قصة

 

المتهم

عبدالجواد خفاجى



قصـة قصـيرة  :

عبد الجواد خفاجى 

          

 

              المُتَّهَم

 

كانوا قد قفشونى فيما يبدوا وأنا نائم ، واقتادونى إلى هذه الغرفة المظلمة التى لا يشاركنى فيها أحد .. التفاصيل لا أتذكرها .. حقيقة أرانى كوافدٍ لتوِّه إلى الحياة ، بلا ماضى يمكن أن يتذكره .. لقد فتحت عينىَّ كأي إنسان يفتح عينيه بعد نوم طويل ، تلفتُّ فى الظلام فلم أعثر على شئ أراه سوى السواد ؛ فاعتدلت .. أدرت رأسى يمنةً ويسرةً ، أعلى وأسفل ، حتى عثَرت عيناى على فتحتين صغيرتين مضيئتين بضوء شمس  ، كانتا أعلى الجدار الذى يقبع السرير أسفله .. أطلت النظر إلى الضوء ، ثم استدرت ببصرى إلى أركان الغرفة ، وعدت إلى محاولة استكشاف الموقع .

الجدران شاهقة ، وشبه سوداء ، وثمة باب حديدى كالح فى الجدار المقابل ، مغلق بإحكام ، حتى لأنه بدا كما لو كان جزءًا من الحائط ، له فتحة فى حجم رأس الإنسان ، مشغولة بأربعة قضبان متقاطعة ومتعامدة ، لا تسمح بنفاذ الرأس أو اليد منها ، يتراسل منها ضوء نهارٍ ، وإن لم أرَ أشعة ، فهمت أن ثمة حوائط أخرى فى الخارج تصد أشعة الشمس المباشرة ، وكان علىَّ أن أتأكد إنْ كنت أعايش هذه اللحظة على وجه الحقيقة ، أم أننى فى لحظة حلم ؛ فحركت يدىَّ على جسدى ، ورحت أضغط على لحم وركىَّ النحيلتين ، وأشد بعض الشعيرات الناتئة فى الجلد ورفعت يدى إلى رأسي .. فحركت عينىَّ ، وشددت شعر رأسى ، حتى تأكدت تمامًا أننى واعٍ .. لماذا إذن أتوا بى إلى هنا .. هل فعلت شيئًا مخلاًّ بالواجب ، أو الضمير ، أو القانون ؟! .. ربما .. فتشت فى رأسى ، وصدرى جيدًا ، وانتهيت إلى لا شئ ؛ فلست متذكرًا لفعل ما يستوجب أسْرِى ، غير أنى شعرت بالخوف ، وثمة هاجس بدأ يناوشنى باتهامات ، وذنوب غير محدودة ، وانحرافاتٍ جسيمةٍ استوجبت نبذى .. هكذا كان الهاجس يذكرنى بأننى مذنب ، أو على الأقل أستحق النبذ .. ربما حبسونى لمجرد تأكيد النبذ ، ربما أنها ليست عقوبة ، وربما أننى كأي ابن معتوه اضطر والده إلى عزله فى إحدى غرف البيت ، حتى يتلافيا فضائحه .. ربما .. المهم أننى فى هذه اللحظة أشعر بأننى – وإلى حد كبير – غير صالح لممارسة الحياة الاعتيادية مع بشر اعتياديين ، وإلا .. لماذا حبسونى ؟ .. استلقيت أخيرًا على السرير ، ورحتُ أحدّق فى الظلام تارة ، وتارة فى الفتحتين العلويتين المضيئتين ، ودون أن أفكر فى شكل الحياة خلف هذه الجدران ، ومن دون أن أكون معنيًّا بالتنصت على ما يمكن أن يكون ، أغمضت عينىَّ واستسلمت للنوم .. ذلك الممكن الوحيد الجميل فى هذه الحياة وإن كان محفوفًا بالكوابيس ، مهما يكن فهو يتيح لي – على الأقل – براحًا متسعًا ، والحياة فيه ليست – هكذا – دائمًا مظلمة ، غير أننى أشعر أننى هنالك موجود ، ربما لأنني أكون دائمًا طرفًا فى صراع ، أمارس فيه حريتى ، صحيح أن ثمة قوى متجبرة شرسة ومخيفة أحيانًا تترصدنى فى أحلامى ، تهزمنى ، فأصحو مفزوعًا ؛ ألتقط أنفاسًا متلاحقة متقطعة ، وأشرب ماءً دافئًا ، وأغير وضع جسدى ، وأتابع النوم . أشياء من هذا القبيل بدأت أتذكرها الآن ، وغير ذلك أتذكر أحلامًا سعيدة كثيرة أدخل فيها فى صراع لذيذ مع الحياة ، كهذه الرؤيا التى رأيتها مؤخرًا : كنت على وشك أن أُرَسِّم العلاقة تمامًا مع واحدة من نجمات السينما الشابات ، كنت مستسلمًا للمسير معها ، فيما كنت أستشعر رغبةً لديها لأن أكون صديقها الجديد ، قالت إننى ودود ، وبرئ ، ووديع ، وإن كنت ذكرًا ، ما زلت أتذكر كلماتها الهادئة التى تشع رغبة جميلة فى التواصل الحميم معى : " رغم وعيك الواسع بالحياة ، وثقافتك الرفيعة ، إلا أنني لا أرى فيك خُبثًا مفترضًا فى من هُم مثلك ، غير أن طباعك تختلف عن بقية الرجال المتوحشين الحيوانين الذين يتعاملون مع المرأة الجميلة كأسُودٍ تطارد غزلانًا .. " وقالت كذلك : إننى أتمتع ببراءة تند عن طبع الرجال .. " كنت – ولاشك – أستهجن منها اتهامها لكل الرجال ، إلا أنها عدَّلت وجهة نظرها قليلاً عندما استشعرت اعتراضًا مكظومًا لدىَّ ، بدا فى صورة انكماش بسيط لعضلات وجهى .

