القلم النقدي

 

مصداقية المؤرخ و مهنية الصحفي

رضا محافظي



 

مصداقية المؤرخ و مهنية الصحفي

رضا محافظي

 

     محمد حربي مؤرخ معروف له العديد من الكتابات والبحوث حول تاريخ الجزائر وتاريخ ثورتها ضد الوجود الفرنسي. و كثيراً ما أثارت كتاباته و آراؤه جدلاً و أخذاً و رداً من طرف المتابعين والمختصين لما جاءت به من أحكام جديدة ومن توجهات غير متوفرة في غيرها من الكتابات والأبحاث . في محاضرة له في المركز الوطني في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بمدينة وهران الجزائرية بداية شهر فيفري (فبراير, شباط) 2006 م، ذكر الأستاذ حربي ( حسب ما نقلته جريدة الخبر اليومية بالجزائر في عددها الصادر بتاريخ 06 فيفري 2006 م ) أن كتابة تاريخ الجزائر ليس أمراً سهلاً لأن الأحداث التاريخية بها مليئة بالعديد من الفاعلين ولأن كل طرف فاعل يريد أن يقدم نظرته الخاصة للأحدا . كما ذكر السيد حربي – حسب نفس المصدر - أن الكثير من الشخصيات والقوى الفاعلة في تلك الاحداث تجعل نفسها في موقع المقدم للدروس عن التاريخ حفاظاً على شرعيتها وأنها خلطت بين كتابة التاريخ من أجل البلاد وبين كتابة التاريخ من أجل نفسها .

 

   عادت الى ذاكرتي هذه الكلمات وأنا أطالع في العدد الأول والثاني من صحيفة " المحقق " الجزائرية الصادرين خلال شهر مارس 2006 م أشياء جديدة تتعلق بماضي الرئيس الجزائري الأسبق السيد الشاذلي بن جديد الذي حكم البلاد من 1979م الى 1991م. في العدد الأول من الصحيفة صرح الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد أنه لم يكن أبداً ضابطاً في الجيش الفرنسي وأن والده (الهادي) لم يكن "قايد"، أي موظفاً مدنياً سامياً وسيطاً بين الادارة المستعمرة والأهالي كما كانوا يسمون آنذاك. وقد ذكر في سياق الدفاع عن تاريخه وتاريخ أسرته أن محمد حربي ذاته، الذي كان من الذين روجوا لتلك المعلومة في كتاباتهم، يعرف الحقيقة على اعتبار أنه كان متربصاً في نفس المصنع الذي عين فيه الشاذلي بن جديد مراقباً. في موقف كهذا، من الطبيعي جداً ومن المتوقع أن يخرج السيد حربي وأمثاله من المؤرخين الذين ضمنوا كتاباتهم نفس الشيء حول تاريح الشاذلي بن جديد وتاريخ عائلته، لينبروا بالدفاع عن آرائهم و يقدموا ما لديهم من حجج ودلائل مادية إن كانوا متأكدين مما كتبوا ونشروا. لكن على العكس منذ لك تفاجأنا بأن نطالع في العدد الثاني من نفس الصحيفة أن السيد محمد حربي  يعترف أنه نقل المعلومة عن المؤرخ الفرنسي جلبير مونيي وأنه سمعها من الرئيس الأسبق للجزائر السيد أحمد بن بلة. هذا كل ما في الأمر. ليس هناك شيء آخر للاضافة من طرف السيد حربي. لو تعلق الأمر بحادثة تخص الرئيس الشادلي كان الرئيس بن بلة - أو غيره - شاهداً عليها لجاز بطبيعة الحال أخذ شهادته بعين الاعتبار بتحفظ وفي حدود معايير معروفة. لكن أن يتعلق الأمر بشيء يمكن – و يجب – اثباته بوثائق مكتوبة متاكد من صحتها مثلما هو في قضية الحال فإن الأمر يختلف وتصبح له انعكاسات سلبية أكيدة على كل من روج له وعلى مصداقية الكتابة حول تاريخ الجزائر .

