تحقيقات صحفية

 

الشاعر والناقد المغربي ابراهيم القهوايجي في حوارٍ مفتوحٍ مع



لو لم أدع خيالي عفوياً لا أدري كيف سيكون مخلوقي الأدبي.
إن الشعر اليوم موجود رغم انحسار دائرة القراء وانتشار أنياب الأمية بالمجتمع العربي.
كل شعر لا يحمل أفقا،لا يحمل قيم الحب والجمال والخير والحق..ليس جديرا بأن يقال له شعر
أعتقد أن المبدع ،عليه أن يتوجه نحو القارئ ويجعله هو التحدي ولا شيئاً آخر إذا رغب النجاح.
فالشعر يظل شعراً دون أن نحمله وظيفة أيديولوجية.
كلا العالمين الواقعي واالرقمي يخدم الكاتب المبدع ويطور من تجربته.
المبدع والناقد ليسا عدوين كما يتصورهما البعض ، لأنهما اسمان اثنان لشخص واحد.
ليس هناك ما يمنع المبدع من إنتاج معرفة نقدية شريطة أن يكون مؤهلاً لها.
حقوق الملكية الأدبية والفكرية الرقمية وضعها مزرٍ ، لأننا نصادف في مواقع الكترونية عديدة تلك التنديدات بسرقة وقرصنة مجهودات الآخرين الإبداعية والفكرية.


س- من خلال تجربتك في عالم الواقع والعالم الافتراضي عالم الواقع والعالم الافتراضي، أيهما تراه يخدم الكاتب المبدع ويطور من تجربته؟ وبالنسبة للعلاقة بين العالمين، هل هي تكاملية أم فيها شيء من الندية؟
كلا العالمين يخدم الكاتب المبدع ويطور من تجربته ، فالعالم الواقعي يمده بما يسميه رولان بارت ب"أثر الواقع" أي تلك المرجعية بمستوياتها المتداخلة ، فنجيب محفوظ - على سبيل المثال- يتردد على الحارات والأحياء الشعبية ويخبر قاع المجتمع المصري ، وهذا ما يؤكده في حواراته ، وتدل على ذلك رواياته..وبهذا يكون العالم الواقعي هو موضوع الأدب الذي يستغوره ويسائله الأديب بطريقة فنية ، وبالتالي يتدخل العالم الأدبي المتخيل بالعالم الواقعي. أما بخصوص العالم الافتراضي فهو الآخر يساهم في بلورة تجربة الكاتب المبدع بإقامة تداعيات افتراضية تحل محل الواقع، حيث يتغير مفهوم الزمان والمكان في سياق التطور التكنولوجي ، حيث تذوب الحدود وتتلاشى الفواصل بفعل وسائل الاتصال الحديثة وتقنياتها الماكرة، وتصبح التقسيمات الجغرافية مجرد علامات باهتة وبلهاء، فيما تتسع المسافات في داخلنا وتتباعد بشكل مخيف ، ومن هنا كان من اللازم ان يواكب المبدع هذه التحولات فاهتدى الى ابتداع اشكال وقوالب تعبيرية جديدة كالقصيدة الرقمية والرواية الواقعية الرقمية كما هي عند محمد سناجلة - ومن تم يكون المبدع هو ابن بيئته كما ألح على ذلك الناقد العربي القديم ابن قتبة - وهي اشكال ادبية تعتمد تقنيات الفلاش والفيديو و آخر التقليعات المرتبطة بذلك ، ومن هنا يكون المبدع العربي امام تحد افتراضي جديد ..عليه ان ينخرط فيه ويتفاعل معه إن هو اراد ان تكون له موقع قدم في العالم المعاصر..ومن هنا، فالعالمان: الواقعي والافتراضي ، في نظري المتواضع، متكاملان بالمعنى الذي أوضحت.


