خاطرة

 

المساء ( رسالة الى محبوبة الليل الطويل)

اسماعيل رجب



المساء

(رسالة إلى محبوبة الليل الطويل )

قسم الله الرزق بين عباده كأعدل ما تكون القسمة ، فكان حبي لك بعضا من هذا الرزق الذي خصني الله به، شأنه شأن القوت الذي يمنحني الحياة وينتصب به بنياني، والهواء الذي يملأ ما بين جوانحي فينبض به فؤادي وينشد على تقاسيم دقاته لحنـًا عذبا، تتراقص له كل جوارحي.

وحين المساء يأتي، وسكون الليل ينذر بصمت كاد يغشي على عيني، تأبى مقلتاي أن تطيع الجفون في إغماضها، وتبقى ذكراك سميرة مخيلتي و سلافة ليلي الطويل.

يتهادى منك كل ما غاب عني في يقظتي، وأذوب في أصغريك عشقا ولا أبالي، حتى إذا ما أوشك الليل الطويل أن ينجلي، ولاحت تباشير الصباح تضيء السماء من جديد , والشمس ترسل شعاع ضوءها الأول يخترق ظلمة ليلي البديع وصولا إلى قلبي الغارق معك في حلم جميل، ويأتي النهار إليّ كالحادي بلا بشرى ، وتتباعد عني لظى أنفاسِكِ كأنك كنت معي فغبت عني ، ويتناثر بين أروقة الواقع وهمُ الخيال …… أفتقدك …… فما أحوجني إليكِ هاتيك الساعة !!...

لماذا تنفصلين عني وأنت بعضٌ مني ؟! لماذا إذا ما التقيت بك تتباعد عني رؤاكِ فلا أهنأ بقليل مما أحلم به معكِ ؟

لماذا يتضاءل عندي بعدكِ كلُّ بعد ؟! وتتعاظم لدي كل الذكريات إذا ما أخذتني نفسي خلسة منك ؟!. وإذا ما حدثتني نفسي أن أعود وقد سبق مني الشوق إليك أجدني أمامك حيث لا وجود لك أمامي ؟!!!. فيالوحشة فراقك!! ما هذا الشعور ؟!.. كم كنت أخشاه حقا .. وكم كنت أفر منه خشية الوقوع فيه..

الآن وقد ملكتِ مني ما لا أملكه أنا نفسي.. وملأت فى كمي الفارغ كيفكِ الغزير، أراك وقد ملأت كل أركان الدنيا من حولي. حتى هذا الأفق البعيد لم يعُدْ بعدُ بعيدا، أراك في كل الوجوه، أتحسس كفك في كل كف، فيبقى بيدي دفءُ راحتيكِ حتى أنام. وحين المنام.. أراك. ……وكأنني على موعد معكِ لا أخلــَـفـَه أبدا ..

فيا محبوبة الليل الطويل.. هل ترينني ؟!!

كيف أنساك وأنت مني نبض الحياة ؟!وكيف أنام وأنت مني اليقظة ؟!  وكيف أصحو وأنت مني الحلم الجميل ؟!  وكيف يدنو منك الفؤادُ وأنتِ فيه ؟! وكيف العينُ تغض عنك طرفا وأنت سكينة الجفون ؟! فيالحيرة قلبي !! من تكونين كي أكون ؟

مازال صوتُكِ يسكن أعمق مسامعي . ومازالت صورتك تنطبع أمامي في كل الوجوه، بالله كيف أهرب منك وأنت سكينه الروح.. قرينة الذكرى.. حلوُ الحياة.عظيمٌ عندي فراقُكِ , وفقيرةٌ تلك الحياة من بعدك

فيا محبوبة ليلي الطويل، كيف كنت قبل أن يكون قلبي ؟ وكيف كان القلب قبل أن تسكنيه ؟ مجهوليْن كانا؟ كيف يكون الساكن فيك هو المسكون؟ وكيف يكون التلاحم دون اللقاء؟! وكيف يكون الغيابُ قرينَ البقاء ؟!

يا صنع الله ما أجملك!!

أنت مني رغم كل الصعاب , وأنت لي رغم نذير العقاب , وأنت فيّ رغم بُعد اللقاء.. ولكنني حين يأتي الصباح.. أترك على بوابة الليل يديَّ تتشبثان بك , وأغفل ما ورائي فلا يداي بك تعلقان .. ولا قدماي على أرضي تطئان .. وأظل أنتظر المساء عساه يجيء إلىّ بنبأ جديد فأراكِ مثلما أراك.. زهرة بستاني الوحيدة .. وأريج عطرها الفريد.. وأمل يومي و غدي.

فلا حرمني الله منك أيها المساء، ففيك السكون وفيك الوفاء.

مهندس/اسماعيل رجب

 

( تعديل وتفعيل / هشام الشربيني )

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home