 

    نفس الشيء حدث مع المؤرخ الفرنسي بن يامين سطورا المعروف الذي بمجرد نشر الحوار الصحفي مع الرئيس الشادلي بن جديد سارع الى الاعتذار – حسب ما أورده العدد الثاني من صحيفة المحقق دائماً – متعهداً أنه لن يذكر مستقبلاً في مؤلفاته وأبحاثه التاريخية أن بن جديد كان ضابط صف في الجيش الفرنسي. وقد تبع السيدين حربي وستورا في هذا البعض ممن يعمل في الصحافة ممن نقلوا نفس المعلومة في كتاباتهم المختلفة منذ زمن، فقدموا الاعتذارات ولاموا غيرهم لكونهم نقلوا عنهم نفس المعلومة الخاطئة. ولو رحنا نسأل الكتاب الذين كتبوا حول هذا الأمر واحداً واحداً لوجدنا أنفسنا أمام قافلة من الكتاب الذين يلقي كل واحد فيهم اللائمة على غيره ويقول إنه استقى المعلومة من عنده، في محاولة لتبرئة نفسه وتبييض خطئه المفضو. ونفس الشيء بالنسبة للصحفيين والاعلاميين الذين يهرولون وراء كل قيل وقال جرياً وراء السبق الصحفي دون تحر للحقيقة من منابعها الصافية ودون تدقيق للمعلومة قبل نشرها .

 

   ليس هذا المقال دفاعاً عن الرئيس الشاذلي بن جديد وعن تاريخه وتاريخ عائلته، فلذلك منابر أخرى، أفضلها مخابر البحث التاريخي العلمية، ولذلك أيضاً رجال هم أهل اختصاص وخبرة. لكنني أريد هنا أن أركز على العبث الذي يعامل به تاريخ هذه الأمة وتاريخ رجالاتها والطريقة الممقوتة في تحليل الاحداث والحكم على الناس. إذا كان تعامل محمد حربي وبن يامين سطورا مع تاريخ الرئيس الشاذلي بن جديد بتلك البساطة الغريبة التي تتنافى مع أبسط قواعد البحث العلمي الجامعي ناهيك عن البحث التاريخي المتخصص، وإذا كان تراجعهم عما كتباه وقالاه بتلك البساطة مباشرة بعد نشر الحوار الصحفي مع السيد الرئيس، فأي قيمة علمية تبقى لأبحاثهما حول هذا الأمر بالذات وحول غيره من الأمور. لا بد وأن ظلال الشك ستلقى على جوانب كل ما نشر للرجلين ولأمثالهما.

والقضية هنا لا تتعلق بهما كشخصين بطبيعة الحال وإنما كمثالين ساقهما القدر وسط الأحداث فقط ونفس الشيء يطبق على غيرهما من المؤرخين والصحفيين والباحثين والاعلاميين .

 

يأتي الحديث عن تاريخ الرئيس الجزائري وعن تاريخ عائلته وعلاقة ذلك مع فرنسا الاستعمارية في سياق أحداث كثيرة وتصريحات عديدة لمسؤولين فرنسيين على أعلى المستويات يمجدون فيها جرائمهم في الجزائر وفي غير الجزائر ويضمنون ذلك في قانون حدث حوله جدل كبير ولا يزال مدعاة احتجاجات رسمية وغير رسمية لدى الكثير من الأقطار التي عانت ويلات الاستعمار الفرنسي. مجهودات كثيرة تبذل في فرنسا من أجل دخول التاريخ الإنساني من بابه الطاهر ملبسة جلاديها ألبسة بيضاء تخفي أجساداً لا يزال التاريخ الصحيح يحفظ لها همجيتها. ما من شك أنه ينبغي لهذه الأمة – إن كانت صادقة مع نفسها ووفية لإرثها - أن تعيد النظر في كتابة تاريخها (بحثاً علمياً وإعلاماً يوماً) وأن تسند ذلك لرجال و نساء أكفاء متقدي العقول طهر النفوس، همهم ذكر الحقيقة صافية وبسط تاريخ الأمة لأبناء الأمة بتفاصيله الدقيقة المتيقن من صحتها حتى تتمكن الاستفادة منها والاستعانة بها على استيعاب الدروس الحضارية والنهوض من كبوة طال أمدها.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home