س-مارأيك بالمؤلفين " الورقيين " الذين يقفون موقفا معارضاً تجاه النشر الرقمي ويعتبرونه نشراً غير ناضج مقارنة مع " الورق " الذي لم يستطيعوا التخلص من " سحره "؟
أؤيد ما وصفته بخصوص بعض أو جل المؤلفين( " الورقيين " الذين يقفون موقفاً معارضاً تجاه النشر الرقمي،ويعتبرونه نشراً غير ناضج مقارنة مع " الورق " الذين لم يستطيعوا التخلص من " سحره "..)أما أسبابهم في ذلك فأعتبرها واهية تعود بالأساس إلى جهلهم بقيمة ومزايا الثورة الرقمية التي تداهم عالمنا يومياً،إنه الجهل المركب بوسائط المعرفة المعاصرة ، ولعلك اطلعت على ما حدث في نشاط ثقافي يهم المعرفة الرقمية بالرباط في إطار الاحتفال بالذكرى الأولى على تأسيس اتحاد كتاب الانترنت العرب ، حيث تعرض محمد أسليم وفاطمة بوزيان وهما يلقيان عروضهما في الموضوع إلى إهانة من قبل واحد من الذين نتحدث عنهم..وهو سلوك لا يليق بالمثقف الذي يحترم نفسه..لأن مثل هؤلاء أحسوا بأن البساط يسحب من تحت أرجلهم في وقت كانو ا الأوصياء على الثقافة الورقية بمعية عصاباتهم في مسألة النشر في المجلات والمنابر والملاحق الثقافية..إنه وجه من وجوه أزمة المثقف العربي.. الذي ما يزال يعيش على أطلال داهمتها الرجة الرقمية..وهذا لايعني أنني ضد النشر الورقي ولكن مع التكامل بين الثقافتين الرقمية والورقية.
س- كيف تختار النصوص التي تضعها تحت مجهر نقدك؟ وهل تستقبلها أولاً من آخرين فتنقدها! ما هي الأسس التي تبدأ بها عمل النقد؟وعندما تكتب إبداعاً شخصياً، هل تدع خيالك عفوياً ليكتب ما يشاء؟، أم أنك تكتب بعقل الناقد و خطوطه الحمراء و الخضراء؟
بخصوص مسألة اختيار أو انتقاء النصوص التى أخضعها للعملية النقدية وهي تصل إلي عن طريق الاقتناء أو بواسطة إرسالها من قبل الآخرين .. ليست ذات أهمية في هذا الباب ، فما أركز عليه في الاختيار هو مدى تأثيرها في ، بمعنى جودتها الفنية، فأنت تعلم أننا عندما نقرأ عملاً إبداعياً نكون ملزمين في نهاية المطاف- على الأل مع ذاتنا- بتقييمه فنياً.ولما يحصل ذلك الإعجاب الإيجابي والتفاعل الجيد بيني وبين النص،أفكر في زاوية النظر لتناوله في القراءة النقدية ، وهذه مسألة في غاية الأهمية ، وفيردناند دو سوسير يؤكد على ذلك بقوله : إن زاوية النظر هي التي تحدد الموضوع.
وفي ما يرتبط بالأسس التي أبدأ بها المعالجة النقدية ، فقدأسلفت الإشارة إلى زاوية النظر فيها ، إضافة المنهجية التي تسعفني في ذلك ، وهنا لا أتقيد بمنهج صارم بل أستعمل مفاهيم وإجراءات لمساءلة النص حتى ولو كانت محسوبة على مناهج متقاربة وحقول بينها وشائج،علاوة على كون النص قد يفصح ببعض علاماته المنهجية..عندما أكتب إبداعا شخصيا.
بالطبع لو لم أدع خيالي عفوياً لاأدري كيف سيكون مخلوقي الأدبي..وإلا سقطنا مثلاً في الاستغلاق كما هو الحال في المذهب السوريالي ، لكن هذا الخيال الذي هو في نهاية الامر ملكة يستطيع المبدع أن يركب بواسطتها بين الأجزاء حتى تدرك في كليتها ،في علاقتها بالوجدان والواقع ...لأن " الأدب" لا يسعى إلى نقل المعاني والصور المحددة ، وإنما يسعى إلى نشر العدوى ونقل حالات نفسية من الكاتب إلى القارىء"، لكن هذا الخيال يستلزم في غموضه أن يوفر للقاريء علامات تسعفه في تأويل النص، ومن هنا لا يكتب المبدع بواسطة الخيال ما يشاء لأنه ، بالضرورة، يخضعه لعمليات التحويل اللغوي المؤسس على موقف أو رؤيةٍ للعالم باستراتيجية تعتمد التناغم والانسجام، ومن الصعب ان أكتب بعقل الناقد وخطوطه الحمراء والخضراء ، ولغة النقد تختلف عن لغة الإبداع الانزياحية، ولكن في أحيان كثيرة يكون الكاتب أول ناقد لعمله ، فيتدخل بالتنقيح والمعاودة والتأمل والتعديل كما هو معروف لدى مدرسة شعرية عربية عرفت بالمدرسة الأوسية، ولدى العديد من الكتاب الحاليين.


