مقال

 

ترانيم في انقلاب المفاهيم

سالم أيوب



ترانيم في انقلاب المفاهيم

سالم أيوب

هل نقول وداعا للعولمة؟ ليس من قبيل الصدف أن تتجمع كل سبل الحياة الرغيدة في زمن نشهد فيه انقلابا لمفاهيم عدة، وتلك ليست مداعبة ندغدغ بها عقول من حولنا، بل العالم العربي والعالمي يعيش في حالة لانقلاب المفاهيم، قلما تستوعبه عقول من يعيش في حاضر بنيت أسسه على ماض مليئ بالمثل ومن تربى على مفاهيم تناقلتها كتب سماوية ووضعية على مدى ثلاثين قرنا ويزيد، لا يعبأ في ما تسوقه العولمة من صيغ إعلامية ومجتمعاتية لا يرضى عنها أو ليست في سياق المفاهيم التي اكتسبها من مصادر بيئته الاجتماعية. ولعل ما يزيد من معاناة الشعوب في تقبل العولمة بكافة علاتها هو مقدار تعلقها بالديانة التي تتبعها، ولتكن الديانة الاسلامية هي المثال المراد احاطته في سياق الموضوع.
إن المجتمعات التي تدين بالاسلام توصف على أنها تجمعات سكانية منغلقة نوعا ما، خاصة فيما يتعلق بالفكر والتجديد, وتوصف بأنها من مدرسة "أطيعوا أولي الأمر منكم". وتلك المجتمعات تلتزم بالانقياد والانصياع ل"شيخ القبيلة" طالما هذا الولي لم يحيد عن التعاليم الدينية والموروثات الاجتماعية التي ترافقت مع العرب منذ أمد بعيد. هذا البعد الايجابي الذي تآمن به تلك المجتمعات تعتبره العولمة نقطة سلبية في طريق نشر الصيغة الأميركية التي بنيت العولمة عليها في حين أن ما حققه الغرب من نجاحات ما بعد الثورة الصناعية ومن قبله تحجيم حكم الكنيسة لتلك المجتمعات، ليس بالضرورة أن يكون مثالا ناجحا يمكن تطبيقه بسهولة في باقي مجتمعات العالم، لا سيما الشرق الأوسط." ترانيم في انقلاب المفاهيم" قد يكون الشعار الذي سوف يضع حدا للعولمة من تكملة مسيرتها. هذا الشعار الذي أقرب إلى ما يكون كالذبابة التي تدخل بالخطأ إلى داخل أنف شخص ما ولا تنجح بالخروج، وتستوطن عقل هذا الانسان وتحيا معه وتبقى تزن من داخله بغية الهرب والابتعاد بلا عودة. وهذا قدر كل من يدين بالاسلام الذي مهما حاد عن اتباع دينه الفطري، ستبقى في ذاكرته الباطنية "يوم الآخرة" عند الممات، وسيبقى شعار "ترانيم في انقلاب المفاهيم" يزن في جميع بؤر حياته الشعورية واللاشعورية. إن المشكلة التي تعيها العولمة جيدا والتي تحاول مصارعتها تكمن في العقيدة التي يدين بها المسلمون، والاسلام بالنسبة للعولمة هو أقرب إلى صراع البقاء ومن يقف خلف العولمة يعي جيدا أن افناء المجتمعات العقائدية التي ما زالت تحافظ العادات والتقاليد المحتشمة واحلال أخرى، يتطلب صراعا طويلا مع البطانة الصالحة التي تدين بالاسلام وإن كانت تلك الفئة قليلة.

العولمة في اللغة تعني ببساطة جعل الشيء عالمي الانتشار في مداه أو تطبيقه. وهي أيضاً العملية التي تقوم من خلالها المؤسسات، سواء التجارية أو غير التجارية، بتطوير تأثير عالمي أو ببدء العمل في نطاق عالمي. ولا يجب الخلط بين العولمة كترجمة لكلمة globalization الإنجليزية، وبين "التدويل" أو "جعل الشيء دولياً" كترجمة لكلمة internationalization. فإن العولمة عملية اقتصادية في المقام الأول، ثم سياسية، ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية وهكذا. أما جعل الشيء دولياً فقد يعني غالباً جعل الشيء مناسباً أو مفهوماً أو في المتناول لمختلف دول العالم.

أيضاً العولمة عملية تحكم وسيطرة ووضع قوانين وروابط، مع إزاحة أسوار وحواجز محددة بين الدول وبعضها البعض؛ وواضح من هذا المعنى أنها عملية لها مميزات وعيوب. أما جعل الشيء دولياً فهو مجهود في الغالب إيجابي صرف، يعمل على تيسير الروابط والسبل بين الدول المختلفة. والعولمة قد تكون تغيراً اجتماعياً، وهو زيادة الترابط بين المجتمعات وعناصرها بسبب ازدياد التبادل الثقافي، فالتطور الهائل في المواصلات والاتصالات وتقنياتهما الذي ارتبط بالتبادل الثقافي والاقتصادي كان له دوراً أساسياً في نشأتها. والمصطلح يستخدم للإشارة إلى شتى المجالات الاجتماعية، الثقافية الاقتصادية، وتستخدم العولمة للاشارة إلى:

- تكوين القرية العالمية: أي تحول العالم إلى ما يشبه القرية لتقارب الصلات بين الأجزاء المختلفة من العالم مع ازدياد سهولة إنتقال الافراد، التفاهم المتبادل والصداقة بين "سكان الارض".

- العولمة الاقتصادية: ازدياد الحرية الاقتصادية وقوة العلاقات بين أصحاب المصالح الصناعية في بقاع الارض المختلفة.