 على أية حالة قالت : لا أقصد أن الرجال خبثاء على الإطلاق ، وإنما قصدت أنهم خبثاء عندما يتعاملون مع أنثى جميلة ، أما أنت فتبدو مختلفًا ، وأتذكر أنها مسحت بيديها الناعمتين على رأسى وتأملت عينىَّ طويلاً وقالت : أنا لا أقصد أن الرجال خبثاء على الإطلاق ، وإنما قصدت انهم خبثاء عندما يتعاملون مع أنثى جميلة .. أما أنت فتبدو مختلفًا ، وأتتذكر أنها مسحت بيديها الناعمتين على رأسى وتأملت عينىَّ طويلاً وقالت : سنتجه الآن إلى حديقة تخلو غالبًا من البشر فى مثل هذا الوقت .. سنجلس تحت إحدى الأشجار على سندس أخضر ، نستاف الأريج ، وربما فتحت لك صدري .

كنت أتابع المسير ، ولم أكن معنيًّا إلا بالاستسلام الجميل لصوتها العذب وهى تسترسل فى الحديث الذي لم أكن معنيًّا بدلالته .. كان الذي يسيطر على رأسى تمامًا هى اللحظة التى ستأتى ، عندما تجلس تحت الشجرة ، وتفتح لى صدرها .. فيما أتذكر كانت ترتدى قميصًا أبيض يشف عن ثديين رائعين ، يبدوان كرمانتين كبيرتين نافرتين على جانبى صدرها ، وكان بينهما فراغًا يكفى لأن أضع فيه وجهى عندما أضغطهما بيدى من الجانبين .. هكذا كنت مستسلمًا لخيالاتٍ لذيذةٍ من هذا النوع وهى تتابع حديثها .