س-هل لا يزال الشعر ديوان العرب؟ وإلى أي مدى اقترب أو ابتعد الشعر عن القيام بدوره في تحفيز الأمم ونشر الوعي وتنمية الإحساس بالانتماء للوطن؟
"الشعر ديوان العرب"مقولة جاهلية، شاعت في بيئة كان الشعر فيها يسجل أمجاد العرب وأيامهم وأحسابهم ، ويدون حروبهم، ويسن لهم كثيراً من مكارم أخلاقهم، لذلك بلغت عنايتهم بالشعر شأواً عظيماً حتى سماه بعض النقاد"علم الشعر" في قوله:"علم الشعر عندهم فسطاط علومهم كلها ، لما لم يكونوا يدونون ويكتبون.." أو بمعنى آخر كان الشعر يلعب وظيفته الاعلامية الخطيرة آنذاك. وحتى في مراحل تاريخية متأخرة مرتبطة بالاستعمار الاوربي للدول العربية كان الشعر العربي ينطلق من مفاهيم ايديولوجية لها خلفياتها السياسية ، وكان الشعر آنئذ فاعلا في نشر الوعي ، وكان له دورفي رصد ما يحدث، وكانت القصيدة تقوم بالتحريض...لكن الآن تغيرت الامور، ولم يعد الشعر يحمل ذات المفاهيم التي حملها بالامس ، فلا شئ من مقوماته بقي على حاله، لأنه شهد تحولا مستمرا ، وانتقل الشاعر من اإشاد قصيدته أمام المتلقي عبر الوساطة الشفاهية إلى الكتابة، ودخل الشعر في تناص مع فنون وأجناس أخرى، فهل الشعر في عصرنا مطالب منه أن يحيي وظيفته الماضوية؟
إن الشعر اليوم موجود رغم انحسار دائرة القراء وانتشار أنياب الأمية بالمجتمع العربي، واختلاط الغث بالسمين من الشعر ..فالشعر يظل شعراً دون أن نحمله وظيفة أيديولوجية،كل شعر لا يحمل أفقا،لا يحمل قيم الحب والجمال والخير والحق..ليس جديرا بأن يقال له شعر، إنه يقض مضجع الشعراء ، ويوطن للآتي...إنه تحرير الروح من الواقع بتعبير ريتشاردز، ومهمته ان يتغلغل في الإنسان وفي الكون ليخرجهما من الموت إلى الحرية، وبالتالي يكون بالشعر خلاص الإنسان ، وهو وحده الذي يجعل من العالم عالماً...وبهذا المعنى فإن مقولة الشعر ديوان العرب مرتبطة ببيئتها وظروفها التاريخية.
س-ربما من أكثر "الكليشيهات" ترديداً ما يقال عن الناقد بأنه كاتب فاشل، فكيف يستقيم الإبداع مع النقد، وهل من تشغله عملية الإبداع يعطي وقته لقراءة الآخرين ودراسة ما يكتبونه؟
في البدء أريد الإشارة إلى أن مقولة :"الناقد كاتب فاشل"لها شطر يتمها هو:" والكاتب ناقد فاشل"، وهنا لابد من التوضيح:هل يعني أن النقد مقصور على النقاد فقط؟ أم أنه ممارسة ثقافية مفتوحة الأبواب يمكن للمبدعين أنفسهم ولوجها واصطلاء نيرانها؟ وإذا كان كذلك فما هي حدود ممارسة المبدع النقدية؟ وما علاقاتها بإبداعه الخاص؟ أرأيت كيف تتناسل الأسئلة انطلاقاً من هذه المقولة؟
في رأيي ليس هناك ما يمنع المبدع من إنتاج معرفة نقدية شريطة أن يكون مؤهلاً لها ، ومتوفراً على أدوات منهجية ضرورية ورؤية أدبية واضحة، بالإضافة إلى استعداده كي يقيل مؤقتاً المبدع فيه حتى يتعامل مع العمل المدروس بعين الناقد/ الموضوعية لا الكاتب/ الذاتية. وفي هذا الصدد يؤكد بودلير أنه"من المستحيل ألا يحمل الشاعر ناقداً بداخله"، وذلك بهدف تقويم العمل الأدبي في اتجاه الحكم على أعماله الخاصة ، وفي اتجاه الحكم على أعمال غيره من المبدعين . وآنذاك يقوم نقد الكاتب المبدع بوظائف :إعادة النظر في العمل الأدبي ووسائل اشتغاله ، بلورة وتطوير التجربة لضمان الاختلاف والتميز ،إنارة الكتابة الشخصية وإنارة كتابة الاخرين، لذلك لا نستغرب أن يجمع الكاتب بين النقد والابداع، لأن تعالقهما يكون محكوماً بمبدأ الأولوية، فأنا لدي النقد أولا والشعر ثانيا.. وإلا تشتتت جهودي هنا وهناك فلا نقد ولا إبداع.. وهذا التعالق في رأيي المتواضع جداً ينتج عنه تدعيم الكتابة الإبداعية بالعملية النقدية، وهو ما كان يدركه نقادنا القدماء، يقول ابن رشيق القيرواني:"لا يكون الشاعر حاذقا ومجودا حتى يتفقد شعره ، ويعيد فيه نظره ، فيسقط رديه ، ويثبت جيده، ويكون سمحا بالركيك منه ، مطرحا له، راغبا عنه"،إضافة إلى ما أشرت اليه سابقاً بصدد مدرسة عبيد الشعر، وهو ما يرفد تجربة الكاتب الإبداعية بالتطوير لإنقاذها من الاجترار، وفتحها على آفاق رحبة ،لكونه يدرك اشتغال العمل الأدبي من الداخل ، ويعرف صنعته وأدواتها وموادها.