- التأثير السلبي للشركات الربحية متعددة الجنسيات, أي استخدام الأساليب القانوية المعقدة والاقتصادية من الوزن الثقيل لمراوغة القوانين والمقاييس المحلية وذلك للاستغلال المجحف للقوى العاملة والقدرة الخدماتية لمناطق متفاوتة في التطور مما يؤدي الى استنزاف أحد الأطراف (الدول) في مقابل الاستفادة والربحية لهذه الشركات.

والعولمة تتداخل مع مفهوم التدويل ويستخدم المصطلحان للإشارة إلى الآخر أحيانا، ولكن البعض يفضل استخدام مصطلح العولمة للإشارة إلى تلاشي الحدود بين الدول وقلة اهميتها.

وبسبب تلك الاختلافات في المعنى، وكون العولمة سلاحاً ذا حدين، أو عملية لها مميزات عظيمة وعيوب خطيرة في نفس الوقت، أصبحت العولمة موضوعاً خلافياً ومثيراً للجدل في شتى أنحاء العالم؛ أيضاً زادت الأفكار الخاطئة وانتشر التشوش عن الموضوع. وبسبب عيوب الإنسان خاصة قلة
الاعتدال، انقسم معظم الناس في العالم إلى قسمين:  قسم يشجع الفكرة ويرى فيها كل خير وإيجابية ولا يرى عيوباً على الإطلاق أو يرى عيوباً ويقرر بصورة حاسمة أن التغلب عليها كلها يسير، ومعظم هذا القسم من الدول المتطورة والغنية.

وقسم يشجب ويعارض الفكرة بتعصب ولا يرى فيها إلا كل سلبية وشر وجشع وظلم؛ ومعظم هذا القسم من الدول الفقيرة والنامية.

أهم ما يمكن قوله في قضية العولمة هي أنها فكرة في حد ذاتها ليست إيجابية وليست سلبية. أي أنها ببساطة فكرة، لها تعريفها الخاص، ويمكن استخدامها في الخير أو في الشر. ومن دلائل ذلك هو أن مثلاً المسلم الذي يدرس العولمة دراسة تفصيلية، قد ينتهي به الأمر إلى أن يتمنى من قلبه لو اتحدت البلدان الإسلامية، ثم بدأت الأمة الإسلامية المتحدة في تطبيق العولمة, لما سيكون له ذلك من الأثر الإيجابي على نشر الإسلام وإفشاء السلام في العالم. ونفس المثال ينطبق على المسيحي المتدين، والصيني
الوطني، والأمريكي الوطني، وهكذا.

إذن فإن المشكلة أو الخطر ليس في قضية العولمة نفسها كفكرة أو عملية، بل في كيفية تطبيقها وفي عيوب الإنسان نفسه التي قلما من استطاع التغلب عليها، مثل الطمع أو الجشع وما فيه من ظلم الغير والحب الشديد للمال وحب القوة والتسلط والتحكم، وغيرها من عيوب الإنسانية التي لا يمكن التغلب عليها إلا بطاعة الله واتباع المنهج الذي وضعه للإنسانية، والذي ختم بإرسال محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم – والقرآن.

والخوف الرئيسي من تطبيق العولمة اليوم في بداية القرن الحادي والعشرين، قد يكون من أسبابه الرئيسية هو تسلط أمريكا كدولة عظمى في الوقت الحالي، على بقية دول العالم، واتباع سياسات ظالمة للغير، وعدم احترام أي من القوانين الدولية. ومن هذا المنظور قد نظن أن معارضة العولمة قد تكون السياسة المثلى إلى أن يأمن الضعيف والفقير في هذا العالم على نفسه وماله ودمه، من الدول الأقوى والأغنى- خاصة أمريكا في الوقت الحالي.

ولكن هناك الكثير ممن يدافعون عن العولمة. والدول الأقوى- خاصة أمريكا، مع المؤسسات العملاقة التي تؤثر في اقتصاد العالم كله  -مثل مايكروسوفت وهي أيضاً في أمريكا، قد تجبر كل دول العالم، بشركاتها ومؤسساتها المحلية، على الخضوع لقوانين العولمة الجديدة. وإن قاومت بعض الدول سياسياً، فإن الشعوب والمؤسسات والشركات لن تستطيع أن تقاوم اقتصادياً. هذا غير أن العولمة هي عملية ماضية في طريقها بدون توقف بالفعل، إن لم يكن سياسياً، فاقتصادياً وثقافياً بطريقة مكثفة. ومن كل ذلك قد نستنتج أن شجب ومعارضة الفكرة قد لا تكون الطريقة المثلى للتعامل مع قضية العولمة. يجب أن تتبع الشعوب والدول والمؤسسات سياسات أخرى من أجل جعل التأثيرات السلبية عليها في الحد الأدنى.

من جهة أخرى فإن تغيير المفاهيم لمفردات عقائدية بالاسلام مثل الجهاد إلى إرهاب والزكاة إلى تمويل
والإيمان إلى تخلف ...... يعتبر مغامرة قد تنجح العولمة في تسويقها على المدى الزمني القصير، وقد تقل نسب من يطبق تعاليم دينه بشكل سليم إلى مستوى متدني جدا، ولكن الفئة القليلة المتمسكة بدينها هي الذبابة التي ستبقى تزن في طريق نشر العولمة التي تهدف إلى إشاعة انحلال المجتمعات بصيغ مختلفة. والاسلام كديانة متممة لكل الديانات السماوية لن يختفي من مسيرة وجود الخليقة، وهنا تأتي الحقيقة المرة التي طالما يتوجس منها من يعمل على تسويق العولمة بالشرق الأوسط. 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home