القلم السياسي

 

منظمة التحرير الفلسطينية

هيثم أبو الغزلان




منظمة التحرير الفلسطينية
واقع الحال ودعاوى الإصلاح

هيثم أبو الغزلان

منذ تأسيسها حتى يومنا هذا استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية عبور منعطفات سياسية حادة لعبت فيها عوامل خارجية أو داخلية أو كلاهما معاً، دوراً بارزاً، ولكنها تجاوزت كل هذه المنعطفات كونها ضرورة وطنية كيانية وإطاراً تنظيمياً للشعب الفلسطيني ومعبرة عن وحدته ووحدة قواه، وحاضنة لقضيته وتضحياته وأهدافه السياسية.
وكان من أخطر نتائج حرب عام 1948 ضياع الهوية الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني وتراجع القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية إنسانية على المستوى الدولي، ومن ثم نشأ فراغ سياسي لدى الشعب الفلسطيني استمر لمدة عقد ونصف.
وفي (28/5/1964)، عقد في القدس المؤتمر الوطني الفلسطيني، حضره ممثلو رؤساء الدول العربية جميعاً (باستثناء السعودية) وضم المؤتمر 350 مندوباً فلسطينياً توافدوا من معظم الدول العربية. وأعلن في ختام المؤتمر عن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل لجان لها. وأقر الميثاق الوطني الفلسطيني والنظام الأساسي وانتخب أحمد الشقيري رئيساً للمؤتمر،  ثم رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد نص النظام الأساسي الذي أقر على أن تقوم العلاقة داخل المنظمة على ترابط وثيق بين المستويات المختلفة في الشعب الفلسطيني وقيادته الجماعية على أساس احترام الأقلية لإرادة الأغلبية، وكسب ثقة الشعب عن طريق الإقناع. ونص النظام الأساسي على أن يقوم المجلس الوطني بانتخاب رئيس اللجنة التنفيذية، ويقوم الرئيس المنتخب باختيار وتعيين الأعضاء الأربعة عشر الآخرين.
وكان للخلافات الرسمية العربية تأثير بارز على ولادة المنظمة، حيث فرضت عليها القيود العديدة، لإبقائها تحت سيطرة الوضع الرسمي العربي بدءاً من ميثاقها والذي سمي "بالميثاق القومي" مروراً بمحدودية مسؤوليتها عن الشعب والأرض الفلسطينية بما في ذلك جيش التحرير الفلسطيني الذي أنشئ باسمها، وصولا لاقتصار تشكيلاتها على الأفراد بصفتهم الشخصية. وعدم السماح للقوى السياسية بالمشاركة في هذه التشكيلات.
وأدركت النظم العربية آنذاك أهمية تأطير نضال الشعب الفلسطيني، ومن أجل الإمساك بورقة نضاله والخوف من الخروج عن كل مألوف قد يقوم به الشعب الفلسطيني؛ فقد ظهر في حينه ما يزيد عن أربعين منظمة سياسية سرية بين التجمعات الفلسطينية، تدعو غالبيتها لإمساك الشعب الفلسطيني بزمام قضيته الوطنية وإبراز هويته الوطنية المستقلة من أجل تحرير أرضه وبناء دولته المستقلة وحقه بالعودة إلى وطنه، متأثرة بالنهوض التحرري الوطني في الجزائر واليمن وكوبا في أميركا اللاتينية إلى الصين وفيتنام في جنوب شرق أسيا، وشكل من أشكال الرد على عجز الوضع الرسمي العربي عن عمل شيء جدي للقضية الفلسطينية.
وهذا يقودنا إلى أن منظمة التحرير، منذ نشأتها الأولى، استندت إلى شرعية مزدوجة، شرعية رسمية عربية، وشرعية فلسطينية مستندة إلى جماهير الشعب الفلسطيني. هذه الشرعية المزدوجة كانت أهم عناصر صراع وخلاف داخل مؤسسات المنظمة لاحقاً وطيلة مسيرتها النضالية.

