القلم الفكري

 

معيار الفهم وعلاقته ببعض أخطاء التدين

سيد يوسف



 

معيار الفهم وعلاقته ببعض أخطاء التدين

تصحيحات واجبة

سيد يوسف

 

كان النبى محمد صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشى على الأرض جسده بأفعاله وأقواله وتقريراته وتبعه الصحابه فكانوا بمجموعهم قرآناً يمشى على الأرض ولذا شهد لهم القرآن بفضلهم فقال تعالى:

(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون * أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) التوبة88-89

وقال تعالى:( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ) التوبة100

وقال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ) الفتح18.

 

 وشهد لهم نبى الرحمة بخيريتهم فقال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونهم ) رواه البُخاري.

وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تَسُبُّوا أصحَابِي، فلو أنَّ أَحَدَكُم أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم ولا نَصِيفَه ) رواه البخاري.

 

ومن هنا يكمن قول بعض الفاقهين إن معيار الفهم العملي والتطبيقي للقرآن هو سنة النبى صلى الله عليه وسلم وتطبيقات أصحابه وتابعيه حتى القرن الثالث فماذا نقصد بمعيار الفهم؟ وما مفهوم الخيرية؟ وفى ثنايا ذلك العرض سوف تتضح بعض الأمور التى نرجو لها تصحيحاً واجباً .

 

نقصد بمعيار الفهم : طريقة موضوعية لفهم واستيعاب الدين والتعامل مع النصوص الدينية بأفق واسع وفهم شامل يضمن ضبط المسار وتفعيله ليشكل نقطة الانطلاق نحو الإنتاج الحضاري للإنسان كي يستحق أن يكون خليفة الله فى أرضه و يهدف إلى إدراك مقاصد الدين، والانطلاق في الاجتهاد، والحوار، والتعبد ونشر الرسالة فى ربوع العالم اقتداء وتأسياً بالنماذج البشرية التى وصفت بأنها من خير القرون الثلاثة الأولى.

 ونؤكد على فهم المقاصد الكلية والخصائص العامة لهذا الدين من شمولية وربانية ومثالية واقعية ممكنة وإسقاط ذلك على الواقع فهو مطلب أساسي لفهم الدين  ..بل لا نتجاوز حدود المنطق حين نقول : لا فهم للدين بغير هذا... فهو فهم على منهاج وهدى فعل النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه وتابعيه بإحسان. فالدين ليس جزء..كلا كلا إنما هو كل دينامى متكامل يتحرك معتنقه بعقيدة ثابتة راسخة فتجد لهذه العقيدة أثراً فى السلوك والأفعال والضمير والألفاظ..إنما يضبطها ويعصمها من الانحراف فهو – الدين- شكل ومعنى...

 

هكذا فهم الصحابة الدين فكانوا مثالاً جيداً فى التدين ومن ثم ندعو للإقتداء بهم وجعل فهمهم لقرآن ربهم وسيرة النبى وسنته معياراً للفهم..

 ونذكر بأن مصدر هذا الفهم هو القرآن والسنة النبوية الشريفة الصحيحة و بأن مرجعية فهم ذلك هو فهم خير القرون كما شهد لهم النبى محمد صلى الله عليه وسلم بذلك.

 

وليس فى دعوتنا لمعيارية الفهم كما عند الصحابة حجاباً للعقل عن الاجتهاد والامتداد الإنساني.. فالاجتهاد الديني والدنيوي مطلب شرعي وضرورة إنسانية يحض عليها الدين وإنما هو نموذج للاقتداء وعصمة للعقل من التأويل المنحرف ومن مغالاة المراهقين فكرياً.

 كما نؤكد  على أمرين:

* أن ليس فى هذا ثمة قول بعصمة الصحابة فلا عصمة لهم بل هم بشر يخطئون ويصيبون لكنهم- بمجموعهم- أكثر الناس فهماً للدين كما أنزل فقد كانوا أكثر التصاقاً بمصدر الوحى.

* إن دراسة السيرة الحركية والدعوية للنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده صحابته حتى القرن الثالث الهجري سوف تسهم فى توضيح معيارية الفهم التى نقصدها ههنا وكأنها الجانب العملي المميز لرسالة الإسلام الخالدة ولا عجب فالنبي كان قرآناً يمشى على الأرض وصحابته الذين رضى الله عنهم كانوا بمجموعهم قرآناً يمشى على الأرض أيضاً ..ومن ثم فقد وفق د /عمر عبيد حسنة حين رأى أنه لابد من جدولة الخصائص والصفات، التي بها كانت الخيرية، ومن ثم وضع المناهج التربوية والثقافية، الموصلة إلى الإنتاج المأمول، ذلك أن قول الرسول صلى الله عليه و سلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُم...الخ )، لابد أن يستدعي الاستفهام الكبير: ما هي الخصائص والصفات، التي بها كانت الخيرية، وكيف يمكن تلمسها، والاقتراب ما أمكن من هذا الجيل الرباني، ليمتد الخلود للرسالة، والإنتاج للجيل المأمول ?

