القلم النقدي

 

نقدُ القصيدةِ المغربيّة

د. مصطفى الشليح



 

نقدُ القصيدةِ المغربيّة

الهُويَّة والمعْرفة (1)

 

أ.د / مصطفى الشليح

المغرب

 

لعله كانَ سؤالاً إشكالياً: هل يمكن اعتبارُ عدم الفهم، في نقد النماذج النصية المغربية، عتبة أولى للقراءة الواعية بالنسق والتأويل ؟

ثمة إشارات متناثرة في السجل النقدي للقصيدة المغربية إلى أن الوعي بانتساب النص إلى نسق ينتظمه، ويمارس تأثيره فيه، وإلى كون النسق ذاته نتاج تراكم نصي يتوحد حين يتعدد؛ وهما، معاً، يخضعان لجدلية تفاعلية، كينونة وسيرورة، وإلى أن تلك الجدلية تؤمِّن إمكانية السفر في التاريخ من غير امِّحاءٍ لجغرافية الذات والأسماء.

تلك الإشارات، قد تنبري عباراتٍ، كلما تأملنا صنيعَ النقد بالقصيدة المغربية أو صنيعَ القصيدة بالنقد المغربي إذا يتجاذبان ويتأهّبان لبلورة ثقافة الهوية، أمدت التأمل بالمتاه الذي اقترفه الخوض الدراسي قبل الاستصحاب الشمولي لآليات اشتغال البنية الثقافية المغربية، وأمدته بالأسئلة، التي ظلت مرجأة أو لعلها بقيت مطفأة؛ فلما يتيسرْ لغير قليل من الخائضين ملاقاة القصيدة في اشتعالاتها وتحولاتها.

سؤال ثقافة الهوية وارى،عن العيون، أسئلة تختص بهوية الثقافة ومساراتها التي يمكن أن يكون النص الشعري ذا مركزية منها.

ذهب الشعر بعيداً عن المقاربات الافتراضية ليكون المسعى تأريخا واصفا لشكل أدبي.

عدم الفهم كان يمارس فعلا تأويلياً عفوياً بلغة عادية لغياب مبادئ نسق أكبر يؤدي إلى " التأويلية العالمة التي تعيد بناء اللغة "1 من خلال الفهم. هذه المفارقة أسهم؛ في انتشارها, "المسح الطوبوغرافي السياحي" للقصيدة من قبل المنصرفين إليها، فكاد الصنيع النقدي يكتفي بخارجيات النص، وكاد لا يقترب من أفضيته الداخلية إلا لاقتناص شاهد، أو لتقصص معلومة, أو للظفر بما اعتبر من قبيل فنية التعبير، أو بالألوان الفنية للقول الشعري.

إنّ العدول بالفهم ذاته من الانتباه إلى استكناه ماهيته مدين إلى الكتابات النقدية الحداثية أو القريبة من الحداثية، في المغرب، التي أرختْ لقطيعة منهجية مع التلقي الانطباعي للقصيدة، وللأشكال الثقافية بشكل عام, واختارتِ السؤالَ المعْرفيَّ للنص الأدبي حدثاً وسياقاً ونسقاً.

وقد تكون الجامعة المغربية عملتْ على تجذير هذا التحول من خلال برامجها التأطيرية من جهة، وعبر الرسائل والأطاريح التي تقدم للمناقشة من جهات أخرى، والتي أنتجت مداراتٍ ثقافية مختلفة تقرأ بلغة عالمة ما كان يقرأ بلغة حالمة، وتكتب التاريخ استناداً إلى راهنه وليس اتكاءً على كامنه الجمعي في الذاكرة التراثية.

