القلم الفكري

 

التنجيم الأمريكي.. وآفاق حزب العدالة والتنمية المغربي سنة 20

عبد الله لعماري



 

التنجيم الأمريكي.. وآفاق حزب العدالة والتنمية المغربي سنة 20

عبد الله لعماري

اندلعت، فجأة، ضجة إعلامية، سلطت كثيراً من الضوء على حزب العدالة والتنمية بالمغرب، وصورته للرأي العام، في مظهر الحزب القوي، الذي سينجلي عنه غبار استحقاقات 2007 المرتقبة، وقد تداعت هذه الضجة، على إثر ما نشرته إحدى المؤسسات الأمريكية ذات الاهتمام باستطلاعات الرأي وتقديم المشورة لاستراتيجيي البيت الأبيض، وهو المعهد الجمهوري الدولي، حول النتيجة الانتخابية المتوقع تحقيقها من طرف الحزب، وأنها على درجة متقدمة من الأهمية.

وقد تناسل الاهتمام الإعلامي الدولي، بهذا الموضوع، استحضاراً لواقع الهيمنة على المسرح السياسي، الذي شهدته بعض أقطار العالم العربي والإسلامي، من طرف الأحزاب والحركات الإسلامية، فتقلدت بموجبه مقاليد الحكم والسلطة، مثلما وقع في تركيا مع تجربة حزب العدالة والتنمية وفلسطين بعيد زلزال حماس، وقبلهما في السودان والانقلاب العسكري لعمر حسن البشير ذي الخلفية الإخوانية والمساند آنذاك من طرف الحركة الإسلامية السودانية، أو ما شهدته أقطار أخرى غيرها تنفذت فيها هاته الحركات في توجيه الأحداث وإثارة الهواجس، مثلما وقع في الجزائر مع جبهة الإنقاذ الإسلامية، أو في تونس مع حزب النهضة، أو في مصر مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرها.

وعلى اعتبار أن حزب العدالة والتنمية المغربي، يمثل طرفاً من الحركة الإسلامية بالمغرب، هذه الحركة التي تستقطب منذ زمن بعيد، انشغال الغرب، نظرا لما يمثله وجودها من حساسية حيال طبيعة النظام السياسي المغربي، الذي يعتمد جانباً من التراث السياسي الديني، مصدر سلطة وشرعية، وإيديولوجية خطاب. ونظراً لما كشفته بعض الأحداث الدولية من ضلوع مهم لبعض المغاربة المنتسبين للحركة الإسلامية، في قضايا التوتر خارج حدود بلادهم، مثل أفغانستان، والعراق والشيشان والسعودية والجزائر، ناهيك عن تواجدهم في قلب الأحداث التي مست الأمن في إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا وهولندا وأمريكا الحادي عشر من سبتمبر.

ويبقى السؤال، فيما إذا كان استطلاع الرأي المنجز من قبل المؤسسة الأمريكية المقربة من دوائر القرار، حقيقياً، أو مصطنعاً، وفق ما عودتنا عليه فصيلة نفس المؤسسات، التي توظفها القوى الكبرى، توجيهاً وتدخلاً في شؤون المجتمعات المتخلفة، وتلاعباً وعبثاً بمصائر الشعوب، أو تستخدمها بعض الأنظمة بشراء منتوجها لدعم شرعيتها وأيضاً فيما إذا كانت هذه الصورة المستنتجة والمروجة متطابقة مع الواقع.

ولتقييم الواقع، يستدعي الأمر الرجوع إلى حدث استحقاقات 2002، وما شهدته من صعود موسع لحزب العدالة والتنمية إلى كراسي البرلمان، فأبهر البعض، وأقلق البعض، وأرعب بعضاً آخرين، ممن يخاصمون كل ما ينتسب إلى الإسلام، فكراً وحركة أو مشاركة سياسية.