 

ولله در د/عمر عبيد حسنة حين يقول: وحصر الخيرية في هذه القرون، وقصرها عليها، لتصبح حكراً لها، دون غيرها من سائر القرون ، يناقض طبيعة الإسلام، ودعوته الممتدة وخلوده، ووراثته للنبوة، وإنما المقصود فيما أرى ،والله أعل، أن يكون التدين في هذه القرون، وفهم الدين، الذي منحت بسببه شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية،هو سبيل المؤمنين إلى التدين الصحيح الخالص.. وإلا، فما معنى الشهادة لها، من الناحية العملية، إذا لم يكن المسلم في كل زمان قادراً على المحاولة للوصول إلى تلك الخيرية، وتمثلها ، والتحقق بها؟!

ونقصد بالخيرية: التزام بغلبة الحق على الباطل بوسيلة مشروعة هى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على أن يسبقها إيمان بالله عميق ومتجدد ومستمر.

هذه الخيرية خيرية مشروطة موقوفة على الالتزام بما عهده الله إليها من أمر بمعروف ونهى عن المنكر وغلبة للحق على الباطل وإيمان قويم بالله يكون لها زادا على المسير نحو هدفها يقول تعالى "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" آل عمران 110. وما ينبغي لمن تكون هذه وظيفته فى الكون إلا أن يتقلد من القوة ما يعينه على أداء مهامه, وأقصد بالقوة : قوة الإيمان وقوة السلطان وقوة المجتمع الذى يقبل بالنصح ويرحب به ولا يزدرى الناصحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر..

 

إن هذه الفئة ليست فلاسفة ينظرون – من التنظير- مشكلات المجتمع لكنها كالحارس لحدود الله كلما أوشك أحد أن يقع فيها ردوه إلى صوابه بالحسنى ولذا فهي صمام أمان للمجتمع من الانحراف بل من الانهيار وليس أدل على ذلك من قصة (به فابدأ...إنه لم يتمعر وجهه غضبا لله ومصداق ذلك قوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

وعلى الفاقهين فى المجتمع أن ييسروا مهام هذه الفئة ...بقبول النصح والرجوع إلى الحق ورد المخطئين إلى رشدهم من خلال أن يشكلوا قوة ضغط اجتماعية ترحب بالآمرين بالمعروف وتزجر الفاعلين للمنكر.

وإذا كانت اليد العليا خير من اليد السفلى فإن هذه الفئة جديرة أن تفيض بما لديها من خير ولين وحسن خلق وأمر بمعروف ونهى عن منكر وإصلاح من فيض نفوسها الخيرة فلا يبذل الخير ويحتسب الأجر إلا ذو نفس فاضلة ومؤمنة تعرف دربها وتعرف هدف ربها منها لتكون خيرة ضمن فئة هى خير ما أخرجها الله للناس.

 ولعمري فلقد استبان لى أن النهوض بهذه التبعات عسير وشاق وليس له إلا رجال محمد صلى الله عليه وسلم ذلك أنهم يحملون حقا ويؤمنون به ويصبرون على توصيله للناس ألا فلنتدبر سوياً هذى الآيات: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" آل عمران 110

 

* وننهى هذه المفردة بالقول إن لفقه/آلية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مصادره التى يلزم الرجوع إليها لتبينها.

وبناء على ما سبق نعرض هذى التأملات راجين من الله أن تحظى بإثارة انتباه الفاقهين:

تصحيحات واجبة

(1)

الدين غير التدين

هناك فارق أيما فارق بين الدين وبين التدين ومن يخلط الأمور ممن لديهم فوبيا من كل ما هو إسلامي فإنهم يضرون بغبائهم ولا ينفعون بسطحية علومهم إن كان- لديهم- ثمة علم.

حين يزداد التدين المغشوش وتكثر المغالاة وتنتشر الانحرافات باسم الدين والدين منها براء ويوظف الدين فى خدمة السلطان أو بعض الحركات التى تنتسب للإسلام ويسير كل تبعا لهواه لا تبعاً لما جاء به النبى محمد صلى الله عليه وسلم حينئذ لا يمكن القول بأن هذا هو الدين وإنما هذا تدين مغشوش ومن يتصيد الأخطاء للنيل من الإسلام  شريعة وحكماً إنما هو واهم ومخطىء فالفرق بين الدين والتدين واسع يعرفه الثقات.

