مقال

 

لماذا الآن اشعلتم فتيل الحزبية؟

سامي الأخرس



 

لماذا الآن أشعلتم فتيل الحزبية ؟

سامي الأخرس

في ظل الحصار، والاجتياحات اللحظية لمدن وقري الضفة الغربية، وعمليات القصف المستمرة والمتواصلة لشمال قطاع غزة، وعمليات الاغتيال والقتل، لا زال الفرقاء الفلسطينيون في حلبة أخرى، بعيدة كل البعد عن الواقع، وعن ما يدور على الأرض، حيث تدور معركة ثني الأذرع بين حركتي فتح وحماس، كل يسعى لثني ذراع الآخر، ليعلن انتصاره ويستعرض قوت، في الساحة السياسية، أما الشعب فليموت جوعاً، إن قدر له الموت، وهذا سيتحقق رغم وجود الزعتر والزيت كما أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني .

منذ انتهاء التجربة الديمقراطية التي تراقصنا طرباً علي أنغامها، وتفاخرنا أمام العالم أجمع بهذا النموذج الفلسطيني، وساحتنا الفلسطينية تغلي بدرجات فاقت حالات التبخر، وحقيقة كل الأطراف تلعب دوراً في هذا الغليان، وتشعل تحته فتيل النيران، حتى القوي الفلسطينية التي نأت بنفسها عن الأحداث وحلبة الصراع الدائرة بين البطلين حماس وفتح.

منذ تشكيل حكومتنا الفلسطينية وانعقاد أول اجتماع للمجلس التشريعي أوضحنا أن معركة تصفية الحسابات قد ابتدأت، وهذا ما نوهت له بالعديد من المقالات السابقة، وحذرنا من انزلاق قضيتنا في منحى حزبي فئوي، وذلك ظاهر على أرض الواقع يومياً، ولحظة تلو الأخرى، حتى انتقلت حمى النزاعات داخل أسوار الجامعات، بل وداخل الأسر المنقسمة بين أفرادها.

أما حكومتنا الفلسطينية فمنذ تشكيلها وهي تحاول إلقاء الكرة في الملعب الأخر، وكأنها تعاقب شعبنا على اختياره فلم تقم حكومتنا حتى راهن اللحظة بخطوة عملية واحدة سوي الاحتكاك بالصلاحيات الرئاسية، واحتكاك الوزراء بوكلاء وزرائهم، وخلق أجواء المشاحنات والتوتر، ولم نعد نسمع في أي مؤتمر صحفي سوي عن مؤامرات داخلية لإسقاط حكومتنا الفلسطينية، وانتقلت العدوى من منابر الفضائيات لمنابر مساجدنا بخطب الجمعة، وما بين الصلوات الخمس، حيث يبدع الخطباء بلهجات التحريض وشحن الأنفس بأن جهات فلسطينية تتآمر علي حكومتنا، فكل هموم شعبنا اختزلت في قضية الحكومة ومن يتآمر ويحاول إسقاطها، أليس من الأحرى من حكومتنا ووزرائنا البحث عن سبل تطبيق برنامجها الوطني، والنهوض بالأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والابتعاد عن مناطق الاحتكاك والتوتر؟ أما وزير الداخلية فكان الأجدر به أن يشد من أزر قوة الشرطة الفلسطينية ويبث بهم روح الانتماء، وهم من أفضل أجهزة السلطة تنظيماً وعدداً وسلاحاً وعدةً، وليس من الضروري خلق بؤرة توتر مع الرئاسة، وحقيقة إن القوة المزمع تشكيلها هي الفئة التي أبدعت في خلق حالة الفلتان وممار ستة بشقية الأمني والأخلاقي، ورغم كل ذلك علينا التروي والتريث لصالح الوطن، والاحتكام لمنطق العقل والمنطق، أما السيد خالد مشعل فيبدو أنه أغرق ساحتنا الفلسطينية التي تميزت باستقلاليتها منذ انطلاق الثورة، في مستنقع الإقليمية مثل إيران وسوريا ومصر وغيرها، وبدأت ملامح هذا الاستقطاب، من خلال صعود أسهم إيران في ساحتنا الفلسطينية، أم أننا لم نعد نقوي على حل قضايانا سوي بدهاليز المخابرات المصرية، التي أضحت معمل تفريخ الحوارات الوطنية الفلسطينية.