يمثل حزب العدالة والتنمية المغربي، مكوناً من مكونات الحركة الإسلامية، ضمن فسيفساء أطرافها المتعددة والمتنوعة، قد تشكل بعد اندماج فصيلين من فصائل العمل الإسلامي بالمغرب، وهما رابطة المستقبل الإسلامي، وحركة الإصلاح والتجديد تحت مظلة لافتة حزبية، لوعاء حزبي فارغ ومتهالك، هو الحركة الشعبية الدستورية، قبلت السلطة المركزية أن تسمح به وعاء انتقالياً، للتحكم في الوافدين الجدد على اللعبة السياسية، وصاية ورعاية، واختباراً للنوايا، وتطهيراً من ماض للمفاصلة والرفض، وصياغة جديدة لعقولهم بثقافة الإدماج والموالاة، وترويضاً لهم على التقاليد السياسية المرعية.

وبالرغم من مواقف باقي الفصائل الإسلامية، من هذا المسلك الإدماجي في اللعبة السياسية، والتي تراوحت ما بين التحفظ، والرفض، والاستنكاف، والاستهجان، والمعاداة، فإن هذه الفصائل التي تربو على الأربعين فصيلاً، ما بين جماعات منشقة عن الحركة الأم: الشبيبة الإسلامية، وجماعات سلفية، وإخوانية، وطرقية، وتبليغية، وتكفيرية، فإنها ظلت سنداً في الخفاء حيناً، وفي الظاهر حيناً آخر، لصنويها المؤتلفين في التجربة السياسية الجديدة، ومعاركها التي تثير الحمية الدينية، والعصبية التي تناجز الأعداء الإيديولوجيين في صراع الهوية والثقافة ونمط المجتمع. ومن ثم، فإن اقتعاد نخبة حزب العدالة والتنمية، لحيز هام من المقاعد البرلمانية، خلال انتخابات 2002، ليس مرده إلى الإمكانات البشرية والتنظيمية للحزب، بقدر ما مرده إلى التراكم العاطفي، الذي أنتجه اصطفاف الفصائل الإسلامية في خندق مواجهة التهجمات العلمانية.

والمعركة التي احتدمت، فجأة، وبشكل مريب، حول ما سمي آنذاك بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، كانت الأرضية التي أسعفت الحزب الوليد، إذ حشدت مداً هائلاً من تكاتف الإسلاميين، من غالبية الفصائل، تحت دافع الغضبة من الاستفزاز العقائدي، والاستنفار حول شعار: الإسلام في خطر.

والمظلة الرسمية التي غطت خندق المواجهة للطرح العلماني، إذ لم يخف آنذاك التحرك الواسع لوزارة الأوقاف، في الدفع بالجماهير المسجدية، لدعم الموقف المضاد، والتظاهر من أجله، في خروج شاركت فيه حتى الأحزاب والجمعيات ذات الارتباطات الإدارية، هذه المظلة هيأت الأجواء المواتية لتخصيب القاعدة الاقتراعية، التي أثمرت التصويت المكثف، لفائدة نواب الحزب المناهض لما اعتبر خططاً ماسة بالهوية الإسلامية.

فالتيارات السلفية بشقيها الراديكالي والمهادن، وهي الأكثر امتداداً وعدداً في تركيبة الحركة الإسلامية وبالرغم من موقفها النافر من مسلكية المشاركة السياسي ومن آليات اللعبة السياسية، كان لها حضور فاعل في تزكية التصويت لفائدة مرشحي الحزب، باعتبارهم مرشحي حزب إسلامي رغم كل التعلات.

وجماعة العدل والإحسان، ذات القاعدة الأكثر تنظيماً، وانصياعاً لقيادتها الروحية، وبالرغم من موقفها الممانع ضد المشاركة السياسية، ونهجها الأشد نقداً للأوضاع السياسية في البلاد، سلطة سياسية، ولعبة سياسية، وأحزاباً سياسية، فإنها لم تعق، ولم تعرقل، التفاعل الفردي لجماهيرها في اتجاه ضخ الأصوات في مجرى حزب العدالة والتنمية، ترجيحاً منها لمصلحة النصرة الدينية، وتفعيلاً غير معلن، لموقف التنسيق بين الطرفين في جبهة مواجهة العلمانية الزاحفة نحو الانتقاص من الملامح الإسلامية للمجتمع المغربي.