ولعل د. محمد مفتاح أن يكون، وباحثين آخرين، من الذين عملوا على تلوين المساحة النقدية بما يسعفُ في بيان التحول من النقود التأثرية إلى نقد معرفي يقول عنه: "..وهذا ما توخيناه باقتراحنا مفهوما نحتناه من: الثوابت والتاريخ "التواريخ" وبنينا الكتاب على هديه حتى نبدأ نسير نحو مقاربة جديدة لتحليل النصوص ندعوها "النقد المعرفي" على غرار الدلالة المعرفية وعلم النفس المعرفي والأنتربولوجيا المعرفية؛ وسيكون سداه ولحمته مفاهيم مستوحاة من المنطق والرياضيات واللسانيات والسيميائيات والعلوم المعرفية وفلسفة الذهن؛ وهي- كما يدرك حكماء الأمة – علوم هذا العصر"2

هذا النقد المعرفي كان هاجساً تصورياً ومنهجياً، عند محمد مفتاح، منذ كتاباته الأولى التي أسست لمشروعه النقدي الذي ينبني على مبادئ أجملها د. أحمد بوحسن على النحو التالي:

مبدأ الاستمرار المنتظم بإصدار مؤلف كل سنتين تقريباً.

مبدأ الجمع بين الممارسة النظرية والتطبيقية.

مبدأ تناسل ونمو المشروع بخروج مؤلفاته الواحدة من صلب الأخرى.

الفرضية الأساسية للمشروع: الدعوة إلى الجهاد والاتحاد, وهي نواة أطروحته للدكتوراه حول: " الخطاب الصوفي. مقاربة وظيفية "3

الفرضيات الخاصة المتفرعة عن الفرضية الأم.

الانتقاء والترجيح بتشييد البناء النظري لمشروعه وبنقد النظريات المتفاعل معها.

القراءة المضاعفة المراوحة بين الكتابات الغربية والكتابات العربية الإسلامية.

يرى د. أحمد بوحسن أن " أهم أفق فتحه مشروع محمد مفتاح هو قدرة الخطاب العربي على استيعاب مختلف النظريات والمناهج والمفاهيم. ثم قابليته للإفصاح عن نفسه كلما دخلنا إليه بأدوات علمية جديدة وتصور نظري أوسع. والنتائج التي توصل إليها المؤلف أكبر دليل على ذلك. ولهذا فإن رهان المشروع مازال مفتوحاً ما دمنا نؤمن بأن الخطاب العربي الإسلامي مفتوح كغيره من الخطابات الإنسانية على كل مجهود علمي وفكري جاد "4

كانت الأطروحة المركزية لمحمد مفتاح، ناقداً، علامات الدعوة إلى الجهاد والاتحاد في الكتابة الصوفية وفق مقاربة وظيفية تتحرى " طريقاً يتوخى الكشف عن الظاهرة الصوفية، وإيضاح عناصرها، وعلاقات بعضها ببعض ثم صياغة كل ذلك في " نسق " على أنه " نسق " مجتمعي تتعرض بعض عناصره للانخرام، عاجلاً أو آجلاً، إذا ما أحدثت ثورة في البنية التحتية, وأوضح دليل على هذا غياب بعض عناصر" النسق " الأندلسي والمدني بالقياس إلى " النسق " البدوي الذي هو النموذج. ونتيجة هذا أنه قابل الاضمحلال بحذافيره، وقابل للرجوع إلى النموذج الأمثل تبعاً لصيرورة التاريخ ووجهة صانعيه."5

وتبعاً لذلك تبلور السؤال النقدي، عند محمد مفتاح، في البحث عن الأوليات التي حكمت الثقافة المغربية وجْهتها، وعن تفاعل النسق مع محيطه الخارجي، وعن ديناميته التي تكفل حِقبيته.6

دينامية النسق بيان لدينامية الثقافة المغربية وانتظامها؛ " نسق دينامي معقد وغير خطي؛ ومع ذلك فإن خطيته وتعقيده لم يجعلا منه نسقا متسارع النمو متشعبه إلا في أوقات قصيرة .."7.

