قصة

 

واحدة من فضائحه

عبدالجواد خفاجى



        قصة قصيرة :

     


عبد الجواد خفاجى

واحدة من فضائحه

استفتح عمى " العتقى " ليلته بأن أغلق المزلقان ، وأشعل الفانوس ، وعلقه عند منتصف العمود، ووضع يده فى جيب صديريته الأيمن وأخرج زجاجة " الكينا " .. فتحها على عجل ، ودلقها فى جوفه على ثلاث دفعات ، انقبضت بعدها عضلات وجهه ، وقد استبدت بحلقه مرارة الكينا .. حدف الزجاجة الفارغة بكل عزم إلى الأمام ؛ فاجتازت الشريط الحديدى ، وغيط برسيم صغير أسفل الشريط ، واستلقت أخيرًا فى ترعة الرىّ المحاذية للشريط ، وضع بعدها يده فى جيب صديريته الأيسر ، وأخرج قطعة جبن مالحة قديمة ، كانت ملفوفة بورقة كتاب مدرسىّ.. التهمها سريعًا ، وفرك الورقة بين أصابعه ، وألقى بها فى الهواء وكان فى حلٍّ بعدها من سرواله الذى يزم وسطه؛ فخلعه .. ألقى به فى جوف " التاية " المظلمة، واستدار إلى خلفها .. أفرغ بوله فى الخلاء ، وعاد إلى المصطبة التى تمتد أسفل حائط التاية .. انسدح فوقها ، ثم خلع نعليه ، وضعهما أسفل وسادة صغيرة من ليف النخيل ، تكسوها قطعة قماش بالية ، تجشأ بعدها جشأتين ، وضغط على بطنه بكلتا يديه ؛ فأخرجت ضراطًا ممطوطًا ، تمدد بعدها بجسده فوق المصطبة ، وقد ارتاحت رأسه فوق الوسادة وراح يحدق فى السماء ، ولم يمضِ كثير وقت حتى بدأ جسده ينزف عرقًا غزيرًا ، أحس بعدها بسخونة تنبعث من جوفه ، ودفئًا يسرى فى جسده ممزوجًا بخدر لذيذ ، وفيما هو كذلك بدأت الدنيا تدور ، ورأسه يتثاقل ، ومن ثم انسدل جفناه ، وبدأ الغطيط ينبعث من خيشومه ، غطيطًا متصلاً  أجش كان يختلط بصرير الجنادب ، ونقيق الضفادع طوال الليل .

كان فى نيته أن يصحو بعد أن يأخذ تعسيلة ، كعادته ، ليذهب إلى دوار العمدة ، حيث سهرة العمدة مع ضيوفه .. يشارك الحضور السمر وشرب الشاى والدخان ، وفى آخر السهرة يشارك العمدة تدخين الحشيش فى إحدى غرف المندرة . يخرج بعدها من المندرة إلى درب ضيق رطب مظلم .. يسير مسافة مائتي متر فى الهواء الرطب قبل أن يطرق الباب ، لتفتح " رد الروح " التى غالبا ما كانت تنام بجوار الباب حتى موعد حضوره ليدق الباب .. يقوم مع رد الروح بواجبات الزوج عندما يختلي بزوجته ، ويعود إلى المزلقان لينام فوق المصطبة حتى مطلع الشمس .

شاءت الظروف هذه الليلة أن يتغير مسار الأحداث المعتادة ، وكثيرًا ما يتغير هذا المسار ، فقد سبق أن قلت إنه كان ما أن يغلق المزلقين ويفرغ زجاجة الكينا فى جوفه ، حتى يذهب مسعورًا إلى شجرة النبق التى خلف المحطة ، ليعود وفي يده الفلوص ، ومن ثم فليس من داعٍ لأن يذهب إلى بيته فى مثل هاتيك الليالي.. هذه الليلة وما أن استغرق العتقى فى النوم حتى فاجأته يد تلكزه فى جنبه ، وصوت يوقظه :

- قوم يا حلوف

تململ العتقى ، وفرك عينيه بيده ، وفتح نصف عين ، وكان الصوت لا يزال يوقظه :

- قوم يا حلوف ، يا بتاع الفلوص .

فتح العتقى كلتا عينيه ، وتأكد من صاحب الصوت :

- احترم نفسك يا غفير الغبرا لما تكلم أسيادك

- طيب قوم يا كبير الهوارة .. جاتك داهية .