والجماهير المسجدية التقليدية، التي تؤطرها "أرمادا" الموظفين الخاضعين لوزارة الأوقاف، دفعت لتكون سنداً انتخابياً للحزب، ما دام قادته يعلنون أنفسهم حرساً إيديولوجياً جديداً في المنافحة عن مؤسسة إمارة المؤمنين، ضد من يروم تقليص دورها في الحياة السياسية، باسم الحداثة والتطور وفصل الدين عن الدولة.

في الوقت نفسه، الذي شكل فيه العزوف العام عن الاقتراب من صناديق الاقتراع، وخصوصاً في أوساط المثقفين الجامعيين والشباب المتعلم وجحافل العاطلين الذين نفضوا أيديهم من وعود الأحزاب ولم يعودوا يثقون في نخبها وقياداتها السياسية التي راحت تستحوذ على الثروات وتستأثر بالمناصب والامتيازات، في مجتمع يعيش سواده الأعظم في غيابات الفقر المدقع، هذا العزوف شكل عنصراً مفيداً لمصلحة حزب العدالة والتنمية، إذ ضيق من هامش المنافسة ضدهم، وهيأ لهم المناخ للاستئثار بمحتوى الصناديق الشبه فارغة. فيما لم تعد أحزاب الكتلة "الديمقراطية" قادرة على تجذير نفوذها، للتضعضع التي اعترى مسارها وللصراع والتراشق الذي استفحل بين طرفيها الرئيسين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، بما أحبط كل الأحلام التي بنيت على مشروع حكومة التناوب.

وفيما لم تتخلص قوى اليسار أيضاً، من جمود حركتها، ومن عقال اختلافاتها، ومن سجنها الكبير، في الشتات والتمزق، بالرغم من انفكاكها من السجون والمعتقلات.

لكن هذه الرياح، التي قادت سفينة حزب العدالة والتنمية إلى مرفأ الفوز، خلال 2002، لم تعد على نفس الوتيرة من الهبوب، بما يوشك أن يضيق الآفاق التي رحبت من قبل.

فقد استدرج الحزب إلى منحدر التنازلات، والتراجعات المبدئية، مؤثراً تلطيف نظرة الآخر، ومسايرة الإملاءات الفوقية، ودفع الهواجس، على الاحتراس من الوقوع في مغبة مخاصمة الذات، والانسلاخ من الماضي، وتخييب آمال الجماهير.

وهكذا تحول الحزب الإسلامي، كما وفد إلى الساحة السياسية بهذه الصفة بادئ الأمر، أو حزب الحركة الإسلامية، إلى الحزب السياسي "ذي المرجعية الإسلامية" فقط !، كما يحلو لقادته أن يرددوه بنشوة بالغة على الأسماع وعلى رؤوس الأشهاد، دونما توقف، ودونما احتياط من وقعه الصادم على القاعدة العريضة من الإسلاميين، التي راحت تتبدد منفضة من حول الدعاة السياسيين الجدد، المتنكبين عن صعود العقبة الكؤود للمواقف المبدئية.

وتسللت الأمراض الحزبية إلى الذات الغضة للحزب الإسلامي الوليد، بعد أن حل الصراع على المواقع، ومغانم الانتخابات، وامتيازات التألق السياسي، ومناصب الصدارة، محل الطهرانية النضالية، والتواري عن الأضواء، والجندية المجهولة، والزهد في المكاسب والألقاب، التي كانت أخلاق الحركة الإسلامية، المتأسية بالجيل القرآني الفريد، جيل الصحابة الكرام، وفي حمأة هذا الصراع، تخلف كثير من المريدين المخلصين عن المضي، تجنباً لمساكنة مرضى التسلق والانتهازية واستبراء لدينهم وأعراضهم

