قصة

 

الصفحة المبتورة

نجيب كعواشي



الصفحة المبتورة

التقطت الجريدة من على المقعد الفارغ قبل أن تجلس عليه. سباق محموم تعرفه المقهى على الجرائد. ينبغي لك أن تحجز الجريدة من الزبون الذي سبقك إلى تصفحها, أو تطلبها من الذي يليه, أو الذي سينتهي إليه الدور. يحدث أحيانا أن يحجزها زبون لأصدقائه حتى قبل أن يشرفوا, وما عليك إلا الانتظار: أولا أن يأتوا, وثانيا أن يقرءوها بكل هدوء, وبدون إزعاج حتى يشبعوا فضولهم للأخبار, ويختموا بالكلمات المتقاطعة, والاحتجاج هو آخر ما يمكن أن تلوذ به, لتدافع عن أحقيتك لقراءة الجريدة. أحيانا تكون أنت أول من يخرق ما يصطلح عليه آداب الجلوس في المقهى. محظوظ أنت, وجدتها تنتظرك. انتظرت ككل مرة أن تقرا في هذا العدد قصتك الأخيرة التي كتبتها في الأسبوع الماضي, في هذه المقهى بالذات, وبعثتها إلى الجريدة التي بين يديك. تفاءلت. عادة تنتظر كثيرا لكي ينشروا لك قصة, لم تدر لماذا أحسست هذه المرة بأن قصتك ستكون منشورة, في ركن (إبداع). عادة غريبة بعض الشيء, قد يشاطرك البعض الابتلاء بهوسها, وهي أن تبدأ التصفح والقراءة من آخر صفحة. لا تتذكر يوما شذذت عن هذه العادة. قل لي, لم لا تكتب قصة من الأخير وتقارن بين الإحساس الذي يعتريك عندما تنتهي ببدايتها؟ لا شك أن ذلك سيكون أكثر من ممتع, بل وفريد من نوعه..

وجدت صفحة (إبداع) مبتورة. لعنت في نفسك صاحب هذا الفعل الشنيع, والتصرف الأناني. لا بد أن أحدا وجد بها إبداعه منشورا, واحتفظ بالصفحة. عادة تبقى صفحة (إبداع) سليمة, بل يكاد لا يمسسها قارئ. ارتفعت لعناتك حتى سمعك الشخص الذي بجانبك. رفع بصره من على الورقة التي كان يخربش عليها. شكل ما يكتب يوحي بقصة. لم يتعاطف معك, كما كنت تأمل. عاد إلى ورقته. حبذت لو صب هو الآخر جام غضبه على الفاعل, أو على الأقل, استنكر ما تستنكره. اللعنات مازالت تترى من فمك لكي تشل يد الفاعل, أو يصيبه العمى جزاءا بما اقترف. لكنك بقيت وحدك تلعنه حتى جفت بئر اللعنات, وكل لسانك من ترديدها.

لو كنت متأكدا أن قصتك لم تنشر, وكانت الصفحة مبتورة, هل كنت ستفقد أعصابك بهذا الشكل؟ هذه أنانية دفينة خانتك, دون أن تنتبه. ثم قل لي, أين كنت حتى نسيت أن تشتري الجريدة؟ (لأنك تشتريها كلما نشروا لك لكي تحتفظ بقصتك في قصاصة) ولم لم تذهب, على الأقل, إلى كشك الجرائد الذي اعتدت أن تتصفح عنده الجرائد بالمجان, وتوفر على نفسك هذا الانفعال؟ ناديت النادل وطلبت قهوة سوداء مركزة. استغرب النادل من طلبك. قهوة سوداء مركزة؟ أنت تشربها خفيفة, ورغبتك كبيرة في الإقلاع عنها, كما قلت لي قبل أيام, لأنها سبب هذا الصداع النصفي الذي يشق رأسك. ما هذا التغيير؟ اسمح لي يا أخي, هذا لا يبشر بخير. لم تجبه. كنت تود لو تقول له بأن ذلك لا يعنيه, وأنه لم يحرس الجريدة كما ينبغي, وقصر في المراقبة, لكنك عدلت عن التعقيب واللوم. هات في هذه اللحظة حتى السم الهاري, وسأشربه. عندما تفقد أعصابك, تصبح إنسانا لا يحتمل, بل وخطرا متجولا, تفقدها لأتفه سبب وفي ومن قياسي.

 أعرف, أنت جدي حتى النخاع, ولا ترحم من يعتدي على المبادئ والأصول, ودقيقة واحدة كافية لتدمير هدوئك لمدة قد تصل إلى أربع وعشرين ساعة, ولو أعطيت مسدسا في هذه اللحظة لأفرغته في صدر أول من تشك به, خصوصا هذا الذي بجانبك. لم يبد أي تعاطف معك, مع أنه مهتم على ما يبدو بالقراءة والكتابة. توسوست منه. كيف لم يحرك ساكنا بينما أنت تكيل الشتائم, حتى ولو كان للوهم؟ راهنت على إخراجه عن هدوئه ولا مبالاته التي يصطنعها, والتي بدت لك مريبة, وكأنه يقول لك: اشرب من البحر, أو ارم نفسك فيه, وأنا غير معني في شيء. صممت على استفزازه. لم تدر كيف تحول غضبك إلى لعبة خطرة, تلعبها وتستعذب أطوارها لوحدك. تشوش عليه ببعض الحركات التي تحدث بها الضجيج من حولك. تكلم النادل بصوت مرتفع حتى تكسر هدوءه, وتخرب تركيزه, أو تفتعل فرقعة فنجان القهوة بكأس الماء, أو هما معا, مع الطاولة. في الحقيقة, بدوت لي تخرج شيئا فشيئا عن اتزانك وهدوءك. كان له كل الحق أن يستاء من تصرفاتك, لو أراد أن يعبر عن ذلك. ولكن, أنظر كم هو متحكم في أعصابه, ويتصرف كأنك لست هنا, أو كأنك حجر. أتظن أن صمته نابع من خوفه أن تكتشف أنه الفاعل؟ أو ربما من تلقاء نفسه, تنتظر أن يعترف لك بأنه الفاعل؟ أتظن أنه مجبر على اصطناع اللامبالاة, والتظاهر بالغباء حتى  لا تشك به؟ ألم يدر بخاطرك أن ما تفعله هو الغباء عينه؟ يمكن أن يكون ما تفعله صيحة في واد جاف, ولا يد له فيما تلمح به على مسامعه, وربما تظلمه على طول الخط, والعمى الذي كنت تدعو به للفاعل, بدأ يعمي أولا, عينيك عن الحق, وثانيا يورطك في بعض التهور. اللعبة يمكن أن تنتهي بخسارتك, بدأت أولا بخسارتك لهدوئك, ثم لاحترامك نفسك. ربما فاض به الكيل في هذه اللحظة, رغم أن لا أثر لذلك على وجهه. يمكن أن يمد عليك يده في أقل من ثانية. نعم يمد عليك يده. ماذا تظن؟.. أراك الآن تنسحب في هدوء من اللعبة التي ابتدعتها, ولعبتها لوحدك, وأنهيتها عندما خشيت أن تكلفك أكثر من كرامتك. .

نجـيب كعواشـي.

                           العرائش. المغرب 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home