جلس العتقى ، وتناول بلاَّصًا صغيرًا ، بجوار رأسه ، كرع منه كرعتين ، وأخرج من جيب صديريته علبة الدخان ، وانهمك فى لف سيجارة ، وأشار إلى محدثه أن يجلس .

- لف أتنين يا حلوف .

قال جملته ووضع هو الآخر يده فى جيب صديريته ، وأخرج ورقة " قصدير " .. فردها ، واستخرج منها قطعة حشيش .. وضعها فى يد العتقى قائلاً :

- الصنف دا معتبر .

تناولها العتقى ، وقرَّبها من أنفه ، ثم فركها فى الدخان وسأل غير مبالٍ :

-  وبعد ما تحشش يا دهشان ؟

- هانغير زيت يا حلوف المزلقان .

توقف العتقى عن فرك الحشيش فى الدخان للحظة ، ونظر إلى الدهشان نظرة استفسار ، وعاد يسأل :

- هانغير الزيت ؟ !

- أيوه

- ولد ؟

- لأ ..حورية .

- حورية ؟! .. يخرب بيتك .. فين ؟!

- فى التاية يا جحش .

أغلق العتقى علبة الدخان ونهض بعجلة إلى التاية .. نظر فيها دون أن يدخلها .. كان ثمة شيء أسود متكوم فى أحد الأركان المظلمة .

- الله يخرب بيتك .. جبتها من فين دى؟!

- من الجنة

  التقط العتقى الفانوس المعلق بعمود المزلقان ، ودلف سريعًا إلى جوف التاية ، ودلف خلفه الدهشان. كان الدهشان الخفير قد تفتق ذهنه فى هذه الليلة عن فكرة راودت رأسه فاستجاب لها .. وكان قد أنهى ورديته النهارية فى دوار العمدة ، وقام إلى بيته ، نام ساعة وصحا ، تناول بعدها عشاءه ، وأحس أنه مخنوق .. شيء ثقيل يطبق على نَفَسه بلا مبرر ، يدعوه إلى الخروج بعيدًا عن داره الكئيبة .. نظر إلى زوجته نظرة ازدراء ، ومضى خارجًا ، مشى ناحية الكوبري الذى يصل بيوت البلدة بالغطيان .. توقف قليلاً فوق الكوبري ، وتنسم نسمات هواء رطب ، وألقى بصره على صفحة الماء أسفل الكوبري ، ترامى إلى سمعه صوت المياه الهادرة ، وتراءت له خيالات النجوم ترعى فوق سطح الماء ، وكان كل شىء يبدو مقلوبًا فى رأسه ، لكأن السماء التى فوق ترامت أسفل الكوبري .. " عزيزة " الممرضة بجمالها الأخاذ ، وسحر عينيها ، وبياضها الضارب إلى الحمرة ، خدودها الوردية .. ضحكتها الوامضة بالبِشْر ، أسنانها البيضاء المنضدة ، ملاحتها ، ظرفها .. كل شيء .. كل شيء تراءى له على صفحة الماء ضاحكًا يناديه ، وقد استلقت عزيزة على ظهرها ، وكل جسدها قد تعرى .

هل يقفز إلى الماء ؟ .. حاول أن يفعل شيئًا خطرًا ، يربطه فورًا بما يتوهمه ..عزيزة  تومض صورتها بين النجوم على صفحة الماء .. هى إذن بين النجوم .. رفع رأسه لأعلى .. كانت صفحة السماء واسعة سوداء ، وكثير من النجوم السيارة تشق بنورها الظلام ، وثمة ما هو متلألئ بين بقية النجوم ، لعله وجه عزيزة الضاحك .

قرفص فوق الكوبري ، وألقى برأسه فوق ركبتيه ، ولف ذراعيه حولهما ، واستشعر أن شيئًا طريًّا ينضغط بين ذراعيه .. لا بد أنها عزيزة .. تطارده فى نومه ويقظته ، فى حركاته وسكناته منذ رآها أول مرة فى المستشفى : " عزيزة بنت بحراوية هابطة لتوها من الجنة .. حورية نزلت خطأ إلى أرض الصعيد .. كيف يعيش الواحد محرومًا من الجنة وبينه وبينها فركة كعب ؟.. الله الله يا عزيزة يا أخت البدر .. يا بندرية .. ياأم الشَّعْر الحرير ، والخدود التفاح .. إحنا مش بشر .. نسوانا ذكور، المَرَة عندنا ما ينقصها غير تقول : هَعْ مَعْ.. لو تكشف رأس الواحدة منهن تظهر لك قرونها ، وأسنانها مصدية من كثرة النشوق والشاي .. آه لو ربنا يجيب لي عيا ، آه لو أقع عيان .. أرقد شهر أو شهرين فى المستشفى .. تطببني بأديها الحلوين .. آه لو ... هافضل أتمنى ، وبيني وبينها فركه كعب ؟! فَتِّح مخك يا دهشان ، يا دهشان .. يا..."