صحيح أن الإبداع محكوم بالإلهام والموهبة وأن النقد يتميز بالعقل والذوق، لكن من تشغله عملية الإبداع، بمعنى أنه يعطي الأولوية للإبداع عن النقد، وبالتالي سيكون الوقت المخصص لقراءته النقدية أقل ، لكنه في كل اأاحوال يقرأ للآخرين ، ولا أعرف كيف يطور الكاتب المبدع تجربته دون قراءة وإن كانت لا تتسم برصانة النقد ، ولكنها على الأقل تحمل مظاهر نقدية ، لكن يبقى السؤال حول فعالية هذه القراءة؟ فالمبدع والناقد ليس عدوين كما يتصوره البعض ، لأنهما اسمان اثنان لشخص واحد ، وهنا أتذكر ما قاله ألان روب كرييه لما سئل ذات يوم في حوار معه عن كيفيه توفيقه ومواءمته بين روب وكرييه اللذين يعيشان في شخص واحد مجيباً :"إن أحدنا ينقذ الآخر..نحن نبحر على زورق واحد..حين يكاد الروائي يغرق ينقذه الناقد والعكس صحيح"، أي أن هناك تكامل بين النقد والإبداع مع ترك مسافة معقولة بين ما يكتب وما ينقد.
س-كيف ترى حقوق الملكية الأدبية والفكرية في عالم الخدمات الأدبية الرقمية؟ ، وإلى أي مدى وصلت ؟، وما هي السبل في نظرك التي تكفل للكاتب حقوقه ، خصوصاً أنها لا تخضع لنفس العمليات التي تخضع لها الكتب المطبوعة ..؟
حقوق الملكية الأدبية والفكرية الرقمية وضعها مزرٍ ، لأننا نصادف في مواقع الكترونية عديدة تلك التنديدات بسرقة وقرصنة مجهودات الآخرين الإبداعية والفكرية..خاصة وأن هذه الحقوق الرقمية أصلاً غير مؤسسة بالرغم من كون العديد من المواقع الالكترونية تحذر وتحظر طبع أو نسخ أو إعادة نشر أية مادة تحتويها..وبعض المواقع الأخرى التي تحترم نفسها لاتنشر مادة سبق وأن نشرت في مواقع أخرى لكن هذه الاجراءات غير كافية .. ومادامت الحياة الأدبية والفكرية تطورت لتدخل عصر الثقافة الرقمية ، فهذا يستلزم الإسراع في إنشاء جهاز أو هيأة رقمية تحفظ للكتاب حقوقهم ، وتضمن لهم حق الاستفادة من إبداعهم ، وأنا أشير هنا إلى ما يمكن أن يقوم به اتحاد كتاب الإنترنت العرب في هذا الصدد.. ولا علم لي إن كانت هناك محاولات في هذا الموضوع..
والسبل الكفيلة التي تضمن للكاتب الرقمي حقوقه أجملها في أمرين:
-1 تأسيس قوانين رقمية حديثة مرتبطة بحقوق الملكية الأدبية والفكرية الرقمية
-2 تأمين التنفيذ الفعال لها عن طريق أجهزة قضاء نزيهة.
س-ما هي مقومات الكاتب الجيد ..؟ وما هي مقومات الناقد الجيد ..؟ وفي أي منهما تجد نفسك أكثر ..؟
أرى أن الكاتب الجيد يستحسن أنيحصل على المواصفات التالية:
- امتلاك المادة اللغوية وإتقانها ، والقدرة على توظيفها فنياً(كلٌ في الجنس الذي يبدع فيه، وهنا قد تتدخل الموهبة).
-الخلفية المعرفية المبنية على التراكم القرائي والتجارب والخبرات
- الانفتاح ومواكبة العصر
وبالنسبة لمواصفات الناقد الجيد يمكن ان نجملها في ما يلي:
- الموهبة( المتمثلة في الفطنة والاستعداد والذوق، لذلك أهتدى الى هذه الفكرة عبد القاهر الجرجاني ورأى ان الاساس الضروري في معرفة الجمال هو الذوق المرهف).
- الإجادة في الكتابة من حيث جمالية الأسلوب من أجل إقناع المتلقي.
-الثقافة النقدية وهي ثقافة عامة من جهة اتصالها بحقولٍ معرفية متباينة ومتعددة ، وثقافة خاصة مرتبطة بعلوم الآلة والأدب والمناهج النقدية من جهةٍ ثانية ، وفي هذا الإطار ألف د محمد النويهي كتابه "ثقافة الناقد..".
- المنهجية والموضوعية: أي الاعتماد على قراءة النص الأدبي وفق منهجية نقدية تسترفد من منهج أو مناهج نقدية ..والركون إلى الموضوعية والنزاهة النقدية في التعامل مع العمل الأدبي أي البحث عن الحقيقة فيه وكيفية اشتغاله عوض التحامل عليه.
- مواصفات النص الأدبي : الذي من اللازم ان يتوفر على مقوماته العمل الادبي في مستوياتها المتعددة ، وهي ما يغري الناقد بتناوله تناولا نقديا.
ملاحظة : تبقى كل المواصفات المذكورة نسبية ما دام ليس هناك مثالاً ، لذا نتحرى فيها الحصول على الحد الأدنى كي لا نسقط في الابتذال والإسفاف.
وأنا أجد نفسي في الكتابة النقدية ..

