مقال

 

وددت لو أعرف من يكون

ندى عبدالرحمن



 

وددت لو أعرف من يكون

ندى عبد الرحمن

في صباح يوم ما وكعادتنا في العمل كنا نتناول أطراف الحديث وكل منا يدلي بدلوه, وإذ بإحدى الزميلات المغتربات تحكي أحد المواقف التي واجهتها أثناء قيامها بأول رحلة لها في بلدي المكان الذي ستعمل فيه. تقول: إن أول رحلة لها على متن الطائرة قابلت رجل مقعد وكفيف يتنقل على كرسيه المتحرك وكان يتحدث بكل ثقة ملؤها التواضع وبروح عالية من المرح والدعابة وكأنه لا يشعر بإعاقته بل لم يكن لها وجود عنده وهو يتحدث كانت تقول إن شخصية كهذه لابد وأنه كان ذات يوم أحد المسؤولين الكبار إذ أن حديثه وأسلوبه يتمتع بالرقي والثقافة المعاصرة فضلاً عن أن حديثه كان ينبئ بأنه في السلك الدبلوماسي وقد قام برحلته هذه لزيارة أحد أصدقائه منذ زمن بعيد وبالرغم من أنه مقعد وكفيف كان يجد نفسه أقدر من صديقه الطاعن في السن فبادر بزيارته.

زميلتنا التي كانت تتحدث عنه تقول إنه أكثر من رائع وأنها لم ترى شخصية مثله أبداً, ذلك الشخص الذي حول أنظار الجميع من شفقة إلى إجلال وإكبار, فكانت  تقول إنها ظلت تستمع إليه بكل إنصات وتستمتع بحديثه حتى أنها قالت وددت لو أن الرحلة تتأجل حتى تظل تسمع منه المزيد.

إنتهى كلام زميلتنا هذه وحينها شرد ذهني كثيراً من يكون هذا الرجل وأي روح تسكن جسده وهل هو أحد المسؤولين الكبار حقاً ولم يفصح عن نفسه وكيف أجد طريقاً له حتى ألقي عليه بعض تطفلي وأعرف من يكون وكيف له أن يكون بهذه الروح العالية وهو مقعد وكفيف. 

وبقدر ما أخذ التفكير في كينونة هذا الشخص بقدر ما تداعت كثير من الأفكار في رأسي ووجدت نفسي وهي تردد الأبيات القائلة :

أقول وقد ناحت بقربي حمامة           أيا جارتا هل تشعرين بحالي

أيضحك مأسور وتبكي طليقة           ويفرح محزون  ويندب سالي

بل أخذت أفكر أكثر كيف أن الحزن والضيق والفرح والسرور لا يرتبطان بالشكل الظاهري للجسد سواء من حيث جماله واستكمال أعضائه ووظائفه إذا ارتقت روح الإنسان وتكاملت ثقته بنفسه وأصبح يمثل ذاته بكل قوة, ولو كان العكس لعاش أجمل من على وجه الأرض في سعادة دائمة ولم تعرف الإبتسامة طريقها لوجه مشوه أو قبيح. ولو كان كذلك أيضاً لوجدنا أن جميع من أسبغ الله عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وجعل لهم السمع والأبصار قليلاً ما يشكرون هم أسعد ممن فضلوا على الكفيف والمعاق والأصم والأبكم, ولم تعرف السعادة لرجل مثل هذا الذي ملأ أرجاء المطار بحديثه الشيق وروحه المتفائلة. لعله القدر يرينا هؤلاء الناس  حتى نتعلم منهم أن الأشخاص اليائسين هم الذين يزرعون اليأس في نفوسهم فيعيشونه ليأسرهم. فلا شيئ يبعث على اليأس أو الإحساس بالفشل بل إن الضعف يولد قوة ومن منع شيئا عوض عنه الكثير.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home