منحى مختلف
والإعلان عن انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965، أدخل المنظمة في منحى مختلف، فقد قامت الثورة وبمختلف فصائلها بمواجهة الكيان الصهيوني بشكل مباشر، وتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبدأت فصائل المقاومة تتناقس من خلال نجاح عملياتها وتكبيد العدو الخسائر الفادحة، مما منحها شرعية الوجود والاستمرار ودعم الجماهير الفلسطينية والعربية، وخاصة بعد نكسة حزيران 1967، وقيام الثورة الفلسطينية بمعركة الكرامة وتكبيد العدو خسائر فادحة، الأمر الذي كرس شرعيتها وخاصة بعد تسلمها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
وبعدها تم التوصل إلى صيغة اتفق عليها لتشكيل المجلس الوطني على النحو التالي: 50 مقعدا لمنظمة التحرير الفلسطينية والصندوق القومي والتنظيمات الطلابية والعمالية، و38 مقعدا لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، و10 مقاعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومقعدان للمستقلين. وهكذا تشكل المجلس الوطني الجديد من 100 عضو، وعقد دورته الرابعة لأول مرة عام 1968 بوجود الفصائل الفلسطينية ذات الرؤى المتعددة.
بعد حرب 1973، حصلت الكثير من المتغيرات على الساحة الفلسطينية والعربية وكسرت بعض الثوابت في المنطقة، التي ترسخت بعد هزيمة 67، ودخول الطرف الأمريكي على الخطوط في المنطقة، وبروز دوره السياسي ما بعد الحرب. مما أثار نقاشاً وحواراً داخل الساحة الفلسطينية بين مختلف ألوان التعدد السياسي، وأخذ الحوار أبعاداً مهمة في مختلف الوسائل الإعلامية والصحفية، وأوجد توتراً في العلاقات الداخلية تمثل بانسحاب بعض القوى من اللجنة التنفيذية للمنظمة. وأصبحت منظمة التحرير وكأنها غير قادرة على احتضان التعدد السياسي. وبرزت نقاط الخلاف حول الموقف من التسوية السياسية، ومسألة السلطة على الأراضي التي قد ينسحب منها العدو وهو ما عرف بالبرنامج المرحلي عام 1974.
وجرت مداولات حول هذه القضايا داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، إذ طرحت مسودة عمل مشتركة لـ (فتح) و(الصاعقة) و(الجبهة الديمقراطية) أكدت على أهداف الثورة، وأسس الاتفاق على بناء السلطة الوطنية على الأراضي التي قد ينحسر عنها الاحتلال. وتقدمت الجبهة الشعبية بورقة أخرى لمناقشتها داخل المجلس تؤكد على أن أهداف الثورة لن تتحقق إلا من خلال الكفاح المسلح، وأن أي سلطة فلسطينية تقوم على أية أرض فلسطينية نتيجة التسوية لن تكون إلا سلطة مستسلمة، وعلى منظمة التحرير ألا تعترف بها. وأقر المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة برنامجاً سمي آنذاك بالبرنامج المرحلي، أو برنامج النقاط العشر، بعد نقاشات ومفاوضات سياسية سبقت الاتفاق عليه. وقد تضمن البرنامج نصاً يطالب بإقامة سلطة الشعب على كل جزء من الأراضي الفلسطينية التي يتم تحريرها. وبعد أن اتفق على ذلك البرنامج، ظهرت ردود الفعل اللاحقة فأظهرت خللاًَ في الإجماع الفلسطيني؛ تمثل بإقامة تحالف بين ثلاث منظمات فلسطينية، هي: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، وجبهة التحرير العربية.
وتميزت السنوات الثلاث التي تبعت إقرار البرنامج المرحلي بالخلافات الدائمة واستمرار حالة القطيعة بين منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، والتحالف الرافض من جهة أخرى. واتسعت الخلافات حول العديد من القضايا، وازداد الخلاف عام  1977 في دورة المجلس الوطني الثالثة عشرة، حيث برزت لأول مرة عام 1977، فكرة الاتصال مع القوى اليهودية داخل الوطن المحتل وخارجه، التي تناضل ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة.