اللحظة الحرجة كانت عندما سمعت طرقًا عنيفًا على الباب الحديدي ؛ اعتدلت مفزوعًا ، وفيما كنت أحس بتثاقل ودوار خفيف اتجهت نحو الباب ، ولم أكن قد استعدت إفاقتى كاملة عندما لمحت من النافذة الشبكيَّة شابًا عفيًّا كبغل ، متورد الوجنتين ، وفيما رحت أتأمل صدغية الضخمين وشعر رأسه الكثيف الفاحم وعينيه اللَّتين بدتا شاردتين ومنكسرتين ، وفيما فيما كان نهجه يتلاحق وحبيبات العرق تطفر على جبينه قال : يجب أن تساعدنى .

قال كلمته وتركنى فى حيرة من الأمر ، وإن كنت قد شعرت بزهو عظيم مرَّ سريعًا ، وأنا أسائل نفسى : إن كنت قادرًا بالفعل – وأنا المأسور – على مساعدة بغلٍ آدمىٍّ عفىٍّ فى الخارج . وفيما رحت أسقط نظرى إلى أسفل وأنا أشبُّ بقامتى على أطراف أصابعى ، لمحت أوراقًا وملفًا يضمها إلى جنبه بيده اليسرى، وكانت فى يده اليمنى مفاتيح  ..ظننت أنه سيفتح هذه الزنزانة ، وسيخرجنى إلى البراح لأساعده ، لكنه فاجأنى بأننى ربما سأظلُّ طويلاً داخل هذا الظلام لو لم أساعده ، وفيما أبديت استعدادي لمساعدته قال إنه محامٍ . وطالبنى بالكلام وأضاف : الصمت ليس فى صالحك . وأخبرنى أنه ربما سيأتى فى الغد لعلي أكون قد عدلت عن رغبتى فى الصمت ، وقال وهو ينصرف : يجب ألا تنسى أنك متهم .. وأكد : متهم . قالها وانصرف ، وانصرفت أنا إلى السرير ؛ لأتابع نومى ، وإن كان شيئًا فى كلامه قد استوقفنى : أنت متهم . حاولت أن أتذكر شيئًا عن التهمة : الجريمة .. الزمن .. الناس .. أنا .. هم .. هن . ولَمَّا لم تسعفنى الذاكرة استسلمت للنوم .

 لا أتذكر كم يومًا أو شهرًا أو عامًا قضيت في هذه الغرفة .. كل ما أتذكره أن زمانًا طويلاً مضى علي فى الظلام مع النظام اليومى الرتيب : بعض وجوه كالحة خشنة ، وطباع فظة متوحشة ، وأيادٍ عفيَّة متجبرة ، ونظرات اتهام شنيعة ، وتعالٍ وغطرسة ، وسخرية واستهانة . وما إلى ذلك ، وثلاث وجبات ، واحدة طرية وباردة ونتنه ، والأخريين كانتا جافتين لهما طعم قابض ، وبعض الشلاليت ، ومسح الغرفة ، والخروج إلى الفَسَحة لفترة قصيرة أطالع فيها الآخرين البؤساء قبل العودة إلى الزنزانة .. لماذا حبسونى .. لماذا أخرجونى .. لماذا ولماذا  ؟؟ . لست أدرى .. كل ما أدريه أننى ومذ أخرجونى وأنا مقيم فى غرفة قيل إنها ميراثى من أبى .. كانت أشبه بالزنزانة ، ولم تكن لها نوافذ .. كانت تقريبًا فى حارة مسدودة ورطبة لا تدخلها الأرجل إلا نهارًا ، وقد سألت السيدة التى تحضر الزاد إلىََّ : إن كان آخرون يعيشون فى هذه الحارة ، فقالت إن المبانى هنا قديمة ومتهالكة ، وكلها تستخدم كمخازن . ها إننى هنا هرُّ شائخ ، أقيم مع بضائع مكدسة وكراكيب ، وكراتين مقفلة , تمرح حولى الصراصير والفئران وأنواع السوائم الأخرى . سألَتنى مرة : إن كنت أريد شيًا آخر للتسلية غير الطعام ؛ فشكرتها ، وطلبت منها أن يكون مجيؤها فى ساعة محددة من النهار ، سأكون فى انتظارها خلف الباب ، وسألتنى إن كنت قد استثقلت مجيأها ، فنفيت ذلك ، وبررت لها طلبى بأن  أىَّ طَرْقٍ على الباب يصيبنى بالفزع ، وأحيانًا يقطع علىَّ نومى ، لا أدري من كلف هذه السيدة السوداء بأن تحضر لى أشياء لم يتغير شكلها أو لونها أو طعمها : الخبز ، الجبن القريش ، الشاي ، السكر ، السجائر ، التمر ، وأعواد الثقاب . سألتها مرة :- من كلفك بإحضار هذه الأشياء ؟ ، فتلفتتْ إلىَّ باستغراب وأجابت : أنت . وسألتها : من يعطيك ثمن هذه الأشياء ؟ فأجابت بنفس الطريقة : أنت .