ولعله كان سؤالاً يهجس بمقدماته، قبلاً، حين يقول : " أما أطروحتنا فنحن نزعم أن الروح الناظم للأدب المغربي هو الدعوة إلى الاتحاد للقيام بالجهاد. ومنهاجيتنا التي نوظفها للبرهنة على الأطروحة منهاجية نسقية اجتماعية معطاة ومبنية.."8؛ وهي الناظرة في " النواة الموجهة للثقافة المغربية بما فيها من علوم شرعية وعقلية وأدبية، والأدبية بما فيها من شعر فصيح بمختلف أغراضه وعامي بتنوع تجلياته؛ والنواة هي: الدعوة على الاتحاد والجهاد ...، " ب " اعتبار الأدب نسقاً فرعياً من نسق مجتمعي عام واعتماد المقايسة لإثبات العلاقة بين الأنساق .."9

النسق الدينامي، في تصور مفتاح، اعتبرناه النسق الأكبر الذي أجرى تحولات أنساق صغرى في الثقافة المغربية, وأجرى ماءً للقصيدة قد يكون ألبسها خصوصيتها أو بعضا منها،

وقد كان للتصوف اليد الطولى في تشييده ـ ونحن نميز, هنا, بين التصوف, تربية وطريقاً وبعض أشكال الطرقية التي راجت، وكانت لها مواقف غير ذات هاجس توحيدي وطني ـ ، وفي ضمان سيرورة الثقافي في المجتمعي، بالحمولة الحضارية للثقافة، وفي سريانه على امتداد تاريخ الأدب المغربي، وعبر الحقب الأربع التي يقترحها محمد مفتاح، والتي تتصل، رمتها، بالاتحاد للجهاد10؛ وليس شرطاً أن نكون متفقين معه فيها. وهذا موضوع آخر.

ذلك النسق الأكبر جامع انطولوجي تتحدر منه أنساق مختلفة تنتظمها علاقة مماثلة تؤذن بالتنامي التاريخي للفعل الثقافي، وتفوض، له، إمرة توجيهية للأشكال التعبيرية ، وتعرب، عنه، من حيث العلاقات التفاعلية القائمة بين عناصره ومكوناته.

هذه الشبكة من التجاذبات الحادثة بين الناقد والثقافة، ثم بينه والإبداع، فبينه والقصيدة، هي التي كانت سؤالنا إذا نحن نتأمل نماذج دراسية اقتربت من القصيدة المغربية دونما عدة منهجية، ومن غير نسق يحدد المفاهيم، فالمفاهيم معالم، وفي غياب رؤية شمولية لماهية تشكل الثقافة المغربية، وبمنأى عن استشفاف حوارية الأنساق واستقلاليتها، وبعيدا عن كون الثقافي ليس رهينا بالسياسي نمواً واطراداً فخبوًا ورماداً.

الرحلة في جغرافية تاريخ السعة النصية للثقافة المغربية خوَّل، لمحمد مفتاح، أن يجعل المسافة التأويلية مؤسسة على نقد معرفي يأخذ " بالمقومات السياقية المستقاة من تفاعل المفاهيم ومساق الخطاب وسياقه ضمن بنية شاملة "11، وأسعفته في تصيير المفاهيم معالم لإبدال قرائي أتى يتلمس العمق الثقافي لبلاغة القصيدة المغربية تحديداً وإن كان لما يرصدْ لها، بعد، مؤلفاً مستقلاً يتناولها؛ علماً أنه، في كتابه " الشعر وتناغم الكون "عاد إلى التصوف نسقاً أكبر، وإلى الشعر أفقاً أقدر على إحداث التناغم، وكأنه يستدرك، على الخطاب الصوفي، ما لم يشتمل عليه؛ وكأنا نحدس أن الهاجس النقدي في كتاباته يتأطر في التناص بين الذات والعالم.

للنسق، عند محمد مفتاح، حد مفهوميٌّ يرى أنه " عبارة عن عناصر مترابطة متفاعلة متمايزة، وتبعاً لهذا فإن كل ظاهرة أو شيء ما يعتبر نسقاً دينامياً، والنسق الدينامي له دينامية داخلية ودينامية خارجية تحصل بتفاعله مع محيطه؛ والدينامية إما خطية أو غير خطية، وغير الخطية إما انعكاسية أو غير انعكاسية؛ على أن نظرية التكرار تؤكد رجوع كل نسق إلى حالة أولية في نهاية أمد طويل، وهذا التكرار هو ما يدعى بالحقبة.. "12.

