القلم السياسي

 

الوحدة الوطنية أولاً، الوحدة الوطنية دائماً

نهاد عبد الاله خنفر



 

الوحدة الوطنية أولاً، الوحدة الوطنية دائماً، الوحدة الوطنية أولاً وأخيراً

نهاد عبد الاله خنفر

لم يكن بمقدوري أن أستوعب بأن كافة الفصائل الفلسطينية تخوض الأن حرباً إعلامية شعواء تبتغي من ورائها محاولات تسجيل النقاط القاضية ضد بعضها البعض، ولم يكن بمقدوري أيضاً أن أرى ذلك الانحدار الكبير الذي وصلت إليه مستويات العمل الوطني السياسي الفلسطيني من الاقتتال الاعلامي على قنوات التلفزة الفضائية، وكأننا نمارس متعة غير مسبوقة في الاتهام والاتهام المتبادل الذي تحول إلى غذاء حيوي لمقدمي البرامج المستضيفة عبر العشرات من اللقاءات البطولية على الشاشات. الغريب في كل ذلك أن الاحتلال لا زال يشدد من قبضته الوحشية ضد أبناء الشعب الفلسطيني كافة، دون الالتفات إلى تلك الانتماءات الحزبية التي توقعت أن تتلاشى أمام الأخطار الداهمة والأزمات المحدقة بالشعب الفلسطيني من كل الاتجاهات، أي أنني أشعر بأن السجال المتفاقم بين مختلف الفصائل قد تقدم بأشواط كبيرة جداً عن ذلك السجال الذي يجب أن يكرس ضد الاحتلال وسياساته التي لم تتوان في أي لحظة من اللحظات عن إلحاق كل أنواع الأذى النفسي والجسدي والاقتصادي بالشعب الفلسطيني برمته. لم يعد بالإمكان السكوت عن الأحداث الساخنة التي تجري بشكل متلاحق على الأرض والتي أصبحت بادية للعيان، ليس فيها مواربة أو هروب، فالشعب الأن يرى بدون أي ضبابية أو غيوم، والشعب أيضاً يعيش في مرحلة العذاب النفسي مما يرى ويسمع من خلال المواقف الفصائلية والحزبية التي وضعت الوحدة الوطنية على هامش العمل السياسي الفلسطيني، وكأنها أصبحت من المسائل الهامشية التي قد يتم اللجوء إليها في بعض الأوقات، حين يتطلب الموضوع حملة من الشعارات الجاذبة لجمهور الناخبين من هنا أو هناك، وسرعان ما يذوب الشعار عند ظهور أي أزمة صغيرة ساهم بها جهل سياسي من هنا أو أو غباء حزبي من هناك، لتجد أن العزة الحزبية لا تفتح المجال أو الفرصة أمام الفصائل لتلتقط الأنفاس الدافعة للعودة إلى الأطر الوطنية الواجب التعامل من خلالها مع كل المستجدات.

أقول هذا وقد امتلأت حنقا مما أرى وأسمع يومياً من المشادات والجدالات التي لا تسمن ولا تغني من جوع أمام اللاشيء، فلا نستطيع أن نطلق على أنفسنا بأننا قد أصبحنا نظاماً سياسياً يتبلور في الدولة، ولا نستطيع أن نقول بأننا نمتلك قراراً سياسياً منعزلاً عن العوامل المؤثرة أكثر من أي مكان في العالم، ولم نصل بعد إلى شبه سلطة وليس إلى شبه دوله فقط، وبالتالي فأنني لا أرى وأعتقد أن الكثيرون قد تنبهوا إلى ذلك، ما هو الداعي الذي يقف أمام الهدوء المتبادل على الأقل في التصريحات، عن أي المناصب وعن أي الصلاحيات يتم النزاع والصراع الأن، أتذكر بأن الراحل أبو عمار بعد إعلان الاستقلال في الجزائر، كان قد سئل في يوم من الأيام عن شكل الدولة التي سيتم إقامتها على أرض فلسطين، فأجاب: لا نريد أن تقتتل على جلد الدب قبل اصطياده، وها أنا أكرر نفس المقولة، سواء اتفقنا مع الرجل أم اختلفنا، أين هو الدب الذي نتصارع للحصول على جلده، لا زال الدب رهينة القيود الاسرائيلية، وحراس الدب لا زالوا في المعتقلات الاسرائيلية، لم يفرج عن واحد منهم، فلا زال أسرى حماس وأسرى فتح والشعبية والديمقراطية والجهاد والمستقلين قابعين خلف القضبان، لا زال مروان البرغوثي وحسن يوسف وأحمد سعدات وعبد الرحيم ملوح وراكاد سالم، والالاف المؤلفة من الرهائن الفلسطينيين داخل المعتقلات، لا زالت الحواجز الاسرائيلية تقطع أوصالنا وتخنق أنفاسنا، ولا زال ثعبان الجدار يواصل التفافه على البقية الباقية من أرضنا، ولا زالت المستوطنات تتمدد في أجسادنا، ولا زال الزيتون يقطع والبيوت تدمر، والشهداء يسقطون، والجرحى يعانون، إذاً أين ما نقتتل عليه، أم إرضاء الأطراف الأخرى أصبح غاية تتقدم على الغايات الأخرى، تلك الأطراف التي لا تتنبه إلى الفلسطيني إلا في الأوقات المصلحية، إلا لتحقيق خطوة جديدة في لعبة الأوراق وخلطها، حتى لو اندثر الشعب الفلسطيني من ورائها، فهي تحرض على قتل الفلسطينييين في هذا البلد، وتدعمه في ذاك.

