مقال

 

الفحولة حين تتحول لأحد مقاييس الأدب العربي

مهند صلاحات



 

الفحولة حين تتحول لأحد مقاييس الأدب العربي

مهند صلاحات

لم يزل حتى اللحظة المجتمع العربي رغم دخوله اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً وأدبياً مراحل متقدمة من الحداثة، وما بعد الحداثة، إلا أن العقل العربي لم ينضج حتى الآن النضوج الكافي الذي يوحي بأنه قد خرج عن نطاق التراث الشرقي السابق، فنراه يدخل مرحلة ما بعد الحداثة في المسرح العربي، ولكنه يعجز عن كسر قيود التطرف الاجتماعي في تعاطيه مع العرض المسرحي أو النص الشعري أو غيره، فلم تزل المرأة العربية مهددة أمام الممارسات التي قد تصح تسميتها بالبهائمية، أو النظرة الدونية لها لأن التصنيف لم يزل إياه منذ النشأة الأولى للمجتمعات البدائية التي اعتمدت التقسيم على أساس الجنس، ولأن المقياس بلحظتها كان يعتمد على من يمتلك القوة العضلية، من هو قادر على الصيد، والقادر على حماية القبيلة، ولكن حتى مع تلاشي مقاييس القوة لم يزل تراث الأجداد يحتل حيز العقل الرجولي العربي، ولم تزل نظرته وممارساته وربما أدبه في بعض الأحيان يُشعر المرأة بعدم الأمان، وبالتمييز العنصري على أساس الجنس.

في المقابل نجد ردة الفعل في مقابل هذا الكبت الغريب والتكتل ضد المرأة وأمام صعودها ومحاولاتها كسر قيودها يأخذ أشكالاً أكثر غرابة، فظهور دعاة التعري من ناحية كرد فعل على ظاهرة التغطي كاملة والتي تُمارس ضد المرأة لم تختلف كثيراً، فكلاهما أيضاً ضد المرأة.

فهذا يرى أن المرأة هي كتلة من الخطايا، أو أنها عارٌ عليه كرجل لا يجب أن يراهُ الناس لذلك يغطيها من رأسها حتى أخمص قدميها، ويخجل حتى في ذكر اسمها، بينما الأخر لا يرى من المرأة أو لا يريد أن يرى منها سوى الصدر المكشوف، والجسد العاري.

كلاهما لا يريد أن يرى امرأة أو إنسان، فنجد المرأة العربية قد وقعت ضحية جدلية الاثنين، سواء من يريد أن يوشحها بالسواد طيلة حياتها، أو الذي يريد أن تكشف عن صدرها لأنها إن لم تفعل فهي لم تزل تغرق في تخلفها.

كلاهما غارق في تطرفه، ولكنهما في غياهب هذا التطرف لا يريدان كيان امرأة، فكلاهما لم يخرج عن نطاق البحث في مسالة الجسد وتفاصيله فقط، لذلك جدلهما لم يزل حول تعرية أو تغطية الجسد فقط.

فعلاً جدل غريب لا نجده إلا في المجتمع الشرقي، بينما اختفى قديماً من مجتمعات أوروبا القديمة، والسؤال: لماذا على المرأة أن تغطي وجهها وتكتم أنفاسها ولا يغض الرجل بصره، ويضبط معايير شهوته التي تقوده بدلاً من عقله؟

ولماذا إذا المرأة غطت وجهها ولبست الكفن الأسود ينعتها بالرجعية والمتخلفة ؟ وإذا خلعت ملابسها حتى ترضي رغباته وشهواته ينعتها بالخائنة أو العاهرة أو الشاذة ؟

لماذا لا يفكر للحظة واحدة بالتعامل معها كإنسان له كيان وكرامة وقيمة، واستقلالية كامنة في كونها إنسان قبل أن تكون جسد؟ وهل الحل في أن نعيد صياغة المجتمع العربي على أسس رجولي فقط فنعيد تجديد فكرة وأدها في التراب للتخلص من الجدل حولها ؟.

مشكلة الشرقي ليست في لباس المرأة وزيها، لكن مشكلته في ذات المرأة لكونها امرأة وكأنها العبء الوحيد في هذا الكون عليه، وكأنه لم يعش تاريخ هزائم في حياته جلبها هو لنفسه ولأطفاله وللنساء في مجتمعه عبر تسلمه منفرداً دفة القيادة السياسية العربية.

المشكلة حقيقة هي مشكلة اجتماعية تربوية بالدرجة الأولى، وفي شرخ ضخم في التنشئة الاجتماعية العربية يبدأ من الطفولة، ومن سياسة الفصل العنصري بين الأطفال منذ الولادة في التمييز ما بين ذكر وأنثى.

