دراسات هامة

 

نوال السعداوي... المولودة من امرأتين !!

سامر الشعراني



 

نوال السعداوي... المولودة من امرأتين !!

سامر الشعراني

 

(نقدُُُُُُُ شاعري لرواية الكاتبة نوال السعداوي "الرواية" )

الشيء الوحيد الذي يشغل الناس أصحاب الطبائع الساكنة والثائرة، خلان الصباح وخلان الظلام، هو الجديد البديع، لأن البدعة كالفجر لا تأتي إلا بين ليل فاحم وصباح متأجج.

وكذلك الأمر هنا رواية عربية تشذ عن كوفية العربي إلى ربط عنق الأعجمي، و عن شال العربي إلى الثوب الحريري الزجاجي، وعن الزواج إلى الزنى وعن الماء إلى الخمر، وعن عبادة الله إلى عبادة النار يقرؤها الناس أجمعون، يقرؤها المؤيدون ليدفعوا عنها الحجارة التي ترجمها ويقرؤها المعارضون ليجدوا سبيلاً إليها فيمزقوها.

رواية الرواية سرقتها من جيب أحدهم وقرأتها مرات، و لي فيها رأيان:

الأول يتصل بالقالب الذي صبت به الكاتبة عصارة قلمها، وقد لا يوافقني عليه إلا ريشة واحدة من ريش طائر الأدب .

والثاني يتصل بروح ومادة وكثافة هذه العصارة الأدبية ... وهذا رأي معظم الناس. ورأيي هنا رأي شاعر ينقد بعقله لا ناقد ينقد بعقله .

عن الأسلوب أقول: إن السعداوي من فرقة الأميين الذين يتحفوننا سماً ويطالعوننا بأقلام ملأتها الدمامل وأوراق أنتن من أدبار المستنقعات. أدبهم وشعرهم هذيان مجنون لا ضير عنده أن يمسك القمر بيد الشمس ويتسكعان في أرجاء السماء، ولا بأس لديه أن يسكر الماء ويصحو الخمر، فبعض المستشعرين يقول إن الشعر والادب إنما ينحدر من تلافيف العقل فيأتيك نتاجه كدم الطمث ويسمى دم شهيد. وبعضهم يقول إن الشعر والأدب ليس إلا إيقاعاً لضرب الدم على دف القلب، ولا قلب عنده .

أنا لم أقرأ كتاباً إلا ونفعني وكان مصباحاً جديداً في قصر عقلي، و شرياناً جديداً في مسكن قلبي، ونغمة جديدة في مرقص روحي. حتى الرواية نفعتني إذ ذكرتني بحكايا جدتي الهرمة التي لم تتعلم في حياتها إلا كتابة القرصات على الخدود، فهي إن كلمتني عن سيرة امرأة مثلاً، سردتها كسرد نوال لروايتها، في كل ليلة يعن في بالها حادثة ما فتخبر بها، فإذا بالرواية أو بالحكاية كالفسيفساء المبعثرة وعليك أن تعيد ترتيب قطعها وتنسيق شظاياها .

قد لا يوافقني في مذهبي هذا الجمع الأعظم من أمراء الاقلام وينابيع المحابر كما أسلفت. ولكنني أرى الرواية حكاية تحكى كرحلة سفينة أبحرت في اليم ويأتي دور الكاتب كالقدر فطوراً يجعل الصخور تعترضها ومرة يبعث بالعاصفة لتعابثها، وتارة يرسل القراصنة لتقتنصها، وأخرى يرسيها على جزيرة .... و قد تصل إلى الميناء والشاطئ يزغرد فرحاً، وقد يغتصبها القاع والشاطئ ينتف لحيته ترحاً. وهذا هيكل الرواية فأين بريق الجمال الذي يجدر أن يتلألأ على ردائها ويترقرق في محاجرها ويزهر في هديلها .؟ إن التشويق يرعد في نفسك جمالاً حين ترى استبسال البحار وقت العاصفة وتشبثهم بالمجاديف ساع الرسو، وبالسيوف والنبال إذا دهمت القراصنة، وهذا سر نجاح الرواية. أما ما فعلته نوال أنها صارت وبقوة خفية وكعفريت سليمان تنقل السفينة من معركة مع القراصنة إلى مواجهة مع العاصفة ومن هنا إلى هناك في الثانية الواحدة آلاف المرات ... وأثناء هذا التنقل القسري وهذا التهجير تكسر التشويق وغرق وانتهى أمره. فقلم صاحبتنا لين الرأس في كل سطر يتكسر مراراً، فترى السطر الواحد مئة لون وألف خط، غني وبخيل، غث وسمين، فهي فشلت وهوت إذ حاولت أن تقلد أساليب أدبية ربما لو تعهدها غيرها من شيوخ الأدب لأفلح .

