبناه. هذا الشرط هو "عدم الانفعال" أو "اللامبالاة" تجاه الهازلين وبالفعل فإن أي شعور بالشفقة تجاه "الناظر" في مسرحية "مدرسة المشاغبين" أو أي محاولة لتفهم سبب آخر لمشاغبة التلاميذ غير لامبالاتهم ورغبتهم المجانية في خرق الأنظمة المدرسية يفسد الهزلية،ذلك لأننا حين ننفعل انفعال شفقة أو نحلل عقلياً الموقف الحياتي نستعيد ذكرى القوى التي تجبرنا على أن نسير باتجاه حياتي معين ولكننا حين نضحك نكون عائشين تجربة تخيلية لحياة لامعقولة ولا يمكن تحليلها أو تبريرها بحيث تتيح لنا أن نشمت بها بصورة مطلقة ولا نرى فيها شيئاً يدفع إلى التعاطف أو التفهم.تجاه "هرباغون" بخيل موليير لا يمكن أن نأخذ موقف الضحك لو تذكرنا أن للبخيل وجهة نظر (علماً أن للبخلاء بالفعل وجهة نظر في بخلهم شوهها أديبنا الكبير الجاحظ وسخفها لكي نرفضها مباشرة ونعد محاولة البخيل الاحتجاج لبخله بحد ذاتها مجوناً إضافياً من مجونيات البخيل الذي مجونه الأساس أنه لا يأبه للقاعدة الاجتماعية التي تطلب من الفرد أن يكون جواداً وتعيب عليه أن يكون بخيلاً)

-     لنتكلم قليلاً عن الضحك من وجهة نظر قواعد "الاحترام الاجتماعي":

 

لقد كثرت الوصايا في تراثنا التي هي من نوع "المزاحة تذهب المهابة".ومن القواعد المتعلقة بهذا الباب عدم المزاح مع الأعلى في السلم الاجتماعي ولو تأملنا في مفهوم "المهابة" أو "الهيبة" لوجدناه اعتباراً من أصله اللغوي مقترناً بالإخافة و"الإنسان الجاد" هو المؤهل أن يكون "مهيباً" وليس الهازل.

والهزل مقترن بالاستهتار بالقواعد الاجتماعية بل هو مقترن بالاستهتار بنظام الأشياء في الطبيعة عموماً في حين أن "الجد" هو النقيض،هو الالتزام الدقيق بهذه القواعد والإيمان برسوخ هذا النظام و"الهيبة" المقترنة باشتقاقها اللغوي وطبيعتها النفسية بالخوف هي من صفات الجاد التي تعكس قوته الاجتماعية لأنه يمثل مصادر السلطة الاجتماعية فهو بجديته تذكير دائم بهذه السلطة وعلى عكس ذلك الهازل المتخلي عن قواعد السلطة الاجتماعية والمستهتر بها وحين نضحك منه فإننا بالتأكيد لا نكون نخاف منه ولهذا لا يكون الهازل مهيباً وليس الهزل من صفات أهل السلطة!

ومن هنا قد يقترن الضحك من الهازل بعدم احترامه أو ضمناً وبصورة غير مباشرة إن لم تكن مباشرة باحتقاره ولعل هذا الوضع هو المبرر الوحيد الذي قد نجده لنظرية برغسون العجيبة التي ترى في الضحك عقوبة خفيفة وتحذيراً! هذا علماً أن برغسون لا يذكر شيئاً عن السبب الذي يجعل من الضحك عقوبة أو تحذيراً.

والاقتران بين الضحك والاستهتار بالسلطة(الاجتماعية أو السياسية..إلخ) هو الذي يؤدي بممثلي الأجهزة الموكلة بحفظ النظام الاجتماعي إلى الحذر من الهزل،وبالفعل فإن قسماً كبيراً من النكات المتداولة يتعلق بهذه الأجهزة كالنكات السياسية والنكات التي تسخر من المؤسسات الدينية وما شابه ذلك.

بعد ما تقدم آن الأوان لنطرح فرضيتنا البديلة في تفسير الضحك:طبيعته ووظيفته:

تفسير الضحك عندنا يستند إلى أنه في حالته الناضجة عند الكبار في السن منبثق من واقعة الاستلاب الذي هو عندنا(بتعريف عام) اليأس العميق من إمكانية الخلاص من الاضطهاد.

المستلب – بفتح اللام هو مضطهد يائس يؤمن بعمق أن النظام الاجتماعي والطبيعي الذي يضطهده هو نظام كلي القدرة لا تمكن زحزحته أو تغيير مكوناته وأنه نظام متماسك لا ثغرة فيه ولا تناقض داخلي.

الهزل أو بمعنى أدق:الموقف الهزلي يقدم للمستلب خرقاً خيالياً لهذا النظام المتماسك وإذا كان الإيمان الاستلابي بقدرة النظام الاجتماعي والطبيعي المضطهد للفرد غير المحدودة يسبب للفرد ضيقاً نفسياً هائلاً فإن الخرق الخيالي لهذا النظام الذي ينوء به المستلب كأنه ليل امرئ القيس الذي أردف أعجازاً وناء بكلكل والذي يقوم به الهزل يسبب انفراجاً مؤقتاً وتوقفاً فيما أسميناه بأماكن أخر "الأزمة الاستلابية". الموقف الهزلي يصور العالم متناقضاً قابلاً للانقسام.

وبسبب طبيعة الهزل هذه كان الهزل هو الشكل المفضل للنقد الاجتماعي في الأدب.

 

هوامش:

 

(1)      اعتمدنا في المقال على نسخة عربية من كتاب "الضحك" لهنري برغسون-ترجمة د.علي مقلد.نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت – الطبعة الأولى –1987.

(2)      المرجع السابق – ص9.

(3)      انظر الطبعة العربية من الكتاب الصادرة عن دار الحوار باللاذقية ترجمة ممدوح عدوان.الكتاب حافل بالأوهام التي تعتري علماء البيولوجيا حين يحاولون أن يفسروا ظواهر اجتماعية بالبيولوجيا وحدها ولكنه يحتوي على بعض الملاحظات المفيدة كانت الملاحظة التي ذكرناها هنا واحدة منها.

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home