على الرغم من كل ما ذكرناه سابقاً، نجد أن المشكلة قد تكون أكثر ضخامة إذا ما حاولنا فقط النظر لصورة المرأة في الأدب الشرقي وأن ينقل العربي معتقداته ونظرته وأفكاره ويترجمها لأدب بكل أجناسه من مسرح، ورواية، وقصة، وقصيدة، ومثال ذلك أحد القصائد التي احتوت على كثير من السخافات، والكثير من الاستعراضات الشرقية بالفحولة العربية، والسادية في التعاطي مع العاطفة تجاه المرأة لشاعر يمني اسمه محمود قحطان إن صح وصفه بشاعر، يقول في مطلعها:

 

كلُّ النسَـاءِ خَائِـنَاتٌ            وسَأطعنُ كـلُّ النسَـاءْ

 

صورة واضحة وعمومية لمكنونات الشاعر الشرقي حول صورة المرأة، فكل النساء برأيه خائنات يستوجبن القتل، وإن قرأناه بشكل أكثر جدية ربما نجده يريد كذلك وأدها منذ الطفولة، فقط لمجرد كونها امرأة، وحين نتابع معه في ذات القصيدة نجده يقول :

 

طابتْ بكِ شَهـوتُـكِ                 فَخَلَعتِ عَنكِ الــرِداءْ

تَلعثَمتْ بِكِ الأرصِفَـة                 فأنتِ بَعضُ الأشـيَـاءْ

هيَّا اسقُطي وانْـطَـوي               وتَمَـددَّي .. بلا عـنَاءْ

سُحباً موبـوءةً مُنْـفِـرَة              تَـتَـلاطمُ في الخَـفَاءْ

 

ذات الجدل إياه بين المتغطية وبين المتعرية، فلا هذه أرضته ولا هذه سترضيه، فقد أصبحت مومس بنظره حين قررت خلع الغطاء أو غطاء الكفن الأسود عن وجهها وبالتالي نجده يعيد تكرار حكمه السابق ويعلن بتباهي بأنه أصدر الحكم على كل النساء بالعهر الأبدي.

 

أصدرتُ حُكميَ أنَّنـي            مَا عرفتُ امـرأة ًبَـرَاءْ

فكُلُّ النِّسَـاءِ خائنـاتٌ           وسَأطعنُ كُلُّ النِّـسَـاءْ

 

توقفت كثيراً عند هذه القصيدة، وفكرت كثيراً هل يستحق كاتبها أن أرد عليه، ولكني شعرت للحظة بأن الرد عليه وأمثاله هو الوقوف بوجه التراث العفن الذي ورثناه، ودققت أكثر في محاولة لتخيل حالة عربية عامة تنظر للمرأة بهذا الشكل، ومن خلال هذه النظرة بدأت استوضح لماذا نرى المرأة دوماً ملفوفة بثوب الخطيئة الأسود في غالبية بلداننا العربية، وتغطي وجهها بالأسود أيضاً، وكأنها تلبس كفنها الدائم، وبدأت بتفسير عدم قدرة العربي عن الخروج عن مقاييس الشرقية العربية، وكأن فحولته غدت مقياساً أدبياً جديداً في أطر استخدام وتوظيف اللغة في التعبير عن كوامنه، ولأنه يظن للحظات أن بوحه بمشاعره تجاه المرأة تنتقص من قدره وشرقيته وفحولته، وربما الإفصاح عن الحب يمس قدرات الرجل الجنسية، فنراه ينتج مسخاً من الكلام يدعي بأنه شعر، متناسياً بأن الشعر هو أداة تعبير عن الذات والنفس لغوياً، وأن الشعر كما وصفته المدرسة الرومانسية بأن الشعر هو الشعور، فمصيبة وكارثة بأن يكون هذا هو فعلاً شعورنا تجاه الإنسان، وبنفس الوقت أن الشعر أداة خطاب الأخر لإيصال صورة المجتمع للأخر، فإن كان الشعراء العرب سيكتبون كما كتب هذا الشويعر المسمى محمود قحطان، فالأفضل لنا أن نجعل من ديوان العرب مطحنة بن، أو بئر نفط ونستريح، كي نكتفي بتصدير البن والتمر والنفط بديلاً واقعياً لمجتمعاتنا في تصدير الأدب الشرقي للمجتمعات الأخرى، لأن ما سننتجه من أدب على هذه الشاكلة سيجعل العالم ينظر لنا كإنسان العصر الحجري الأول، والأولى أن نعيد كتابة هذه القصائد الشرقية حفراً بالمسماريات على الجدران أفضل من تدوينها على الورق، لكي نثبت حقاً بأن مثل هذه العقول لا يصلح لها إلا الحفر بالمسماريات كتعبير عن تخلفها عن العالم بأكثر من عشرة ألاف عام.

وعلينا أن نمنع دخول الأدب الغربي لأسواقنا كي لا نتلوث بحرية هذا الغرب اللعين الذي يرى بأن ميزان الإنسانية كفتان متعادلتان في مقابل بعضهما بالنسبة للرجل والمرأة، وأن نعلن في كل بيانات الشرق العربي بأن كوندليزا رايس ومارجريت تاتشر وغيرهن لم يكن نساءً عاديات، بل أن الجن قد تلبسهن ولكن أهلهن لم يجدوا حتى اللحظة شيخاً يستخرج منهن الجن.

وفي المقابل على من يريد التغريد خارج السرب فقط أن يخرج من كهف الشرق ويهاجر، ليستطيع يوماً تعليق عبارة تناسب امرأة أحبها على شاكلة : " كيف اجمّع ما خرج من صدركِ وأتنفسه؟"

لأن أنفاس المرأة كذلك رجس من عمل الشيطان، ولأنها بمقاييس الشاعر العربي محمود قحطان فاجرة لا تستحق أن نجالسها أو أن نسمح لها أن تبدي وجهها للآخرين كي تصيبهم بداء الخطيئة




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home