القلم الفكري

 

أزمة أمة أم أزمة نخبة؟

سيد يوسف



 

أزمة أمة أم أزمة نخبة؟

(ولم أر أغبى ممن يحمل بيده مصباحاً منيراً ويصر بغباوة رائعة على السير فى الظلماء)

سيد يوسف

تمهيد

استقر فى يقينى أن الأمة حين يبز فيها بعض الأفراد دون أن تصنع رجالاً يغذون الإنسانية علماً وثقافة وفكرا فإنها أمة على خطر ولولا بعض أفرادها النابغين لقلنا هى على خطر عظيم ذلك أن أى أمة هى بنخبها المفكرة لا استعلاء بل إنتاجا وتواضعا لخدمة بنى قومها فهل عجزت مؤسساتنا/جمعياتنا/أحزابنا/ حركاتنا/تنظيماتنا بفروعها المختلفة عن تحقيق مقاصد التغيير الايجابي الفعال فى مجتمعاتنا؟

وهل جفت منابع أمتنا عن استنبات قادة ورجال يحسنون البناء وعلاج الخلل؟!

وكيف نستنبت هؤلاء القادة إذا كانت بنيتنا الفكرية بها بعض العطب وتحتاج إلى إعادة تأمل؟!

 (1)

أزمة أمة

من أبجديات العلم التى يلقنها الصبية أنه لا حل لمشكلة لا إحساس بوجودها فالشعور بالمشكلة ومن ثم تحديدها وفرض الفروض..واختبار صحة الفروض وهكذا... جعل فاقهونا يقررون أن عجز أمتنا – عبر نخبها المتميزة اسماً- عن إنتاج النماذج القادرة على تشكيل وتوجيه بل قيادة الأمة لهو دليل على وجود أزمة في النخبة، وخلل واضح فى منهجها.

ولا شك أن الشعور العام بالإحباط الذى تعانيه أمتنا لهو مقياس جيد على أن هناك خللا يستلزم تدخلا سريعا لوقفه ووأده.

لكن يمكن القول بأن الإحساس بالمشكلة والأزمة ( أزمة الغزو الفكرى وإصابة الأمة فى بعض معتقداتها الفكرية)، جاء لونا من الانفعال بها،الأمر الذي يعنى الاكتفاء بتسطيح أزماتنا خالطا بين الإمكانيات والأمنيات ، ومكتفيا بالكلام هنا وهناك دونما فعل ايجابي ومكتفيا بالإلقاء بالتبعة على الخارج ، والهروب إلى طلب الخوارق والمعجزات المخلصة

من الواقع...

لكننا كنا نريد لهذا الانفعال : الانتقال من الإحساس الذي يعني الانفعال إلى مرحلة الإدراك ، والاهتداء إلى فقه الحل ، الذي يعني الفعل الايجابي الفعال والمستمر.

لقد بات من المسلم به أن الأفكار هى التى تسبق الأفعال سواء فى مجال السلوك الشخصي أو الاجتماعي أو السياسي بأشكاله المعقدة ...فحركة المرء مرهونة بطريقة تفكيره بل وبما يحمله من معتقدات وأفكار وفق ما أشارت إليه نظرية البروفيسور أليس Ellis صاحب نظرية العلاج العقلاني الانفعالى السلوكي ومن ثم فان قناعات المرء وتشكيله الثقافي والفكري تؤثر فى سلوكياته ...يستوى فى ذلك الأفراد والمجتمعات .

نقول هذا لتبيان أهمية ما يتبناه الفرد أو تتبناه الأمة من أفكار ومعتقدات وما تمثله حصيلتها الثقافية من أثر بناء –أو هدام فى حالتها المتطرفة- فى نهضتها.

ولذلك فان أية محاولة  لصناعة نهضة لا تقوم على أسس فكرية سليمة أو لصناعة إصلاح عام وشامل لا يراعى  طبيعة الأفكار السائدة من حيث سوائها أو اعوجاجها لا يمكن أن تؤتى بثمار جيدة .

ويعجبنى قول د/ عمر عبيد حسنة حين يقول: أي تفسير للتاريخ ، أو قراءة للواقع ، وأي استشراف للمستقبل، بعيدا عن عالم الأفكار، أو المنظومة الفكرية التي ترسم ملامحه ، وتحركه ، وتحدد قسماته، هو إتيان للبيوت من سطوحها، واكتفاء بالإحساس بالمشكلة عن الإدراك لأبعادها، وأسبابها المنشئة لها، ومحاولة عديمة الجدوى لمعالجة الآثار ، التي سوف تتكرر طالما أن أسبابها قائمة وموجودة ، لم تنصرف المعالجة إليها.