وكان قد رأى، قبلُ، أنه " ليس هناك تحديد للنسق متفق عليه, فتحديداته تتجاوز العشرين؛ ومع ذلك يمكن أن نستخلص نواة مشتركة من تلك التحديدات. والنواة هي أن النسق مكون من مجموعة من العناصر أو من الأجزاء التي يترابط بعضها ببعض مع وجود مميز أو مميزات بين كل عنصر وآخر. اعتمادا على هذا التحديد يمكن أن نستخلص عدة خصائص للنسق:

أ  . كل شيء مكون من عناصر مشتركة ومختلفة فهو نسق.

ب. له بنية داخلية ظاهرية.

ج. حدود مستقرة بعض الاستقرار يتعرف عليها الباحثون.

د . قبوله من المجتمع لأنه يؤدي وظيفة فيه لا يؤديها نسق آخر.

وبناء على هذا الخاصية الأخيرة يمكن أن يستنتج أن هناك أنساقاً فرعية تتولد من نسق عام؛ والأنساق الفرعية تستلزم صفتين اثنتين؛ هما التراتبية والاستقلالية .. "13

ارتأينا عطوفاً على المرجعية النظرية، لمحمد مفتاح، في سوقها للمفاهيم معقولة وللمعالم محمولة على التحديدات، ليتم البيان المائز بين مقاربتين نقديتين عرفتهما القصيدة المغربية، وبين نمطين من انصباب النظر على النص من حيث هو إشكال إبداعي، وليس باعتباره شكلاً تعبيرياً ذيلياً للتاريخ أو معطوفاً على أبجدية التواصل.

قدمنا النمط الأول يتلمس مشروعيته، في الاستماع إلى النص من كونه انعكاساً جمالياً للواقعة الاجتماعية، ولعله كان يؤثر استماعاً إلى ما يفسر به النص من وقائع تعفيه من تفسير الواقعة انطلاقاً من النص.

وأما النمط الثاني من المقاربات فلقد هم به الطرح الإشكالي فاستبقا إلى الإطار لتعيينه، وإلى المدار لتحيينه حتى يتيسر استيعاب النسق المؤطر للنص، وحتى يتسنى استصحاب النص لتفقد الإبدالات التي قد يُسربها إلى النسق، في حمية ديناميته، لتتناسل أنساق أخرى تتحاذى وتتقاصى، عبر تحويلات تفاعلية الواحد المتعدد.

عندما يتدثر الناقد برؤية تصورية ذات برنامج ومنهج محددين، وعندما يسكن المغامرة اللغوية التي يورطه فيها النص مؤازراً بوعي ذي استبصار شمولي ورؤِياوي، وكلما تلفت، حواليه، ليقرأ تاريخ مختلف الأشكال الثقافية، ومؤتلف الأنواع الأدبية، كان الصدور إلى النص باقتدار فاعل يكون كتابة إبداعية ثانية.

أو ليس النقد كلاماً على كلام ؟

 

الهـوامش

1. رينرروكاتز: تحولات التأويلية. ص47. ترجمة: فريق الترجمة في مركز الإنماء القومي

مجلة العرب والفكر العالمي. العدد التاسع. شتاء 1990

2. محمد مفتاح : مشكاة المفاهيم. النقد العربي والمثاقفة. ص278

المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 2000. ط1

3. محمد مفتاح : الخطاب الصوفي. مقاربة وظيفية.

دار الرشاد الحديثة. الدار البيضاء. 1997. ط1

4.أحمد بوحسن: المشروع النقدي لمحمد مفتاح. ص 121- 132

مجلة فكر ونقد. العدد20. يونيو 1999. المغرب.

5. محمد مفتاح : الخطاب الصوفي .. ص 6. م س

6. محمد مفتاح : المفاهيم معالم. نحو تأويل واقعي. ص 137

المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 1999. ط1

7. نفس المرجع. ص 136

8. محمد مفتاح : التشابه والاختلاف.  نحو منهاجية شمولية  ص 163.

المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 1996. ط1

9. نفس المرجع. ص 158

10. نفسه. ص 163

11. محمد مفتاح : مجهول البيان. ص9

دار توبقال للنشر. الدار البيضاء 1990. ط1

12. محمد مفتاح : المفاهيم معالم .. ص 135. م س

13. محمد مفتاح : التشابه والاختلاف.. ص 158ـ 159




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home