إن المستفيد الوحيد من هذه الحالة هو الكيان الصهيوني الذي يستغل  بنفسه حالة الفراق الحادث حالياً، وينفذ مخططاته وأهدافه، وينمي أجواء الحرب الأهلية تحت غطاء التجاذب علي الصلاحيات الكرتونية .

أما الإخوة في حركة فتح ورغم تسليمهم للسلطة بسلاسة ومرونة، إلا أن ذلك لا يعفيهم من مسئولياتهم، بل إنهم كانوا ركيزة أساسية في حالة الغليان التي تشهدها ساحتنا الحالية، فهم يوحون لقارئ الأحداث بأنهم يسعون لإفشال هذه الحكومة،من خلال تصعيد لهجة خطابهم السياسي والإعلامي في هذه الفترة، وهذا ما يدفع الواقع الفلسطيني للانفجار والغرق بأتون حرب أهليه راهن عليها العدو منذ زمن بعيد.

إن أي خلافات تنشأ بين مؤسسة الرئاسة والحكومة الفلسطينية، هناك قنوات للتفاهم حولها، وخلق الحلول المناسبة فيما بينها، وعليه يجب على حركتي فتح وحماس عدم الزج بأنفسهم بين هاتين المؤسستين والابتعاد عن تصريحاتهم النارية التي لاتخدم سوى إفساد المناخ الإيجابي الذي عبر عنه رئيس الوزراء في أخر لقاءاته مع الرئيس أبو مازن .

فلماذا يقحم الطرفان أنفسهم بين الرئاسة والحكومة ؟

الفساد عنوان عريض نسمعه كل يوم من وزراءنا، والمتحدثون الإعلاميون، وأعضاء المجلس التشريعي، وغيرهم من خطباء المساجد، والوالعين بمنابر الفضائيات، نعم كلنا مع محاكمة المفسدين، وملاحقة الفساد، وتقديم رواده للمحاكمات مهما علا شأنهم، ولكن كيف تتم محاسبتهم ومحاكمتهم، من على المنابر الإعلامية، أم من خلال القضاء الفلسطيني ؟ فمنذ ثلاث أسابيع لم تقدم الحكومة أي ملف، بل كل ما تقدمه تصريحات صحفية وخطب دعائية حاكموا الفساد والمفسدين، واتركوا المنابر الفضائية لأهلها .

وما يثير الدهشة الموقف للقوى والفصائل الوطنية الأخرى، والتي لا تقوي علي فعل أي شيء سوى نشر بيان صحفي يدعو للحوار الوطني، فأي موقف وطني هذا، وأي قراءة وطنية تنطلق وفقها هذه القوى، وهي ذات تاريخ ومسيرة كفاحية وطنية ذات إرث، تنأي بنفسها عن مصير شعبها، وتلقي بمسئولياتها ببيان صحفي تتناقله وسائل الإعلام، فعلي هذه القوي الاضطلاع بمهامها ومسئولياتها، والتدخل إيجابياً، لإنقاذ حالة اليأس التي يعيش بها شعبنا الفلسطيني .

المرحلة خطيرة جداً، وشعبنا الفلسطيني يعيش أصعب مراحل قضيته، ورغم ذلك يشكل حالة صمود، رغم مآسيه وآلامه. وكلنا ثقة بأن حكومتنا الفلسطينية لو اتجهت للعمل وفق مصالح الوطن، والتنفيذ العملي لبرامجها الوطنية، ستجد شعباً بأكمله خلفها بجميع أطيافه وفئاته، وعلى رأسهم أبناء حركة فتح، فهذا الوطن للجميع، وهذه القضية لفلسطين أولاً وأخيراً، فلندع عقلية الثمانينات وحروب الجنازير، التي أعادتنا للمربع الأول، ولنعمل معاً لأجل فلسطين، ونفوت الفرصة على عدونا المتربص بنا .

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home