إعادة توحيد
وبعد التوقيع على اتفاقية (كامب ديفيد) بين مصر وإسرائيل، أعيد توحيد منظمة التحرير الفلسطينية، لتجد الفصائل المختلفة نفسها أمام وحدة في المؤتمر الرابع عشر، ومن بعده الخامس عشر الذي انعقد عام 1981 في جو من التسامح والتوحيد وتنسيق أكبر على كل المستويات، وبخاصة لأن تهديداً جديداً بدأ يظهر هذه المرة تمثل بالتحضير للانقضاض على الثورة الفلسطينية، وتصفية الوجود السياسي والعسكري الفلسطيني في لبنان. وكان لحرب لبنان دور أكبر في تصليب وحدة فصائل المنظمة التي ترجمت نفسها في الدورة السادسة عشرة، التي عقدت بعد حرب لبنان، حيث تم البحث في استكمال المسيرة بعد رحلة التشتت التي بدأتها منظمة التحرير، التي توزعت على الأقطار العربية. وبقدر ما أظهرت حرب بيروت حالة من الوحدة، عكسها الصمود الرائع لقوى العمل الوطني في لبنان، كشفت عن سلبيات تعتري الحالة الفلسطينية، التي استدعت التوقف عندها. وظهرت الخلافات من جديد، وبدأ التشكيك بقدرة منظمة التحرير، والدعوة لإعادة هيكلتها. وبرزت دعوات للإصلاح، فانشقت الساحة الفلسطينية مرة أخرى إلى تيارات ثلاثة، الأول المتمثل بمنظمة التحرير وعمودها الفقري حركة (فتح)، الثاني التحالف الديمقراطي المتمثل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني، والثالث التحالف الوطني الذي ضم الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة وجبهة النضال الشعبي و(فتح الانتفاضة) والحزب الشيوعي الثوري والصاعقة، وفي مرحلة ما حركة فتح المجلس الثوري بزعامة صبري البنا.
 وفي أجواء ما قبل الاتفاق الذي لم تتم ترجمته، والمشحونة بالتوتر والاشتباك وتبادل الاتهامات، وانعدام الثقة، عقدت منظمة التحرير الفلسطينية وسط حالة التشرذم مؤتمرها عام 1984 وقد عكس الحضور في المؤتمر وضع التشتت للفصائل. وحضر المؤتمر فقط حركة (فتح) وجبهة التحرير العربية وجبهة التحرير الفلسطينية وشخصيات مستقلة.
في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو 1993 جرى تعديل على النظام السياسي الفلسطيني قضى بإنشاء سلطة وطنية تملك بعض الصلاحيات والسيطرة المتفاوتة وفقا للاتفاق، وهذا النظام الجديد أحدث ازدواجية على غير صعيد كما يلي:
ازدواجية البرنامج: بعد اتفاق أوسلو، أصبحنا أمام برنامجين متعارضين في الجوهر، برنامج م.ت.ف القائم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس، وضمان حق العودة وتقرير المصير، هو البرنامج الذي لا يشترط شكلا معينا للنضال كشرط مسبق لتحقيقه، بل هو مبني على استخدام مختلف أشكال النضال، وبرنامج السلطة الوطنية الفلسطينية القائم بموجب اتفاقات تجحف وتحدد مصير قضايا الحل النهائي المتمثلة بالدولة المستقلة ذات السيادة، اللاجئين، القدس، المستوطنات، على أساس استراتيجية وحيدة هي التفاوض فقط.

أزمة بنيوية
رغم الأهمية القصوى التي شكلتها ولا تزال م.ت.ف، فقد عانت وتعاني من عيوب ونواقص وثغرات تضافرت عوامل عديدة في وجودها، والتطورات السياسية وتحديدا تلك التي جرت في العقد الأخير من القرن الماضي، أضعفت مكانتها وأثرت سلبا على دورها ووظيفتها، مما ادخلها في أزمة بنيوية شاملة هي ذاتها أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد طالت كافة المجالات السياسية وطالت م.ت.ف. كإطار معبر عن وحدة الشعب، ومست جوهر الائتلاف الوطني ومست مكانتها السياسية والوطنية كمؤسسات تمثيلية وكمرجعية عليا، وانعكست الأزمة بوضوح على القوى السياسية والاتحادات الشعبية، وعلى علاقة المنظمة بالتجمعات الفلسطينية في الخارج، وعلى علاقة الداخل بالخارج ، وجرى تهميش دورها لصالح السلطة المتشكلة بقرار منها ،وتجلت الأزمة كذلك بتهميش وضعف دور السفارات بالخارج وإلحاق دوائر المنظمة بمؤسسات السلطة.
مع أنه على عاتق المنظمة تقع المسؤولية السياسية عن القضية الفلسطينية بكل جوانبها، كما تقع عليها مسؤولية رعاية شؤون الشعب الفلسطيني في كل مناطق الشتات، والذي يشكل 53% من مجموع الشعب الفلسطيني. وأن المنظمة، وليس السلطة، هي من يمثل الشعب الفلسطيني في المحافل العربية والدولية، ومن يتحدث ويفاوض باسمه، وهي من يوقع أية اتفاقات تتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني ومصيره.
يجدر بالذكر أن الحركات الإسلامية الفلسطينية ممثلة بحركتي حماس والجهاد الإسلامي لم تنضويان في م.ت.ف، لتأخر تأسيسهما أولا، رغم وجود التيار الإسلامي كفكر تاريخيا في أوساط المجتمع، ولاختلاف المنطلقات والبرنامج، ولكن المفاوضات التي جرت بين قيادة المنظمة وحماس لدخول الحركة المجلس الوطني الفلسطيني باءت بالفشل رغم أن حماس والجهاد لم تطعنا بشرعية منظمة التحرير، وحوار حماس حول دخول مؤسسات المنظمة لدليل على ذلك، وقد جرى أن دعي وفد من حركة حماس وحزب الخلاص الإسلامي لحضور اجتماع المجلس المركزي  كمراقبين في غزة عام 2000 وتم ذلك بوفد برئاسة الشيخ الشهيد احمد ياسين. وهذا بالطبع لا ينفي المعارضة السياسية للحركات الإسلامية لخط المنظمة وتوجهاتها وموقفها، وتحديدا بعد توقيع وتنفيذ اتفاق أوسلو.