س- كيف استطعت النجاح في ميدان الكتابة؟ , وهل كان للوالدين دور في ذلك؟
أنا لا أعتبر نفسي ناجحاًفي ميدان الكتابة ..ودوما أعترف أنني تلميذ في هذا الصدد، وما أنا الا طويلب علم .. وإن كان من نجاح ، فمرده الى عوامل ذاتية مرتبط بميلي للقراءة والكتابة في مراحل تعليمي ، لاأخفيك أن الكثير من الاساتذة الذين درست عليهم كانوا يتوسمون في ذلك ، بل إن زملائي من التلاميذ كانوا يلقبوني في المرحلة الثانوية بالجواهري نسبة الى محمد مهدي الجواهري الشاعر العراقي..وميلي ايضا الى الانخراط في الانشطة الثقافية من عروض ومسرح وغير ذلك.. وعوامل موضوعية مرتبطة بتعميق معرفتي الادبية في الدراسة الجامعية التي فتحت لي آفاقا جديدة في هذا التوجه، بالاضافة الى سلك التعليم الذي أشتغل فيه مدرسا/ أستاذا لشعبة اللغة العربية وآدابها في التعليم الثانوي التأهيلي ..كل ذلك زاد من خبرتي وتطوير امكاناتي..
نعم كان للأب دور كبير في إقبالي على ميدان الكتابة أانني تعلمت اأابجدية على يده وحفظت أجزاء مهمة من القرآن الكريم بفضله عندما كان يدرسني بأحد الكتاتيب القرآنية التقليدية ، لأنه كان (فقيه الكتاب/ شيخه)، بينما أمي رغم لم تنل حظها من التعليم ، فقط كان دورها في الرعاية والتربية أساسياً لا يستغنى عنه.. وعموماً لن أوفيهما حقهما ما حييت.