تقلبت الولاءات الوطنية لحساب ولاءات أخرى، وانهارت الكثير من الشعارات أمام شعارات براقة جديدة، وانهارت الكثير من أركان الوحدة من أجل منصب هنا أو منصب هناك، وأصبحت النكاية عنوان المرحلة التي نعيشها، وتحولت المناكفة قدراً فلسطينياً جديداً على الشعب الفلسطيني أن يتحمل نتائجه، وكأنه مطال بأن يدفع ثمناً لولادته على هذه الأرض. أن الشعوب التي تقع تحت الاحتلال لا ينبغي لها اإلا أن تتوحد، ولا ينبغي لها إلا أن تربي أجيالها على ذلك، بل ومن المحتم عليها أن ترضعهم حليب التماسك، وأن تسعى إلى تنشئتهم تنشئة تتوافق مع الوحدة الوطنية بكافة أطيافها وعلى اختلاف توجهاتها. يؤلمني جداً ما أقراه من تعليقات على الشبكة الدولية من انتقادات للفلسطينيين على ما وصلت إليه حالهم من الفرقة والتنازع على اللاشيء، ويؤلمني أكثر بأن القادة السياسيين يتجاهلون واقعاً حقيقياً من الماساة التي يمر بها الشعب، بل ويصرون على ادخاله إلى عالم من التخبط والمجهول، وكأن الشعب الفلسطيني قد أنهى كافة ملفاته العالقة ووصل إلى حلول اعجازية لأزماته التي يمر بها، دون الإدراك بأن تنقل صناع القرار وأعضاء المجلس التشريعي وأعضاء القيادة السياسية بحاجة إلى تصريح مرور احتلالي، أو لكأنهم نسوا أن كلهم معرض للعزلة أو الاعتقال أو تقييد الحركة، يتناسون ذلك ويبتدعون من أساليب المناكفة السياسية ما لم يخطر على بال الشعب من قبل، فهذا في تحالف من هذه الدولة، وذاك في حلف وثيق مع ذلك البلد، وهؤلاء ضد هؤلاء ومصالح الشعب في الهواء.

كانت الوحدة الوطنية شعاراً براقاً، خاطفاً للاضواء من كل الاتجاهات، وكانت بالفعل قادرة على لملمة الكثير من الجروح التي شقتها الظروف في الجسد الفلسطيني في كل مكان، وكانت الوحدة الوطنية دوماً طريقاً معبداً بالالام المشتركة والدماء النازفة، والنكران المستفحل من بعض الاطراف، وباعتقادي أن الوضع لا زال على ما هو عليه، بل وأنه ازداد تعقيداً، أي أن الوضع الأن يحفز على مزيد من الوحدة ومزيد من التلاحم، فكما كانت الوحدة الوطنية جسراً متيناً ومسلحاً بالقيم الوطنية التي تذوب إزاءها كافة الخلافات والمنازعات والاختلافات والألوان، ويتحول الفلسطيني إلى لون واحد من المعاناة والأمل، وإلى طيف واحد من الانجاز والعمل، وإلى قرار واحد في توطيد الوحدة ورفع وتيرتها كلما ازدادت الأخطار. اعرف بأن الكثيرين يدركون أن المصير الفلسطيني المشترك يحتم عليهم الرضوخ لنداء الوحدة مهما كان ثمنه، لأن الكرامة الوطنية المشتركة تفرض التنازل عن بعض المواقف الحزبية الضيقة التي قد لا تساهم في حماية الشعب ومصالحه أن لم تكن جزء من البناء الأصيل للوحدة الوطنية.

على الجميع أن يتنبه إلى حقيقة مفادها بأن السلاح الأقوى الأن، والبعيد عن الشعارات الفارغة هو التوحد، التوحد يعني الهدوء في مواجهة الآخر، يعني الالتزام بالمعاني المشتركة حتى لو كانت تنتقص من بعض المعاني الفصائلية الحزبية التي قد لا تجد لوحدها طريقاً إلى بناء الذات الوطنية الموحدة التي تتناغم فيها حركة الأطراف مع حركة الدماغ، فلا ينبغي للأطراف أن تتصرف على هواها أو على خلاف ما تقتضي طبيعة العقل، لأن ذلك سيكون خللاً واضحاً قد يؤشر بوجود الإعاقة التي تظهر الجسد عاجزاً، أو في طريقه إلى العجز مع الأيام. فالوحدة الوطنية الصادقة لا تخطيء، فهي القادرة على وصف الدواء حتى لو كان مرضاً عضالاً، وهي القادرة على لملمة خرائط الوطن الممزقة، بعيداً عن الخاص من المفكرات والأجندات والأحلام والتعبيرات، وقريباً جداً من القلوب التي يريحها أن تعيش في البيت الكبير، محافظة على استقلاليتها ولكن في حدود ما تفرضه قوانين البيت الكبير. ولذا فأننا نكررها مرات ومرات، ولن نمل تكرارها الوحدة أولاً، الوحدة دائماً، الوحدة أولاً وأخيراً.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home