أساس جديد للإنطلاق
ولتأكيد هذه الرؤية السياسية للحركات الإسلامية الفلسطينية فإن ما توصل إليه المجتمعون في مصر وعرف باتفاق القاهرة الصادر بتاريخ (17/3/2005)، ركز على إعادة بناء منظمة التحرير عبر الأسس التنظيمية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد والرؤية السياسية الإستراتيجية والمرحلية لبرنامج المنظمة، كقائدة لنضال الشعب العربي الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد، والناطق باسمه على الصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي.
كما تم الاتفاق على آلية لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وسياسية، مما يعني إعادة النظر في طريقة التمثيل وصياغة جديدة لميثاق المنظمة بعد أن جرى إسقاط الكثير من بنوده إثر توقيع اتفاق أوسلو، وبموجب الآلية المتفق عليها، تم تشكيل لجنة تضم رئيس الهيئة التنفيذية للمنظمة والأمناء العامين للفصائل ورئيس المجلس الوطني ورئيس المجلس التشريعي على أن تجتمع اللجنة في خارج فلسطين المحتلة لضمان حضور الجميع، وتأكيداً على أن إطار المنظمة يشكل جامعاً بين الداخل والخارج.
كما جرى اتفاق مبدئي على أن يتألف المجلس الوطني الفلسطيني من 300عضو بدلاً من 730، بحيث يكون نصفهم من الداخل، وهم أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين مؤخراً، والنصف الآخر من الخارج على أن يجري في إطار اجتماع اللجنة تحديد معايير اختيارهم، إلى جانب الاتفاق على تمثيل حركتي حماس والجهاد الإسلامي وباقي الفصائل الموجودة خارج المنظمة في مؤسسات منظمة التحرير وفقاً لمقاييس تستند إلى التمثيل الموضوعي.
وشكل هذا الاتفاق تحولاً هاماً في الساحة الفلسطينية ـ إذا نفذ ـ، لأن تنفيذه يؤدي إلى ولادة جديدة لمنظمة التحرير تكون معبرة عن الواقع الفلسطيني الذي طرأت عليه متغيرات كثيرة منذ توقيع اتفاق أوسلو ومن ثم اندلاع الانتفاضة الثانية وأخيراً الانسحاب من قطاع غزة ونتائج الانتخابات التشريعية، وما أفرزته من وقائع ومعطيات في خريطة موازين القوى، في الشارع وعلى الصعيد السياسي، أدى إلى ازدواجية في القرار الفلسطيني وخللاً كبيراً بين واقع المنظمة والواقع على الأرض.
هذا وتقوم عضوية المجلس الوطني الفلسطيني على أساس نظام الكوتات (الحصص) (فصائل، منظمات شعبية، مستقلين ..الخ) وقد توسعت عضوية المجلس الوطني الفلسطيني لتصبح أكثر من (750) عضواً، وقد مضى على آخر تشكيل له عشر سنوات، هذا الإطار الذي يعتبر السلطة التشريعية الأولى للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، لا بد من تطويره وتحسين أدائه وإعادة النظر جديا بعضويته وطابع عمله باعتباره الكيان الوطني الجامع والموحد للشعب الفلسطيني أينما وجد، فالتوسع الذي جرى في عضويته لم يكن لتحسين بنيته  بتمثيل قطاعات غير ممثله أو لإضافات تستهدف الوصول إلى تجمعات فلسطينية جديدة غير ممثلة، بل كانت توسعات تستهدف المزيد من تعويم القرار الفلسطيني ولغايات الولاء والنفوذ السياسي، لذلك  فالإصلاح المنشود يجب أن يأتي حصرا عن طريق الانتخابات وصناديق الاقتراع (في الداخل والخارج) كآلية وحيدة للتشكيل بعيدا عن الكوتات المعهودة،  وبما يمكّن من وصول القوى الموجودة في المجتمع من الوصول وفقا لحجومها الفعلية على أساس نظام الكتل الانتخابية والبرامج المتنوعة كتعبير عن التعددية المجتمعية.