المضمون : لو أني ولدت من رحم أمي فصرخت صرختي البكر، ثم سقطت في غيبوبة لم تبارحني إلا بعد عشرين عاماً، فصحوت إلى الدنيا شاباً لا عهد له بها من قبل أبداً، وما كدت استوي على فراشي حتى أعطوني رواية نوال السعداوي وأطلقوني من غرفتي إلى ساحات الدنيا ومسارحها ونصبوني حاكماً، عندها لأمرت برجم كل زوجين وذبح كل وليد لهما، لأن هذا هو الشذوذ عن ناموس الطبيعة، ولأمرت بزواج الرجل من الرجل والمرأة من المرأة، ولما سميت بشراً إلا اللقطاء ولجلدت كل من ستر عورة وكرمت كل من تعرى ... وهلم جرا

لأن الكاتبة أرتني الستر والصلاة والزواج ... و.. و ... برصاً في وجه الطبيعة، وأما الزنى والعري والشذوذ والسكر و..و..و... فحسن وبهاء و لب الجمال.

إن الكاتب جعلت من فطرة الإنسان تدمي أحشاءه ومن شذوذه حديقة شجراء غناء تورق ربيعاً وتلمع زمردا في أساريره .

ففي عرف صاحبتنا الطير الغواص حق والسمكة الطائرة صدق والعكس باطل وكاذب. وفي دستورها الشجرة تضرب جذورها في السماء  تتدلى إلى الأرض، وما نراه ليس إلا وهم الخرافة .

فالفتاة بطلة الرواية لقيطة زانية شاذة، لكن جعلتها تفوق عبلة سحراً، والخنساء شعراً وخديجة نوراً وخولة بأساً.

-  كارمن: ربما قصدت بها الكاتبة نفسها فجعلتها أسطورة أو تمثالاً يدل عليها. فهي كاتبة لا ضير عندها وعند زوجها أن يدخل على فراشها دخيل، وزوجها رستم وهو في عرف كاتبتنا السيد الشقي ـ في بعض سماته ـ النذل الزاني الشاذ المتأنق الظلوم ... يحارب زوجته ما دامت تغلب عقلها ـ لأنه يؤذيه ـ لذلك اتهمت بالجنون وسدد تيار كهربائي إلى دماغها مبعث تحررها ـ مقلدة بذلك مي زيادة ـ ورغماً عن الكهرباء تبقى صلب جبار، ورغماً عن انف مانعيها عن الكتابة، تظل قوية وتنفجر غضباً في شهيقها الأخير لتقتل الرجل الذي كاد أن يذبح ابنتها .. و هي ابنة سِفاح على أي حال وابن أفكارها كذلك . فكانت كارمن بذلك باسلة تموت وتحيا أفكارها.

أما جمالات فقد جعلتها مثالاً لأن المؤمن العادل وأما العدل عند نوال وعند جمالات ليس ميزاناً توضع بكفتيه أعمال الناس رجالاً ونساء ملوكاً وصعاليك، بل نهدان ـ نهدي جمالات ـ يسكن فيهما كل الناس رجالاً الناس رجالاً ونساء ملوكاً وصعاليك. وجمالات زانية شاذة تصلي على بساط من خمر وتصوم لتفطر لحم خنزير، همها السلطة، تلد سفاحاً وتحرق ابنتها، وتعيش على الأدوية النفسية .