 نهض الدهشان على عجل ، وقد تفتق ذهنه عن فكرة رائعة : سيغافل زوجته التى ربما تكون نائمة يأخذ بعض ثيابها ، وبردتها وطرحتها .. سيعبر الكوبري إلى الزراعات المجاورة ، هناك يبدل ثيابه الرجالي ، ويتحول إلى امرأة .. يذهب بعدها إلى استراحة الممرضات .. عزيزة كثيرًا ما تذهب إلى البيوت لتولد النساء .. معروفة لكل الناس..  الخطة جاهزة .. " تعالى يا حبيبتي بنتي فيها الوجع .. الحقينى يا حبة عينى .. " بعض تعبيرات نسائية ، وصوت ناعم ، والمشكلة ستنحل بأذن الله ، وربنا يسَهِّل .

لف نفسه فوق تحت بثياب زوجته وطرحتها ، وتوارى داخل بردتها ، وخرجت معه عزيزة تحمل حقيبة أدواتها .. كانت المستشفى معزولة عن البيوت ، واستراحة الممرضات ملاصقة لها ، تحيط بها الزراعات .. شَكَتْ عزيزة وعورة الطريق والظلام والبعوض ، والخطوة الواسعة لرفيقتها التى تسحبها بغلظة ، وقبل الكوبري بخطوات لَفَّ ذراعيه حول جسدها .. طوقها من الخلف واضعًا كفيه فوق فمها ، ورفعها كالقضاء المستعجل إلى الزراعات .. ربط يديها ورجليها، وعصب فمها وحزَّمها كما يحزم حمل البرسيم .. استعاد ملابسه الرجاليه ، ولف عزيزة بملابس زوجته ، وحملها على كتفه وخرج من الزراعات .. الله الله يا عزيزة يا طريَّة يا بنت المهلبيَّة .. اجتاز الكوبري ومضى محاذيًا الترعة ، يستره الظلام ، حتى وصل المزلقان .. دلف إلى التاية .. أراحها فى أحد أركانها ، وخرج ليوقظ عمى العتقى .

مكثا معها داخل التاية بعض الوقت . يقول عمى العتقى إنهما بعد أن فرغا منها لم يجدا فيها نَفَسًا ، فقال للدهشان : " ارمِ الداهية دى فى الزرع " حملها الدهشان وخرج بها من التاية مثلما أتى بها ، ثم اتجه  يسارًا ، وسار حتى وصل إلى الساقية القديمة ، ورماها فى غيط    " كحلاوى أبو عامر " وفى الصباح وجدها أولاد كحلاوى .. لايزال جسدها ينبض ، وكان فمها مفتوحًا يقف عليه الذباب والبعوض ، وثوبها مشلوحًا عن ساقيها ، وثمة أثار دماء على وركيها .

كان زملاؤها فى الاستراحة والمستشفى قد اكتشفوا غيابها ، ومن ثم قد أبلغوا مأمور المركز شخصيًا ، وكانت فضيحة .. تجمع البوليس والعمدة وخفراؤه ، وكثير من الزُّرَّاع والعيال فى غيط كحلاوى ، وجميعهم شاهدوها على حالها ... حملوها على ما فيها من بقايا حياة إلى المستشفى، وبعد ثلاثة أيام كان كلب بوليسى يقود أحد العسكر إلى التاية .. نبح الكلب بشدة ، ودخل التاية ، وأخرج سروال عزيزة من تحت حصيرة الحلفا التى تغطى أرضيتها .

هذه واحدة من فضائح العتقى وقد وصلت الحكومة ، وحكم عليه فيها بثلاث سنوات سجنًا ، والمؤبد على الدهشان .أما ما لم تسمع عنه الحكومة أو تشمّ خبره من فضائح عمى العتقى فهو كثير كثير ، يشيب لهوله ـ كما يقولون ـ الولدان وربما رويته عليكم فى مرات قادمة بإذن الله .

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home