سيناريوهات
ويرى القيادي في القيادة العامة، فضل شرورو أن إعادة ترتيب أوضاع منظمة التحرير ينطلق من سيناريوهات هي:
الهروب إلى الأمام.. بمعنى أن يتم التوجه نحو عقد "المجلس المركزي" بحجة انعدام الفرص أمام إعادة تشكيل المنظمة.. على أن يتم ترميم هذا المجلس المركزي، بعودة أعضاء الفصائل التي سبق لها وجمدت عضويتها فيه، أو التي حضرت لاحقا.. قبل أن ينقطع حبل الوصل ما بين السلطة والمجلس المركزي والذي لا يتم تذكره، إلا بين دهر وآخر.
سيناريو آخر، يتم التداول فيه.. بأسماء متممة لأعضاء اللجنة التنفيذية، حيث أن عددا من أعضائها قد استشهد، أو استقال، أو اعتقل.. مع إضافة تلحظ التيار الإسلامي.
يدعى المجلس المركزي للإطلاع والمصادقة على هذه الأسماء المتممة للجنة التنفيذية.
تكلف اللجنة التنفيذية المنقحة والمعدلة والمتممة مع مكتب المجلس الوطني، مهمة الإعداد لتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني والوثائق اللازمة. ويذكر في هذا الصدد.. إن اللجنة المركزية لحركة فتح التي كان من المفترض أن تعقد اجتماعها في 25/2/2006، قد صرفت النظر عن هذا الاجتماع دون أن تشير أو تحدد أي موعد لاجتماعها، وبمعنى آخر فإن الأمور ستبقى معلقة، رغم ما جاء في اتفاق القاهرة، آذار مارس 2005.