أنا .. أنا .. طالما أنها قالت ذلك .. ولم أشأ أن أسألها عن شىء بعد ذلك ؛ حتى لا تقذفنى بمثل هذه النظرة المستهجنة وتقول : أنت . ولكن فيما يبدو أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن يتورط فى الفضول ؛ فقد سألتها ذات مرة : من يعطيك أجرًا نظير خدمتك لى على هذا النحو ، فتابعتنى بنفس النظرات المستهجنة وقالت : أنت . أنا ، أنا .. ربما أننى أفعل أشياء كثيرة لا أتذكرها ، إلا أن المحيَّر فى الأمر أننى لست مالكًا لأية أموال من أى نوع ، لكنها هكذا قالت ، وربما أنها صادقة ، وربما أننى صادق أيضًا ، وقد نكون نحن الاثنين كاذبين ، وقد يكون واحدًا منا يكذب على الآخر . كل الاحتمالات تبقى مفتوحة ، مادامت الذاكرة مقفلة .

شكوت لها مرة من الخوف الذي يلازمنى ليل نهار ، ومن الهواجس الكثيرة التى تنتابنى ، ومن الرعب الذى يستولى علىَّ .. لقد أمست الحوائط مخيفة ، وثمة هاجس فى كل لحظة يهتف فى رأسى بأنهم سيقبضون علىَّ .. سيأتون مرة أخرى .. سيكسرون هذا الباب ، وسيعيدوننى إلى هناك .. رأيتها تمط شفتيها باستغراب وهى تقول لا تفرق كثيرًا الغرفة التى تعيش فيها الآن عن الغـرفة التى سيعيدونك إليها ، لو حدث ما تتوقع  ! . هكذا كانت صدمتى ، ولم أعد لأقصَّ عليها هواجسى ومخاوفى .. إلا أن الأمر استفحل عندى .. أضحت حركة الصراصير والفئران فى الغرفة مخيفة ، وأضحت طرقات المرأة على الباب – رغم انتظارى لها – مرعبة ، وقد حدث اليوم قبل مجيئها ما هو مفزع بالفعل . كنت قد استيقظت لتوى ، وذهبت لأغتسل ، عندما سمعت طَرْقًا عنيفًا على الباب .. كان بالباب ثقب أو ثقبان ، وبإمكانى أن أخرج من الحمَّام لأنظر منهما إلى الخارج ، ولكن من أدرانى ؟  ربما أنهم ينظرون إلى الداخل وسيدركوننى ،  وستكون المصيبة .. سيقبضون علىَّ ، و ... تتابع الطَرْقُ ، ثم تـلاه صوتٌ ناعم :- افتح . وبفعل لا إرادى ، أو ربما بدافع الخوف فتحت  ، وأنا أدارى جسدى خلف الباب ، حتى أتانى الصوت : " حملة تطعيم ... هات الأطفال " ..  تنفست قليلاً من الراحة وأخرجت رأسي .. كانا رَجُلاً وديعًا وفتاة جميلة يرتديان البياض ويحملان حقيبة زرقاء ناصعة ... ابتسما فى وجهى ، وابتسمت فى وجهيهما ، وقلت :   " ليس لدينا أطفال ".. انصرفا صامتين ، وربما أنهما امتعضا  ، لست أدرى ، غير أنهما نظرا إلىّ نظرات فاترة  مستفسرة ، وكان علىَّ بعد ذلك أن أكتب لافتة صغيرة لأضعها على الباب ، كتبت فيها " لقد رحل المغفورله ، ولا يوجد أحد بالداخل ، ممنوع الطرق لأية أسباب " .. علقت اللافتة على الباب ، وأغلقته جيدًا وانصرفت إلى الحمَّام .