وأخفق "الحزب الإسلامي" الذي هو ثمرة عطاء أجيال متلاحقة، بدءاً من القادة المؤسسين، والرواد الأوائل للحركة الإسلامية بالمغرب، وثمرة نضالات وتضحيات عشرات من الدعاة الشباب الذين قضوا عشرات السنين من زهرة أعمارهم في السجون والمعتقلات دفاعاً عن مشروع الحركة الإسلامية أخفق "الحزب الإسلامي" في التواصل مع هذه الفئات، ذات الرصيد المعنوي، ومن ثم أخفق في دفق مددها الروحي والرمزي في شرايين هياكله، وانتهى إلى جزيرة معزولة، مبتوتة الصلة مع الجذور التاريخية ممثلة في القادة المؤسسين وعلى رأسهم الشيخ ابراهيم كمال المرجع الروحي الأول في تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، والشيخ عبد الكريم مطيع مهندس مشروعها التنظيمي، وكذا الدعاة الأوائل أمثال الشيخ محمد زحل، والدكتور القاضي برهون، والدكتور الشاهد البوشيخي، والدكتور إدريس الكتاني، وممثلة من جهة أخرى في المعتقلين الإسلاميين وهم الوقود الذي احترق لدفع قاطرة مشروع "الحزب الإسلامي".

وبعد أن استتب للقيادات الشابة، أمر التمكن من تسنم ذروة الأمانة العامة للحزب، وفي غياب الرمزية القيادية، لافتقاد هؤلاء سلطان "الكاريزما" السياسية، أو نفوذ الزعامة التاريخية، أو وهج الإشعاع الفكري والإرشاد الروحي، تحولت صناعة القرار إلى صراع الأجنحة، وسباق الظهور الإعلامي على الرأي العام، ونتج عن هذا التنازع،  إقصاء بعض الوجوه الوازنة إلى الهامش دون الفعل والمبادرة، من أمثال الدكتور أحمد الريسوني، عالم الحركة الإسلامية، الذي كان بإمكان تقليده مقاليد الحزب أن يغطي فراغ الرمزية القيادية وأن يملأ شغور المرجعية التاريخية لما له من سبق التأسيس والانتساب منذ جنينية الحركة، ومن أمثال المحامي مصطفى الرميد، الأقدر على إدارة مشرفة وفاعلة لأداء الفريق النيابي الحزبي، لما اكتسبه من تمرس في تدبير السجال البرلماني، والتدافع الحزبي، وضبط التوازن بين السلطة والحزب، ولاحترافيته القانونية، الكفيلة بضمان إنتاجية تشريعية، تحسب في سجل المشاركة السياسية للحزب، وتمثيليته للأمة.

وفي الوقت الذي شب فيه عود حزب الحركة الإسلامية، عن الوصاية عليه من طرف حزب الحركة الشعبية الدستورية، وهيأت الظروف السياسية المستجدة، تخليصه من حجر الشفيع السياسي، واعتباره بالغا سن الرشد السياسي، عاد من جديد – إما لقصر نظر، أو قصور تجربة في تدبير التحالفات السياسية، وإما استجابة لإملاء مفروض – عاد إلى اعتقال نفسه، ورهن مصيره وسمعته بين يدي شفعاء سياسيين جدد، بتنسيقه وإعداد تحالفه مع بعض القوى والأشخاص المحسوبين على الماضي السياسي البائد، المتورطين إلى الأذقان في الاستغلال الطبقي، والاستحواذ على ثروات الشعب، وفساد مرحلة، مما لا يتلاءم وتطلعات القاعدة العريضة للحزب، التي تنتمي إلى الطبقات الفقيرة والكادحة والمعدمة. وبهذا الارتهان، يسقط الحزب في جريرة التبييض السياسي، لرُحل الانتهازية السياسية، النازحين من ماضي الفساد السياسي إلى بحبوحة جنة الاستوزار الحكومي، المعقودة على نواصي "الحزب الإسلامي" في آفاق سنة 2007.

ووسط مشاعر الاحتقان والغضب المتنامية في العالم الإسلامي تجاه سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وتدخلها العسكري الفتاك في أفغانستان واحتلالها للعراق وما أعقبه من مجازر، تركت مئات الآلاف من القتلى، وتأييدها المطلق واللامشروط للكيان الصهيوني في الذبح اليومي للشعب الفلسطيني، وسط تلك المشاعر التي تنحو بالنخب الفكرية والسياسية العربية والإسلامية، إلى بلورة موقف شامل للقطيعة، راق للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن تستمرئ الرحلات المكوكية إلى أمريكا، في توجه متعارض مع قرار القواعد الحزبية، قد رآه البعض نشداناً للود الأمريكي، ومغازلة للالتفات الأمريكي إلى الأحزاب "الأصولية" بالعالم العربي والإسلامي، قصد نيل الحظوة، وتلقف النصيب المغربي مما تغدقه السياسة الأمريكية على هذه الأحزاب، من اهتمام وارتضاء محفوف بالكرم والسخاء، في إطار استراتيجيتها الرامية إلى مخطط الشرق الأوسط الكبير، أو ما تعده أمريكا للعالم العربي والإسلامي من زلزال جغرافي وسياسي.