مخالفات للنظام الأساسي
وبات المجلس الوطني الفلسطيني أقرب إلى صيغة المهرجانات الجماهيرية الخطابية، ولم يعقد أي اجتماع له من (نيسان) 1996، مع أن النظام الأساسي ينص على ضرورة انعقاده سنوياً، كما ينص على ضرورة تجديد العضوية (إعادة النظر في الأعضاء) كل ثلاث سنوات.
والمجلس المركزي أيضاً، الذي ينص النظام على تجديده مع تجديد المجلس الوطني مضت عليه المدة نفسها دون تغيير، كما أنه لم يجتمع خلال السنوات التسع الماضية أكثر من أربع أو خمس مرات، مع أن نظامه ينص على ضرورة انعقاده كل ثلاثة أشهر، هذا فضلاً عن أن كثيرا من قراراته، لم ينفذ ، خاصة تلك التي تتعلق بإصلاح واقع المنظمة وتأكيد مرجعيتها، وتعزيز الوحدة الوطنية.
اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهي أعلى هيئة قيادية سياسية للشعب الفلسطيني، حالها هو انعكاس لحال المجلسين، الوطني والمركزي. ولم يتم تجديد انتخابها منذ عشر سنوات، رغم ما جرى لها وعليها من أحداث. فمن بين أعضائها الثمانية عشر، هناك أربعة استشهدوا ، وأحد الأعضاء معتقل في سجون الاحتلال، وبعض الأعضاء ترك أو جمّد عضويته، وبعضهم غير متفرغ لعمله في اللجنة التنفيذية حيث يمارس مهمات وظيفية خارجها، رغم ما في ذلك من مخالفة صريحة للنظام الأساسي للمنظمة. وآخرون لا يتولون أية مهمات، ولا يقومون بأية أعمال غير حضور اجتماعات اللجنة التنفيذية.
و تنص المادة 14 (معدلة) من النظام الأساسي على ما يلي:
"إذا شغرت العضوية في اللجنة التنفيذية بين فترات انعقاد المجلس الوطني لأي سبب من الأسباب، تملأ الحالات الشاغرة كما يلي:
أ. إذا كانت الحالات الشاغرة تقل عن الثلث، يؤجل ملؤها إلى أول انعقاد للمجلس الوطني.
ب. إذا كانت الحالات الشاغرة تساوي ثلث أعضاء اللجنة التنفيذية أو أكثر، يتم ملؤها من قبل المجلس الوطني، في جلسة خاصة يدعى لها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما.
ج. في حالة القوة القاهرة التي يتعذر معها دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير عادي، يتم ملء الشواغر، لأي من الحالتين السابقتين من قبل اللجنة التنفيذية، ومكتب المجلس، ومن يستطيع الحضور من أعضاء المجلس، وذلك في اجتماع مشترك يتم لهذا الغرض، ويكون اختيار الأعضاء الجدد بأغلبية أصوات الحاضرين".
وفي الحالة الراهنة التي تعيشها اللجنة التنفيذية فإن أكثر من ثلث أعضائها، البالغ عددهم ثمانية عشر عضواً ، يعتبر شاغراً - بالوفاة، أو الاعتقال، أو تجميد العضوية، أو التغيب. وهذا يقتضي، كما ينص النظام، على ضرورة الدعوة الفورية للمجلس الوطني لاجتماع غير عادي لملء هذه الشواغر وبالتالي الإسراع في العمل من أجل إعادة ترتيب المنظمة على أسس جديدة.

حماس: لا نلمس جدية
ويعتبر د.موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أن موضوع منظمة التحرير وإصلاحها بالغ الأهمية، وحتى الآن لا نلمس جدية من إخواننا في "فتح" والمنظمة، إن موضوعاً بحجم منظمة التحرير التي يتحدثون أنها (الممثل الشرعي والوحيد)، ثم يجعلون هذا الممثل الشرعي والوحيد ينام طيلة الفترة الماضية، ولا يبدون جدية لإيقاظه.. الأمر المستغرب أنهم لا يتذكرون هذا النائم إلا حينما يريدون خطوة سياسية معينة..
لا توجد إرادة سياسية لإصلاح منظمة التحرير وإيقاظ هذا النائم، بل على العكس، هناك استلاب للصلاحيات الأساسية، على سبيل المثال الآن الصندوق القومي الفلسطيني وهو الدائرة المالية لمنظمة التحرير، والمفروض أنها الدائرة الرئيسة، نقلت الآن وأصبحت جزءاً من صلاحيات مسؤول المالية في السلطة.
وكالة الأنباء الفلسطينية لمنظمة التحرير وهي الجهاز الإعلامي الكبير، نقلت الآن وأصبحت جزءاً من وزارة الإعلام في السلطة.
السفارات الفلسطينية ـ على الرغم من أن اتفاقيات أوسلو تنص على أنه لا يوجد تمثيل خارجي للسلطة ـ الآن نقلت السفارات إلى وزير خارجية السلطة.