لن تستمر الحياة دون خطأ ، أو ربما أنها الرغبة فى الخروج من هذا الفزع المقيم معى فى الغرفة : الحوائط .. الفئران .. الصراصير .. الباب ، كلها أشياء مفزعة .. كيف أتحملها ليل نهار ؟! ربما لهذا خرجت .

كانت المرة الأولى التى أخرج فيها من الغرفة ، وربما أنها كانت الخطأ الوحيد ، وقد تكون رغبتى فى اجتياز الفزع هى جريمتى الوحيدة فى تلك الليلة .. خرجت إلى الحارة ، وكان الوقت ليـلاً ، لذا  لم أرَ  نفرًا آدميًا ، وكان الطقس صافيًا ، وإن كانت نتانة الحارة  أشد من نتانة الغرفة التى أقبع فيها .. مشيت وسط أشياء كثيرة تسد الطريق.. تأملت للحظة الأبواب الخشبية والحديدية القديمة الموصدة ، وكان علىَّ أن أجتاز أحجارًا كبيرة ، وأقفاصًا فارغةً ، وأكداسَ قمامة ، وعربات كارو مقلوبة .. أعجبنى كثيرًا الهدوء والصمت والظلام ، وأن كان الفراغ لا يزال يطاردنى ، وقد زاد الطين بلة أننى أسير وسط حشد من الأحياء السائمة التى لم يمنعها شئ من نهش جسدى فى أية لحظة لو أرادت . كانت حركة الفئران والقطط والكلاب السابلة مزعجة ، وربما كانت محَّفزة على الهرولة .. حتى وصلت إلى أول الحارة ، أتجهتٌ يميناً مع شارع متعرج شبة مظلم ، ومشيتٌ .. كانت رائحة النتانة تضمَحِل كلما تباعدت عن الحارة ، وكأن الهواء يدخل لصدري للمرة الأولى .. أحسست أن سرسوبًا بارداً ومنعشاً يدخل صدرى ببطء ، وفيما كنت أحس بالدماء تسرى فى رجلَىَّ ، وتحثنى على المسير ، وفيما بدأتُ أرفع رأسى إلى السماء ، إلى لمعة النجوم المتلألئة فى الأفق ، وفيما كنت صامتًا متأملاً بدأ الرعب يتلاشى من صدرى ، وشعرت أنْ بإمكانى أن أتذكر من أنا .. من أكون .. ما الذى أتى بى إلى هذى الحياة ،. كان بإمكانى – فيما أظن – أن أتذكر تاريخًا يخصنى . لقد شعرت فى لحظة ما أننى سأنطق باسمى الثلاثى ، وبلدى وتاريخ مولدى .. أقسم أننى كنت على وشك أن أتذكر كل هذا لولا أن سيارة سوداء مرقت بجانبى ، فأفزعتنى وبددت ذاكرتى مرة أخرى .. للأسف – لم تكمل مروقها بل توقفت على بعد خطوات بعد أن اجتازنى . كان صوت الفرملة ممطوطًا وشنيعًا ، وشممت رائحة كاوتش ينصهر مع أسفلت الطريق ، تعبأ الجو فجأة بالقرف .. كان بإمكانى أن أجرى ، ولكن .. هل تعجز السيارة عن اللحاق بى ؟ من المنـطق إذن أن أتصنع بعض اللامبالاة  ، وأن أمضى كشخص واثق من نفسه .. لقد كنت جَدّ مكابرًا ، وأنا أسير بهدوء بجوار السيارة التى هبط من فتحتيها الخلفية رهط من البشر ، بعضهم يرتدى جلاليب تعلوها المعاطف الكاكى ، وبعضهم بأزياء عسكرية وبرانيط ، كانوا بعصّيَّهم متحفزين لفعل شئ ما خطير ، وهنالك أدركت أننى فى خطر .. طوقونى  تمامًا وهم يتابعوننى بنظرات ودودة .. هكذا ظننتها ودودة ، إلى أن قال :- " اركب يا ابن الوسخة . " .. ركبت السيارة من الخلف مع الراكبين ، وحال بينى وبين رؤية الطريق أجساد الراكبين والمعصوبين والمقيدين ، وهكذا حدث ما كنت أتوقع .