وقد أبان حزب العدالة والتنمية عن عجز فاضح تجاه الأحداث التي ألمت بالمغرب ليلة 16 ماي 2003، وشلل في المبادرة إلى تطويق تداعيات الأحداث التي حولت البلاد إلى مسرح لحملات الاعتقال الواسعة، لاستئصال جزء من التيارات السلفية، باعتبارها الرحم التي أنجبت المتورطين في الأحداث. وبالرغم من كون هذه التيارات السلفية بكل أطرافها، ساندت البروز السياسي للحزب، إلا أن الحزب لم يكن في مستوى مسؤوليته التمثيلية، سواء من حيث تعميق الفهم والتحليل لما جرى والعوامل المؤثرة، أو سواء من حيث توجيه البلاد إلى تغليب المعالجة الفكرية والاجتماعية، على المعالجة الأمنية والزجرية ذات العقوبات الأشد، وذات الآُثار الاجتماعية الوخيمة، أو من حيث الاضطلاع بوظيفة رأب الصدع الحاصل في جدار النسيج المجتمعي في البلاد بوضع حلول ومقاربات، واقتراح مبادرات، تحتوي من جهة ظاهرة النزوع إلى العنف والمساس بالأمن العام، ومن جهة أخرى توقف سيل اعتقالات الأفراد، والمحاكمات التي لم ينقطع صبيبها في المحاكم على مدار الثلاث سنوات التي خلت، وصولا إلى تفريغ السجون، وتجنيب البلاد كوارث التصدع، ناهيك عن الآثار السلبية التي خلفها تصويت برلمانيي الحزب على قانون الإرهاب في تراجع مرتبك عن ما سلف لهم من موقف معارض.

والدعم المعنوي لجماعة العدل والإحسان، الذي استفاد منه الحزب خلال الاستحقاقات السابقة، لم يعد في حكم الوارد، لما يستقبل من المحطات، بالنظر إلى تفاقم اتساع الهوة بين الطرفين، وبالنظر إلى تجذير جماعة العدل والإحسان موقفها الرافض من النسق السياسي العام، ومن المشاركة السياسية، واستهجانها لمواقف حزب العدالة والتنمية، وأيضا إلى التنافس المحموم بين الطرفين، والتنازع على موطئ قدم لدى المؤسسات الأمريكية.    

إضافة إلى أن الميلاد الفجائي لأحزاب أخرى تتخذ لها عناوين إسلامي من شأنه أن يهيأ الملاذ المحتضن لانشقاقات فردية أو جماعية عن الحزب، حينما تستعر حمى الترشيح للانتخابات، وتندلع معها حرب التزكيات والتزكيات المضادة، مما ينتقص من القاعدة الانتخابية، ويقلص من حظوظ الفوز.

وإذا ما استحضرنا إلى جانب هذه العوامل، حالة العقم والجمود التي منيت بها الحياة السياسية بالمغرب، واستحكام هذه الحالة إلى الدرجة التي لم يستطع معها حزب العدالة والتنمية الخلاص من تيارها الجارف، فلم يلمس الرأي العام قيمة مضافة، أو تجديداً يتحدى الرتابة السياسية، مما يعمق من جديد النكوص الشعبي عن الأحزاب بما فيها "الحزب الإسلامي" الموعود.

إذا ما استحضرنا ذلك، فإن الواقع العنيد المعاكس للتيار، يكشف بأن قراءة المنجم الأمريكي لكف حزب العدالة والتنمية، "الحزب الإسلامي" المغربي، لا يثير سوى زوبعة في فنجان.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home