ونؤكد على أن  هذا الخلط بين الدين، وبين فهم الناس للدين (التدين) قد أشاع بقصد أو دون قصد لوناً من الإرهاب الفكري، وجعل النقد فى بعض جوانبه منطقة محرمة ظناً ووهماً أن نقد الاجتهاد، ونقد بعض صور التدين ولا سيما المغشوش هو نقد للدين نفسه، حتى بتنا نرى الآخرين يدفعون عن أنفسهم الكفر حين ينقدون بعض الحركات الإسلامية .

والحق أنهم وإن كانوا مخطئين فإن بعض الأخطاء الشائعة هى التى كرست ورسخت ذلك الاعتقاد عند البعض خاصة الذين لديهم فوبيا من كل ما هو إسلامي أو الذين يعادون كل ما هو مرتبط بالحركات الإسلامية لنقص فى معلوماتهم (هذا بخلاف من يتعمدون ذلك الخلط لأغراض ما ).

 

تصحيحات واجبة

(2)

الدين يدعو للإبداع الحضاري لا للخمول والكسل

إذا كان الدين متكاملاً و يدعو إلى ذلك فلماذا صرنا إلى ما نحن فيه؟

لن تكون إجابتنا بسذاجة التبسيط حين نقول لان الناس قد ابتعدت عن جوهر الدين رغم أن هذا حق لكن الإجابة التى يعوزها العقل الجيد تتضمن العجز عن التحقق بمعيارية فهم الدين اقتداء وتأسياً وتبليغاً....ولهذا العجز أسبابه التى تحتاج إلى شرح  وبيان لا يتسع المقام له الآن ولعل أن يكون له موضوعاً مستقلاً...ولننشغل الآن بكيف يكون الحل لهذا الخمول؟

تصحيحات واجبة

(3)

قطعاً الإسلام هو الحل

نعم الإسلام هو الحل ونريد ألا يتشنج البعض لهذا الشعار فيعلم الله أننا نعرضه لا كشعار بل كمنهاج..ولا يكفى أن يكون الإسلام هو الحل دون وجود آليات تستوعب مشكلات الأمة ودون إعادة البنية المعرفية لهذه الأمة بزيادة وعيها ودون تحديد كيفيات تنزل هذا المفهوم إلى أرض الواقع وتحوله إلى ممارسة وعمل بناء فالإسلام لا يُختبر وإن كانت التجارب الإنسانية والاجتهادية لفهم الإسلام تختبر وأي تبنى لهذا الحل دون تقديم تلك الآليات هو نوع من الإضرار لا بهذا المفهوم فحسب بل بالإسلام نفسه فى عيون القاصرين فكريا الذين لم يميزوا بعد بين الدين وبين التدين ...سواء كان تدينا صحيحاً أو تديناً مغشوشاً.

وحتى لا نبخس بعض العاملين جهدهم نقول إن هناك محاولات تنظيرية رائعة لتحويل ذلك المفهوم إلى واقع بيد أنها يعوزها عدة أمور منها: وسائل الظهور، وحسن الدعاية لنفسها والتسويق لها، وزيادة تلك الجهود، والعمل على تطبيقها ولو فى نطاق محدود فى البيئات التى يمكن أن تظهر فيها تلك الآليات إن كان ثمة وجود لها.

 

تصحيحات واجبة

(4)

التدين فطرة بشرية

بات من المسلم به أن الدين فطرة ولا نتجاوز حدود المنطق حين نعلن أن التدين حاجة نفسية واجتماعية ملحة ..والإسلام ليس دين نخبة فقط إنه دين للعالمين ومن ثم فإن شريعته صالحة لكل زمان ومكان وتعاليمه ميسرة لكل متذكر " (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر".

 

ومعيارية الفهم التى تقتضى أن الإسلام ليس دين نخبة فقط وانه للعالمين تقف حائلا دون أن يقول من شاء ما يشاء دون مرجعية فى الفهم لها ضوابطها وأصولها لذا بتنا نرى بعض التيارات المعاصرة تحاول تقطيع الرؤية الإسلامية ،وقراءة الإسلام من خلال أصول مذاهبها ، فكان اليسار الإسلامي ، أو الإسلام اليساري ،والإسلام الاشتراكي ،والإسلام الرأسمالي ، وهكذا .. حتى تتمكن من الدخول إلى المجتمع الإسلامي...على حد قول د/ عمر عبيد.

 

فى النهاية

أسال الله أن يهيىء لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home