نفس الغرفة .. يا إلهى .. نفس المصير .. نفس الحياة .. نفس الخطوات الاعتيادية لدبيب الحياة فى جسدى .. نفس الأحلام والكوابيس .. لم يتغير شئ ، حتى السجانين .. حتى هذا الرجل الذى جاء يطرق مرة أخرى الباب ، وكان منهكًا يتصبب عرقًا ، وكان لاهجًا بالقول : - أريدك أن تساعدنى .

ها هو مرة أخرى يطلب المساعدة ، غير أنه أضاف هذة المرة : - " أنت وديع ، ودود ، مسالم ." وأقاويل  كثيرة أخرى أعادت إلىَّ صورة الممثلة الجميلة التى رأيتها فى الحلم ، والتى قالت إنها تريد أن تفتح لى صدرها .. الغريب فى الأمر أنه قال أريد أن تفتح لى صدرك .. كانت تقول : سأفتح لك صدرى ، وهذا يقول : افتح لى صدرك . لقد تذكرت الآن أنها لم تكن تقصد فتح قميصها كما كنت قد ظننت ، يالك من محامٍ أشد قسوة علىَّ من هؤلاء السجانين المتسلطين ، لقد أفقتينى من لذة كنت أستشعرها بداخلى ، وأنا أدغدغ نهدىَّ فتاة شابة رائعة الجمال ، وأعدت إلىَّ فهمًا جديدًا لمقولتها الجميلة .. أظنها انتخبتنى من بين رجال الأرض لتعطينى بعض أسرارها التى لم تبحْ بها لأحد قبلى ، أو ربما ستبوح لى بمشاعر جديدة لم تشعر بها من قبل .. كنت مَحْظيَها فى تلك الأثناء ، وربما أن ما كنت أريده سيحدث عندما تسلمنى قلبها ، وأفتح من ثم قميصها بيدى . سمعته يكرر : افتح لى صدرك .. الصمت لن يفيدك .

سألته : من وكلَّك عنى ؟! ورأيته يخدجنى ويقول : أنت .

أنا ، أنا .. يالها من صدفةٍ غريبةٍ ، ثمة أشياء من قبيل الصدفة تحدث ، وعلينا أن نكون جادين فى تصديق أنها بالفعل تخصنا وحدنا .. ألم يكن صدفة أن أخرج من الغرفة تلك الليلة ، للمرة الأولى منذ دخلتها ، ألم يكن صدفة أن يصادفنى هؤلاء السجانون ، لماذا إذن استهجن صدفةً أخرى كهذة .. ربما أننى صدفة وكلته بالفعل ، للدفاع عنى .. ربما أننى كنت سأتورط مرة بعد مرة ، صدفة وراء صدفة .

الإشكالية الآن أنني لم أعد متذكرًا لشئ كهذا ، غير أن التذكر نفسه لم يعد بذى فائدة . كان صوته هذه المرة حادًا ، وينم عن تبرمه وغيظه ، وهو يقول :- ثمة أشياء كثيرة مؤسفة مرَّت ، أنا أعلم هذا ، ولكن ليس معنى هذا أن تفقد ذاكرتك هكذا .. لتكن رجلاً إذن .. أنت برئ برئ برئ ، وربما أن هذه تهمتك .

أنهى كلامه وهو يتهيأ للانصراف ، وكان علىَّ أن أعده بأننى سأحاول أن أكون – كما قال – رجلاً ، وأتذكر ، وسأقول كل شئ ، كل شئ .