س-هل ترى تحولاً أو نعطافاً  سواء في الأدب عموماً أو الشعر خصوصاً مع ما يتعاطاه من القضايا المصيرية للأمة العربية خاصة بعد الاحتلال الامريكي للعراق والقضية الفلسطينية لازالت تراوح محلها ، أي بمعنى
أن تأريخ الأدب عِبر مراحله كان مُعبراً عن آمال هذه الأمة ..!! فهل ترى تراجعاً في ذلك وماهو السبب
برأيك؟

صحيح أن الأدب واكب تحولات الحياة العربية بالخصوص..فإذا نظرنا مثلا إلى علاقة الشعر بقضايا الأمة العربية وجدنا من الشعراء من تشظى بالهم الوطني أو القومي ، فجرت قصائده على كل الألسنة واحتفت بأسئلة مربكة..أشعلت الروح ، وهنا أشير إلى أثر قصيدة " عابرون في كلام عابر" في إسرائيل وقصائد نزار السياسية وكذا أحمد مطر..بل إن هناك شعراء واكبوالاحتلال الامريكي للعراق..لكن كيف يمكننا أن نحكم: هل حدث في ذلك نكوص أو انعطافة؟ أعتقد أن الجواب يجب أن يحتكم للمتن النصي والتراكم المنجز ومقارنته بسابقه ، وربط ذلك بالرؤية الجمالية للنص الشعري..وإلا نسقط في أي كلام حماسي للقضايا المصيرية ونسميه ، خطأ، شعراً..وقد نلفي التجربة الشعرية لشاعر واحد تنوس بين النكوص والانعطاف ، فبالأحرى تجربة الشعر العربي في مواكبته لقضايا الأمة العربية.
س-أعتقد أن هناك اختلاف صغير بين الناقد للعمل الفني و الناقد في الأعمال الأدبية .. وأعتقد أنهما يتلاقيان في الفهم المنهجي للعمل الأدبي .. لقد تمنهجت الأعمال الروائية و القصصية سابقاً وفق سياق له منطقيته مثل الطبيعية و الرومانسية وصولاً إلى المناهج الأكثر حداثة، الدادائية و السريالية و مناهج أو مدارس أخرى .. لدينا في المسرح نعتمد على سياقات متقاربة في دراستنا للمناهج و الأساليب و منها ننطلق في تأسيس مناخ مدروس لأعمالنا المسرحية فهناك كما يعلم الأساتذة المتواجدون من الكلاسيكية إلى قوانين حديثة تعتمد حتى على أفكارها المنطلقة من كودات البنيوية .. ما أريد قوله هنا هو هذا التقارب المتداخل في الكتابة الروائية و القصصية الحديثة و الأساليب المسرحية بل و حتى السينمائية ( الفلم الروائي ) ما المنظور النقدي لهكذا تقارب ؟و هل هذا التقارب منطقي ناتج عن تقادم الحضارات ( الأفكار ) ؟.. بل هل تعتقد أن التجديد في الفن و القصة ينشأ من تجديد في الفكر الفلسفي أصلاً.. أم أن الأمر برمته هو تقارب لأفكار تنجح الصدفة و مجموعة من المنظرين من خلق مناهج تمنحهم صفة الريادة كنقاد؟ .. ألا تعتقد أن هناك تقارب ؟؟؟ إن هذا الفهم يمنح التجربة صدى و سيسمح لأحد الطرفين فك شفراته .. في المسرح هناك المونودراما ( مسرحية الشخص الواحد ) و التي غالباً ما تنشأ من تطور قصة قصيرة .. الخلاصة فيما أريد قوله .. النقد في المسرح ينبغي أن يمارسه ناقد مختص و كذا في السينما و في أي فن .. لكن التقارب في المنهج الفكري أساساً الذي من خلاله يمكن قياس جودة جهد صاحب الجهد في أي من الفنون أو الأنواع الأدبية يجعل من الناقد قادراً على الخوض في أي التخصصات المذكورة في هذه السطور .. ألا تعتقد هذا؟ انا هنا أثير هذا التساؤل ولست خارجاً عن الموضوع فالتفاعلية على النت تحتاج إلى أساس و للأسف لا يشكل الموضوع لشخص مثلي هنا أي أساس .. فكما يعلم الجميع أن المسرح قائم على المشاركة المباشرة و هو ما لا يمكن تحقيقه على النت إلا بحدود .. و إن لم اثر موضوع كهذا يعني انني سأظل متفرجا للأسف .. او قارئا .. و هذا لن يخلق جوا مستساغا لكتابة الناقد على النت فالقراء مثلا لم يشاهدوا العرض الفني مسرحي كان او سينمائي او تشكيلي لكن التفاعل مع كتابات الناقد يعني بالضرورة التفاعل مع ما ينتقده و الا فما الغاية من قراءة النقد على النت

أعتقد أن الاختلاف الموجود بين الناقد الأدبي والناقد الفني يكمن في اختلاف مجالات الاشتغال ..فإذا أخدنا مثلا الفن المسرحي نجده قائماً على ثنائية النص والعرض ، ومن هنا يكون عمل الناقد المسرحي  أن ينوس بين الاشتغال علىالنص اأاصلي باعتباره نصا أدبياً ،أو أن يشتغل على الفرجة كعرض، والأمران يختلفان في المواد ، ففي النص المسرحي نشتغل على اللغة أساساً ، وفي العرض المسرحي نشتغل على الاكسسوارات والإرشادات المسرحية...
أما عن التداخل بين الكتابة الروائية والقصصية والسينمائية فقد ظهر مع التيار الرومانسي الألماني مبكراًحينما دعى إلى توظيف هذا التداخل بين الأجناس الأدبية ورفض فكرة صفائها التي كانت سائدة قديما ، ومع تبلور النظريات النقدية في الغرب بدأنا نسمع مصطلح " جامع النص"أي بمعنى مفهوم الكتابة الجديدة التي تراهن على التعددية والتداخل بين الأسالب والأجناس واأاصوات والبنيات، فقد نجد رواية توظف المسرح أو نصا شعرياً يوظف سرداً ، أو قصة توظف التقنية السينمائية وهكذا دواليك..
وأعتقد أن جودة العمل النقدي ليس مردها فقط إدراك الخلفية الفكرية للمنهج ، بل أيضاً تعود المسألة إلى ثقافة الناقد ومنهجيته النقدية في التعامل مع النص اأادبي وقدرته على الخروج من شرنقة الرؤى الغربية كي لا نتعسف في نقد النص اأادبي العربي..
وبخصوص المسرح والنت ، فأعتقد أن الأمر سوف يعرف فتحا كبيراً في هذا الصدد ، خصوصاً وأن الانترنت يعتمد التواصل التفاعلي مع المتصفحين ..ونحن الآن نعيش تجربة جديدة في هذا الصدد مع ما يسمى بالرواية الواقعية الرقمية، وبالتالي سيحصل حتى التفاعل النقدي مع النص المسرحي.