لذلك ، كان من أخطر أنواع الإصابات : الإصابة الفكرية ، وأسوأ أنواع الغزو ، الغزو الفكري ، الذي يقذف بالأمة إلى الضياع ، ويحضرها لقبول ما يلقى إليها.

لذلك نعتقد أنه ما لم يتم التوجه في كل محاولة للإصلاح والنهوض ، صوب القضية الفكرية ،وما لم نتيقن أن الأزمة الأم التي تكمن وراء تخلفنا وغيابنا ، هى أزمة أفكار ، فسوف تبؤ محاولاتنا ومشروعاتنا بالفشل .

من هنا نقول : إن ما تعاني منه الأمة المسلمة بشكل عام  ما هو إلا انعكاس للأزمات والإصابات الفكرية المتراكبة التي نعاني منها .

 (2)

احتياجات ضرورية

وفى يقينى أن الأمة تحتاج اليوم أشد ما تحتاج إلى :

* مراجعة شاملة لموروثاتها الفكرية ومواقفها العملية بنقد بصير دون جلد ذات ولا تهوين يغض الطرف عن أخطائنا أو تقديس يرفع الخطأ عن رموزنا التاريخية...فلا احد يعلو على النقد ولا تاريخ يسلم من أخطاء .

* حسن مجابهة الاستفزازات الغربية بحيث تجمعنا ولا تفرقنا وتظهر للعالمين أننا أمة يوحدها الخطر ويلم شعثها الاستفزاز ويحفز همتها النيل من كرامتها على أن يكون ذلك بوعى بصير وحماس هادف.

* خلق هدف سام تسعى إليه الأمة بمفكريها المخلصين وببنيها الفاقهين واراه فى إحياء الخلافة الإسلامية للم شعث المسلمين فى أنحاء العالم..وإنا لعلى ثقة بعودتها لما ورد فى ذلك من نصوص صحيحة وصريحة ولعل مراجعة موضوع كلام فى عودة الخلافة الإسلامية يسهم فى إيضاح هذه المفردة.

* إعادة النظر فى تفسير إصابات الأمة الإسلامية وإحباطاتها فيما يصيبها من محن وفتن وتكالب الآخرين علينا (الحملات الصليبية قديما واستهداف الغرب لنا فى الحاضر –أيا كانت مبررات ذلك الاستهداف مؤقتاً-) على أن كل ذلك ما هو إلا تسليط عقاب ، وليس استئصال ، وإبادة...فلقد قالها الفاقهون حين استقرأوا التاريخ قالوا لو أراد الله استئصالا لهذه الأمة ولهذا الدين لحدث ذلك وهذا الدين فى مهاده الأولى إبان كان وليدا ضعيفا.....ونرجو تدريس وتوريث تلك الفكرة للأجيال القادمة عبر وسائط التربية والإعلام المختلفة .

* ولعله لا يتأتى ذلك إلا من خلال عدة وسائل منها مجابهة الاستبداد السياسى والاستغلال الاجتماعي باسم الدين أولئك الذين يخدمون الحاكم بتوظيف الإسلام من أجل تبرير أفعالهم المشينة ومنها محاصرة الكتاب السياسيين الذين يسهمون فى تبرير الواقع السياسى المرير والظالم ومنها إيقاظ الوعى المخدر فى نفوس أبناء هذه الأمة  ومنها دعوة الناس كل الناس للاعتصام بمنهاج ربها الذى جاء فى قران ربها قوله تعالى:(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )

ويقول تعالى

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة من48 -50

إن الذى يملك مصباحا منيرا بيده ويبحث عن السير فى الظلماء لا شك عندى انه أبله.

يقول تعالى (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) المائدة 15-16

* نرجو للعقل المسلم من إعادة تشكيلة بحيث يستوعب إشكاليات التعاطى مع الحضارة فقد خضع للكثير من العوامل ، والإصابات ، والمواريث الثقافية المغشوشة ، والتي جعلته - يخضع تلك القيم المعيارية في الكتاب والسنة ، ويتعامل معها ، من خلال أزمته ، حيث بدأ يفتش وينتقي - من خلال أهوائه ، ورغباته ، وأزماته - على مسوغات وذرائع من الكتاب والسنة ، لمسالكه ، ومواقفه ، إلى درجة يمكن أن نقول معها : إنه أصبح لكل إنسان ، ولكل نزعة فكرية ، كتاب وسنة على حد قول د/عمر عبيد حسنة.

وهذى الاحتياجات الضرورية ليس لها عندى إلا النخبة فهلا استيقظت ولا سيما وهى معها نور ومصباح مبين؟!

فى النهاية

اسأل الله أن ينفعنا جميعا .

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home