قصة

 

ابوة مؤقتة

نجيب كعواشي



أبـوة مـؤقـتـة  

موظفو الحجرة الأخرى أكثر عددا وحجرتهم أصغر مساحة. هواؤها لطيف والشمس لا تسلط عليها أشعتها الحارقة, بينما حجرتنا تصطلي بها من شروقها إلى غروبها, وعندما تصبح في كبد السماء تصبح جحيما لانعدام التكييف, ولكن في الشتاء تصبح حجرتنا دافئة والحجرة الأخرى قطعة من جليد, تتجمد لها الدماء في الركب. يهجم علينا موظفوها لينعموا بالدفء والحرارة..

بين الحجرتين لاحظت أن مكان الشاوش أرحم. تهاويت على كرسي الشاوش (خرج لأمر إداري) وأغمضت عيني وسبحت في بحر التأمل.. أخرجني منه طفل يذرع الممر الفاصل بين الحجرتين. لا يتواني عن دخولهما مالئا أرجاءهما بقهقهات طفولية ذكرتني بقهقهات طفل في أغنية قديمة كان أبي يشغل أسطوانتها الدائرية ليهدهدنا بها قبل النوم.. أركنت هذه الأشياء البعيدة جانبا وتتبعت حركاته: على رأسه قبعة شمسية رياضية ويلبس بذلة الأرجنتين بإسم الأسطورة والرقم السحري 10. قدماه ترفلان في حذاء رياضي من نفس الماركة التي كان الأسطورة ينتعلها أيام كان ملك الكرة. عندما كان يصول ويجول.. كان الموظفون والموظفات ينادون عليه ويتوددون إليه ليحضنوه ويقبلوه. لكنه كان ينفرط من بين أيديهم كما كان ينفرط الأسطورة من خصومه. ناديته باسم الأسطورة فجاء إلي وكأن أمه نادت عليه. مددت ذراعي لأضعهما تحت إبطيه لأحمله فاستجاب. ضغطت برفق على رأسه فانسابت أصابعي في  شعره الأسيل. مال برأسه ووضع خده على عنقي. ربتت على كتفه فنام (كلما حملت طفلا إلى صدري, أختبر مدى ارتياحه في أحضاني. لا أتفاجأ عندما يرفض النزول). يسهل أن يتلقفه أبوه دون أن يحس. لكن لما لمسه أفاق ويداه تطوقان رقبتي ويلتصق بي بقوة. أخذ يجذب ياقة قميصي بكل قواه الصغيرة ويبكي, وكأنني أنا أبوه الحقيقي, والآخر غريب عنه, ولا قرابة بينهما. لكنها كانت أبوة مؤقتة منحني شرفها مزاج طفل بريء. أحرجني أنني تسببت لأبيه, عن غير قصد, ببعض التأخير والنرفزة. لأتدارك الأمر, توددت للطفل أن ينزل ويطيع أباه الذي لم يكف عن إعطاءه الوعود لإقناعه بالتخلي عن حضني, لكنه أصر على الالتصاق بي وقال لأبيه والدموع الساخنة تنهمر من عينيه كالشلال, إنه سيبقى معي.. فكرت أن الأب, وإن لم يبد أمارات الاستياء, فإنه بدون شك يمطرني باللعنات في داخله ويلعن اللحظة التي جاء فيها مصحوبا بابنه.. كان يمكن أن أقطع دابر هذا الحرج وأنقله دون شفقة بدموعه, إلى حضن أبيه, ولكن عز علي هذا الفراق الدامع. رجوت الأب أن يتركه معي ويكمل باقي مشاويره, لعل أعصابه تهدأ, وربما سيشتاق إلى أبيه, ويطالب بحضوره, وقلت له ألا يقلق.. لم يكترث الطفل لغياب أبيه. لفت انتباهه الحاسوب وقرأت أفكاره, وشغلت له برنامجا للألعاب شريطة أن يرافق أباه عندما يعود, وقلت له إن الأطفال الشاطرين يوفون بوعودهم ولا يخلفونها. رد بالإيجاب دون أن ينزل عينيه من على شاشة الحاسوب وغاب في اللعب بمفاتيحه. عاد الأب ونادى عليه فطار الطفل إلى حضن أبيه هاتفا:-  بابا جا. بابا جا.. قلت لنفسي: لو جاءت قوة خرافية الآن, فإنها لن تستطيع أن تفرق بين الطفل وأبيه أو تهز قطرة واحدة من شلال هذه العاطفة العظيمة.. كانت الفرصة سانحة وهو معي لأساله عن اسمه وعن أشياء أخرى في عالمه, ولم أفعل..

توادعنا عند باب المصلحة وعدت أجر الخطوات لأواجه الحرارة والروتين. تذكرت أن في درج من أدراج مكتبي قرص مدمج للألعاب الالكترونية. هرعت لأعطيه إياه, لكن لما عدت كانا قد غابا عن أنظاري..

 

نجيب كعواشي.

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home