س-هل مازال الشعر العربي المعاصر يخوض معركة الشكل والمضمون ؟أم أنها حسمت على كلا الجبهتين ؟ وهل استوعبت  الأشكال  القديمةُ وحتى الحديثةُ كل إمكانيتها ؟أم أنها مازالت قادرة على استيعاب المضامين الجديدة؟ وهل هنالك مضامين جديدةٌ  لا تستوعبها الأشكال المعاصرة فعلاً؟وماهي آليات تكوين الأشكال الجديدة وكيفية اعتمادها من وجه نظركم كشاعر وناقد؟
أعتقد أن مسألة الشكل والمضمون في الشعر العربي المعاصر أصبحت متجاوزة، فقديماً شغلت حيزاً كبيراً في الشعرية العربية القديمة في ما يعرف بإشكالية اللفظ والمعنى ، وحتى في تلك الأجواء ظهرت آراء نقدية تناصر اللفظ أو تناصر المعنى أو توفق بينهما ، فمما عرف عن الجاحظ ، مثلا، تأكيده ان المعاني مطروحة في الطريق وانما الإشكال في الصياغة. بينما في النظرية النقدية الحديثة بدء من الطرح الشكلاني الروسي ، حيث أصبح لكل شكل مضمون ولكل مضمون شكل ، وبدأنا نتحدث عن وحدة بينهما وانصهار، وأعتقد أن الشعر العربي المعاصر في العديد من تجاربه سار على هذا النهج ، وهنا نتذكر مسألة تفجير اللغة مع تيار الحداثة في الشعر العربي ،لأنه لما تضيق العبارة تتسع الرؤيا.
بالفعل ..الإشكالات القديمة لما تستنفد طاقاتها وإمكاناتها وزمنها وهي تترك مكانها للأشكال الجديدة ، وهذه سنة الحياة ، فتيار البعث والإحياء لما استنفد مبررات وجوده ظهر بعده التيار الرومانسي ، وهذا الأخير لما استنفد وجوده ظهر التيار الحداثي وهكذا..وكل تيار يأتي محملًا بخصائصه ومقوماته ورؤاه. وفي رأيي ليست هناك مضامين جديدة وأخرى قديمة على رأي الجاحظ ، فالتيمات والموضوعات التي كتب فيها الشعراء القديمة هي نفسها التي يكتب فيها شعراء اليوم ، ولكن الاختلاف في الحساسية الأدبية والتناول والتجربةالفنية والرؤى .. والشعر في نهاية المطاف هو ما تتحقق وظيفته الشعرية حسب التعبير الجاكبسوني(نسبة الى رومان جاكبسون)، وآنذاك لا يهم شكله، في رأيي المتواضع ، أكان عمودياًام تفعيليا ًام قصيدة نثر..فقط نجد بعض الشعراء لهم حساسية من شكل دون آخر..
وأما أسباب تكوين الأشكال الجديدة فرهينة بتطور الحياة وتطور وعي الكتَّاب بها، وكذا الاحتكاك بالثقافات الأجنبية أو ما يعرف بـ" المثاقفة". والنقد هنا-إذا كان يحقق الوظيفة المنوطة به أيضاً- يمكن أن يكون له دور في الإرهاص بظهور هذه الأشكال.