سميح ونارجيل والفتى الإسباني، فكتبت عنهم بشذوذهم وعهرهم وفسوقهم بمداد من طيب بلون الزمرد. ونأتي إلى صاحبة الملجأ وزوجها وهما من أصحاب الحجاب واللحية وهما أيضاً رمز للإسلام، فقد كتبت عنهم بمدام من النفايات الآسنة ونقطت كلماتها برفث البهائم، حين اختارت المواقف الشريرة لهم وجعلتها طبعاً عاماً يلزم كل صاحبة نقاب وصاحب لحية وكل صائم ومصلٍّ وقانت .

وجعلت الكاتبة ولادة ابنة الفتاة ـ سفاحاً ـ انتصاراً للخير والحق على العالم الفاسد والشرير وهذا الأمر نشتم رائحته من خلال التعليقات التي أوردتها الكاتبة على لسان بعض الشخصيات كمريم الشاعر وجمالات. مريم الشاعر ـ وقد جعلتها نسخة عن مريم العذراء ـ فقد أحسست كأنها الكلمة التي يوردها الشاعر في البيت ليقيم الوزن فما هي إلا شخصية فارغة وحسب .

ولم تنس الكاتبة أن تقذف بعض الشتائم على الدين والرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام .

نوال ذكرت الروح كثيراً في روايتها وربما حاولت ـ ولكن عبثاً ـ أن تنحتها لنا أو أن ترسمها فنبصرها عياناً ونخبر كنهها. ومرد ذلك أن روح نوال تسعى جاهدة ولا تألُ جهدا أن تخلص من جسد صاحبتها ... لأن الإنسان الذي لا يعترف إلا بلحمه لا تعترف به روحه. و الإنسان الذي يصادق الدم ويعادي الروح، تعاديه الروح، ومن فطرة الإنسان أن يبحث عن كل صغير وكبير من شؤون عدوه.

سؤال راودني : نوال السعداوي كيف كتبت روايتها ؟

بسطت أوراقها على مكتبها و أتت بالمصحف فأحرقته وذوبت رماده في الماء وغمست ظفرها به وكتبت. فكانت روايتها داراً عظيم للفحش، وزعت في مقاصيرها العاهرات البغايا والشاذين والشاذات، ولم تذر من الفحش لوناً إلا طلت به جدران هذا الدار. ومن المعلوم أن الراقصة تجذب الغلمان إليها، و لكنها إن غالت في فحشها ينفر عنها أفجر الغلمان ....أخبريني يا سيدة ماذا يعني أن تجعلي خالة رستم تلهو به وهو لم يغادر العاشرة .؟

نعم إن الزواج اليوم دعارة حلال تعطيك جسدها لتعطيها داراً وكساء وطعاماً وحلياً، و الزواج اليوم اغتصاب حلال تزوجه أختك ليزوجك أخته. وليس في ذلك ريب.

نعم إن المرأة تولد جارية في بيت أمها، فراقصة في بيت زوجها ولا شك .

نعم إن الفتاة توأد والوأد ما انقرض أبداً بل تكاثر، كانت البنت توأد في الجاهلية مرة واحدة، واليوم صارت توأد مرات ومرات... مرة حين تولد بعبوس الوالدين، و مرة حين يزهر صدرها قهراً وقمعاً، ومرة حين تزوج غصباً ويمر عليها الشبان مرور الشاري على عناقيد العنب يختار أفضلها، ومرة حين تلد ... وهكذا دواليك حتى تقبر وهو ألطف الوأد.

ولكن الحق يقال إن طبقات الطين التي كانت تدفن تحت أثقالها الإناث قد بليت وكادت أن تزول. وأيضاً الحق يقال إن كثرة كثير من النساء ما كدن يرفعن أبصارهن فوق أطباق الطين حتى انتزعن أرواحهن وأجسادهن من أيدي الظالمين وانطلقن جرياً، ورحن يدفن أنفسهن بأيديهن ضاحكات برمال صفراء ظانات أنهن يلتحفن بأنوار الشمس أو صفائح الذهب. وإنما انتقلن من مدفونات  في طين أسود مظلومات إلى مدفونات في رمل أصفر ظالمات .... وقلة قليلة جعلت الشمس والذهب يتقاتلان على اعتناق أصابعهن خواتم فيها.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home