كان هذا هو اللقاء الأخير بهذا الرجل .. لم أره ثانية ، وإن كنت قد رأيته منذ لحظات فى المنام .. هو نفسه بصدغيه الكبيرين ، وشعره الفاحم ، وجبهته الناصعة العريضة ، يتصبب عرقًا ، يرتدى روب المحامين ، واقفًا أمام منصَّةٍ كبيرة تطل من فوقها بعض رؤوس لها وجوه متجهمة ، وكان مجهدًا ومنهكًا ، وهو يلوك الكلماتِ تلو الكلماتِ .. سمعته وهو يهتف ، رافعًا زراعه ، مشيرًا نحوى فى الظلام :- إن إن هذا الماثل أمامكم برئ .. برئ .. برئ .

لم يستمر المشهد حتى نهاية الجلسة ، لأستمع إلى منطوق الحكم . كنت أنتوى أن أبقى مستمتعًا بسماع المرافعات والداولات حتى أعرف تهمتى ، وكيف سيبرئ هذا الولد العفىُّ سـاحتى .. كنت ، لولا أنه غاب ، رويدًا بدأ يتلاشى عن ناظرىَّ ، وقد وجدتنى فى جنازةٍ كبيرة وحدى أواجه الجنازة .. كانوا قادمين نحوى آلافاً مؤلَّفة أزياؤهم موحَّدة ، وأجسادهم متساوية ، نظراتهم ثابتة ، يمشون مشية عسكرية .. تتقدم الميسرة ثم تليها الميمنة ، بحركة عسكرية غريبة يحركون أذرعهم حركة واحدة ثابتة من الشـمال إلى اليمين ، حتى بدا الواحد منهم كجسم آلىٍّ يتحرك وسط أجساد آليةٍ تشبهه . قال واحد أظنه مشرفًا عامًا على الجنازة : المتأخرون يدخلون إلى الجنازة من الخلف .. أمرنى بالبكاء ، فى الوقت الذى كان على أن أنتحى جانبًا بعيدًا عن حركة المتقدمين ، أظننى كنت تائهًا ، وأنا أحاول فهم ما يدور .. رأيتنى وقد تبدل لون ثيابى إلى السواد عندما حملنى اثنان إلى مؤخرة الجنازة ، وكان علىَّ ان أنهنط ، وأجْهَشَ مثلهم بالبـكاء . وهكذا رأيتنى أرفع ذيل جلبابى إلى مستوى عينىَّ و أمسح دموعًا غزيرة بدأت تنهمر .. اختلط النشيج بالموسيقى .. كان العازفون قد بدأوا فجأة عزف لحن جنائزىٍّ غريب ، ولأننى حقيقة لم أكن أرى نعشًا تفلَّتُّ إلى يمين الساحة ، وتساءلت مع واحد شارد مثلى :- من مات ؟ فقال : لا أدرى ، وسألت آخر : هل نحن فى جنازة عسكرية ؟ فقال : لا أدرى .

تساءلت مع ثالث : هل نحن نصارى ؟ فقال : لا أدرى .. عاودت السـؤال لرابع فقال : لا .. إذن نحن فى جنازة مسلمين ؟ فأجاب :لا .. يا إلهى .. إذن نحن فى جنازة يهود ؟ فأجاب : لا .. احترت كثيرًا ، كثيرًا ، وأنا أتساءل ، وأنا أتابع النظر إلى الجموع المتراصة المتحركة ؛ علَّنى أرى نعشًا . ولمَّا لم أرَ نعشًا ، ولم أعد فاهمًا لشئ ، ولمَّا كان اللحن صاخبًا ومنفرَّاً قررت الخروج إلى البراح . حاولت أن أتسلل خارجًا من بين الأجساد المتزاحمة .. حاولت ، ولكنهم كانوا على حدود الجنازة جاهزين .. قفشونى مرة أخري ، وكان النعش جاهزًا .

 

تمت

الجمعة 10 /12 /2004م

الواحدة بعد منتصف الليل

      

 

 

 

 

 

   




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home