س-يقال إننا نعيش مرحلة سقوط النقد  وموت الناقد ... ولعل الواقع الان يعطي مؤشر او دلالة على اخفاق النقد في مواكبة الكثير من الاعمال الادبية .. فما هو رأيكم؟
فيما يتعلق بسقوط النقد أو موته أو إخفاقه هذا ما يدخل في سؤال أزمة النقد، وحتى النقاد الغربيين يؤكدون نفس الصفة ، فموريس بيكهام يقول "إن حالة النقد ليست مرضية على الإطلاق".فما بالنا نحن العرب الذين نتعيش على موائد الغرب نظرياً ومنهجياً؟
ولعل أزمة النقد نابعة من كون المهتمين والنقاد يشعرونبها نتيجة رضاهم على نوعيته ويشكون في قدرته على مواكبة النص الحديث، وحتى أراء المبدعين لم تخرج عن هذا الطرح.
ولعل هذه الازمة النقدية تعود الي:
-غياب التماسك والامتداد في نقدنا ، فنحن قد ننتقل فجأة من مرحلة خضارية الى أخرى( انتقالنا مثلا من حضارة الا نحطاط الى حضارة القرن الواحد والعشرين..بينما الغرب يعرف امتدادا وتطورا طبيعياعلى كل الاصعدة.
-العزوف عن القراءة.
-غياب موقف سليم من الغرب ومن التراث
-غياب النقد التخصصي.
صحيحٌ أنه زادت الفجوة بين المنجزات الأدبية وما يفترض أن يقدم حولها من دراسات نقدية ... وهذا مظهر من مظاهر تأزيم وضعيته ، فنحن نلحظ مئات الأعمال الادبية التي تصدر من وقت لآخر ، لكن لانجد ما يقابلها من دراسات نقدية مواكبة لها، ولعل الأسباب تكمن في ما أشرت له سابقاً.


س- إذا راهن الكاتب أو المؤلف على رضى النقاد فإنه يَرهن منجزة لآراءٍ غير منطقية، وفي هذا السياق لابد أن يتوجه المؤلف نحو القارئ ويجعله هو التحدي ولا شيئاً آخر إذا رغب النجاح ، هل هذا صحيح؟
أعتقد أن المبدع ،عليه أن يتوجه نحو القارئ ويجعله هو التحدي ولا شيئاً آخر إذا رغب النجاح ، لأن هذا القاريء يكون مختلفا : منه القاريء العادي والقاريء الناقد،وأن يراهن على تطوير و بلورة تجربته في الأفق الذي تضمن له نسبة محترمة من المقروئية، ناهيك هنا عما يعترض الكتاب العربي في التنقل بين أرخبيل الوطن العربي...

س- تكتب الشعــــر وتمـــارس النقـــد، فأيـــن تجـــد نفســـك؟
بصراحة أجد ذاتي في النقد لأنني أكون حراً طليقاً، ولكن ليس بالمعنى الإطلاقي ..بينما في الشعر أجد ذاتي ولكن في الرتبة الثانية لأني أعتبره تأريخاً لمن لا تاريخ له،فهو يمنحني متعة الحياة ومن عذاباتها وعذاباته يوقظ في جذوة الحلم كي أتحدى يباب الوقت.

س- يقولــون إن السقف يُسقـــط قطراتـــه خــارج فضائـــه،إلــى إي حــد ينطبـــق هــذا المثـــل علــى الناقــد، لا الشاعـــر،إبراهيــم القهوايجـــي؟
سقفي النقدي بالفعل يسقط قطراته وشذراته على بيوت الآخرين المجازية، ومن هنا ينطبق علي هذا المثل.

س- باعتبـــارك شاعـــراً، هــل مازلت ترى تــــلك الأكاليـــل التــي تتــوج هامـــة الشعـــر فــي زمـــن تغيرت فيــه الأشيـــاء وتبدلت فيـــه الأدوار؟
بالطبع تغيرت أحوال الشعر مع تغير ذبذبات الحياة،وانت تعلم أن دور الشعر ودور الشاعر في الشعرية الجاهلية لم يعد هو ذاك مع الانعطافة الإسلامية، والشعرية العباسية ليست هي الشعرية العربية المعاصرة ، تغيرت الانسياقات والبنيات والأشكال والرؤى وفقا للتحول المستمر اللاحق بدواليب الحياة...

س- حيــن تفــرد أجنحــة الحلــم لاقتطــاف اللحظــة الشعريـــة،هــل تتمكــن مــن لمسهـــا أم تظـــل كالمهـــر الجامــح؟

لحظة الاشراقة الاولى القصيدة أنت تعرف أن لها خصوصية لدى كل شاعر، وحينما أفــرد أجنحــة الحلــم لاقتطــاف اللحظــة الشعريـــة،مرة تنقاد فأتمكن من لمسهـــا ، وأحيانا تظـــل كالمهـــر الجامــح أو الفرس الحرون، وهناأتعب في الإمساك بتلابيبها.
س- التفاصيـــل التي تؤثث بهـــأ نصوصـــك، هــل هــي مــن جماليـــة النـــص أم أنهــا تأتـــي فــي سيــاقٍ عفـــوي؟

التفاصيـــل التي أأثث بهـــا نصوصــي تأتـــي فــي سيــاق عفـــوي ، وتحتاج فيما بعد الى تنقيح ومعاودة ، وهنا تتدخل مقومات جماليـــة النـــص . وأعتقد أن المسألة فيها تفاعل بين العنصرين...




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home