الجهاد: خيارات متعددة
ورحب القيادي في الجهاد الإسلامي، خالد البطش، بتفعيل دور المنظمة، وقال: من الضروري جدًا الآن تفعيل دور منظمة التحرير لكي نبقي الخيارات الفلسطينية متعددة، ولكي لا نبقى جميعًا أسرى قرار سياسي تتخذه السلطة هنا وهناك، أو تتعرض من خلاله السلطة إلى ضغوط، وبالتالي نرى أن تفعيل المنظمة هو مطلب وطني فلسطيني نرحب به، ونعتقد أنه ليس هناك خيار أمام السلطة أو فتح واليسار وكل قوى المنظمة سوى تفعيل المنظمة وإعادة الاعتبار لها.
وأضاف البطش: يجب أن يكون البرنامج السياسي باتفاق بين حماس والجهاد وأعضاء المنظمة، فنحن نسعى لأن تكون المنظمة قوية، لأننا إذا خسرنا المنظمة فستكون خسارة كبيرة لنا، فهذه المنظمة اعترف بها أكثر من 130 دولة في العالم، وبالتالي ليس من مصلحتنا أن نقضي على المنظمة، أو ندعو إلى إنهائها، بل على العكس نحن ندعو إلى تطويرها وتفعليها، وبالتالي نقول إذا اتفقنا على برنامج مشترك من أجل إصلاح المنظمة يجب أن يتفق عليه قوى المقاومة في الحركة الإسلامية والوطنية، حتى تكون المنظمة مرجعية للجميع، وهذا يعني أنه لا بد من بدء حوار وطني حقيقي وتفعيل ما انبثق عن حوار القاهرة من لجنة من أجل تطوير المنظمة.
وتابع: نحن ننظر إلى منظمة التحرير الفلسطينية على أنها مكسب وطني للشعب الفلسطيني، وعلى أنها جسدت في نهاية المطاف قطارًا اجتمع حوله أبناء الشعب الفلسطيني بأكمله، ولكن نحن في الجهاد الإسلامي الآن خارج المنظمة، وإذا أدير حواراً حول موضوع المنظمة، فنحن لا نمانع أن ندخل في هذا الحوار الذي سنحدد وفقًا لنتائجه موقفًا إما الدخول في المنظمة أم لا، وأقول إنه مبدئيًا ليس لدينا فيتو على مسألة الدخول في المنظمة لكن يجب أن يكون بعد حوار حقيقي بين حركة الجهاد الإسلامي وأعضاء المنظمة بما فيهم الأشقاء في حركة فتح وباقي أعضاء المنظمة.

الديمقراطية: لجدول زمني ملزم
وأكد المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في ختام دورة عمل كاملة، وبحضور جميع أعضائه من الضفة الفلسطينية وقطاع غزة والشتات (6/3/2006): أن التحول الذي مثلته الانتخابات التشريعية الثانية للسلطة الفلسطينية، يطرح على جدول الأعمال ضرورة التعجيل في إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وصوغ الشراكة الوطنية في إطارها بمساهمة جميع ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، على أساس إعلان الاستقلال وبرنامج الثوابت الوطنية القائم على حق العودة وتقرير المصير وإقامة دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس على جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت بعدوان حزيران/ يونيو 1967. ودعا المكتب السياسي الرئيس محمود عباس (أبو مازن) إلى المبادرة فوراً لعقد اجتماع اللجنة الوطنية العليا المنبثقة عن قرارات حوار إعلان القاهرة، لوضع جدول زمني لإنجاز هذه العملية التوحيدية للشعب في الوطن وأقطار اللجوء والشتات، وإيجاد صيغة ديمقراطية موحدة تكفل مشاركة جميع القوى في الهيئات القيادية للمنظمة بما يعزز مكانتها كمرجعية وطنية عليا للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، على طريق استكمال تشكيل المجلس الوطني الجديد والموحّد من خلال انتخابات حرة لممثلي تجمعات شعبنا في الشتات على أساس انتخابات التمثيل النسبي الكامل.
وهكذا إن إعادة تشكيل المنظمة على أسس جديدة سيعزز من وجودها كمرجعية لإدارة النضال الوطني إلى جانب إدارتها لحياة الناس الواقعين تحت الاحتلال، مباشرة أو من خلال السلطة ما دامت موجودة، فضلاً عن الإبقاء على التواصل مع مجتمعات الشتات، بدل أن تبقى السلطة شكلاً من أشكال التخفيف على الاحتلال أمنيا وسياسياً واقتصادياً، وتتجاهل الشتات وهمومه الكثيرة.
ولتحقيق ذلك فإننا بحاجة ماسة إلى البدء بالحوار الوطني الشامل والجاد، من أجل العمل على ترتيب البيت الداخلي. وهذا يشكل مسألة رئيسية دائماً ذات أولوية أمامنا لكي نستطيع السير قدماً في الـمشروع التحرري الوطني، ولتجنيب الشعب الفلسطيني الكثير من الـمصائب والكـوارث، ولتأمين حـقـه في الحـريـة والاستقلال، والعيش الكريـم، فهل تلقى دعاوى الإصلاح أذناً صاغية وأفعالاً مترجمة بشكل عملي، أم ان هذه الدعوات ستبقى أسيرة التمنيات؟!


 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home