القلم السياسي

 

إلى الأسرى في كهوفهم الحزينة

نهاد عبد الإله خنفر



 

إلى الأسرى في كهوفهم الحزينة

نهاد عبد الإله خنفر

 

كانت كلماتي تتلعثم متعثرة على مطالع اللسان المتأهب استعدادا لبوْح الأكداس المتراكمة من الكلمات والتعبيرات الحزينة الخالية من الأمل، والَّلاهثة بعيداً عن الإحباط، واليائسة من صحراء السراب المتعجلة دوماً في التراكيب التعقيدية لسطوة الفكر، بعد أن أحالت الرمضاء إلى واحات خيالية أمام قلمي الذي يهزأ من صاحبه في عديد المرات التي يحاول بها استجماع شجاعته في كل موضوع جديد، وهو محق طبعاً، فليس هناك ما يشفي غليل الأقلام العطشى من ماء مفقود، ودم مهدور، وأفراح عشاق توجسوا خيفة على ضياع معشوقتهم، إلا من ذاكرتهم التي تختزن بدلاً من الذاكرة عشراً، وبدلاً من مناديل المعشوقة الحمراء والسوداء والبيضاء والخضراء عشرات وعشرات، مستعينة على الفَقْدِ بتهذيب الإيمان الراسخ والمزروع والمولود في الذات المتخالجة مع قلبها الحزين، عزاؤها خفقان القلب، وإن عاثت السنون فساداً في حقول الأيام ومزارع المشيب الأبيض.

 

هكذا تبدأ الحكاية معي دوماً، مشهد متكرر لكرامة فلسطينية مجروحة، أو يتسع جرحها لتملأ مساحات الأرض، المقدس منها والمسحوق تحت أقدام الرجس والطغيان والنكران، أو أمام كلمات نازفة من شجرة فلسطينية اقتلعتها أنياب الحديد، أو أمام رمز شامخ أطاحت به كوابيس عرجاء، في أدمغة أكثر عرجاً. حاولت مرات كثيرة أن أنام قبل أن أكتب، وقلما كنت أفلح في ذلك، بل وقلما تعافَتْ أوردتي الحسية من ذنب سرعان ما يعاود الضخ في مسامات جسدي، هذه المرة كان الأسرى يتدفقون في كل المسامات، وبكل المقاسات، على الرغم من أنهم الضيف العقلي الدائم والقلبي الأكثر دواماً، في كل أوراقي ودفاتري وتخيلاتي، وأنسجتي من خيوط الحرير وشرانقها النامية على آهات الأجساد التي تلوكها جرذان الظلم والعتمة والخيمة الأسيرة، وهو ذات الشيء في سطوري وأرصدتي الإبداعية، محاولاً أن أكرسها لبعض من سنين أمضيتها في محيط ضيق مما يعيشون، أتراجع بسرعة البرق عن هواجسي، وأبتعد عن المقارنة الخاسرة حتماً، أمام ذنب قد ارتكبه في لحظة عفوية، فأقايض بها معاناتي القديمة المتلاشية، بتلك المعاناة الباقية والماثلة مع كل الكلمات ومع كل الأنغام، وهي ليست أنغام الموسيقى، بل هي كل حركة تستعذب النغم على هذه الأرض، من النغمات الزغاريدية الطائرة عند لقاء الأم بعصفورها السجين في أول لقاء، وتلك السيمفونية المعذبة التي تقطر دمعاً لأم تواقة لحسونها المغرد في القفص، وتلك الألحان الصادحة مع بكاء محروق لطفل حرَّموا عليه نظرة مارقة بأبيه أو أمه ولو من بعيد.

أعاود الكرَّة مرة تلو مرة، وأحبو كطفل صغير حول بساتين الكلمات عسى أن تخضوضر في حدائقي بضع من جمل أعرفها، ومرتبكة في مراحل الخروج الأخير، جمل مكونة من كلمات الظلم والسيطرة والقهر والإلغاء والوحشية والسطوة المنفلتة من رحم القشعريرة الغموسة بغثيان التعبيرات، أكتبها ليساعدني أحدكم على جمعها في جمل كثيرة وكبيرة، مجتمعة أو منفردة، ليس بها من الرقة إلا ما يحيرني من قصور ذاتي يعدم وسيلة الصياغة برغم وضوح الجريمة وسطوع صورة المجرم، لأنها جريمة أكثر حرارة من العيش في قعر بركان دائم التفجر والثوران، ومجرم محتل تخلف بدرجات كثيرة عن قيم الإنسان الأول الذي أخاله الأن يربأ بنفسه عن الجرائم الإسرائيلية التي تحولت إلى مستنقع تستنسخ فيه الأمراض الهادمة للانسانية منذ فجر التاريخ.

 

إن ما أقرأه من تفاصيل يومية وما أسمعه من أخبار قمعية بحق الأسرى الفلسطينيين (مناضلين ومناضلات)، يجبرني على التراقص مع أقلامي وكلماتي ( ولكن على نهج العصافير الراقصة من شدة الألم )، ويجبرني أيضاً على لعن البشرية الصاغرة أمام الفتاوي العقيمة لأمراء الحروب وملوك القهر وأقران الوحشية وصانعيها. لهذا، وعلى الرغم من شعوري الكامن في كل كلمة، ذلك الشعور الذي يحاول الوثوب عبثاً إلى فضاء العبارات وأقنية العبرات المتقصفة كأعمار الأسرى، والمبحوحة كَسِنِيِّهِمْ المنزوعة من تقاليد أزمانهم المهدورة في اللاشيء، وعلى اللاشيء، وبلا شيء، إلا من احتلال يلعن الأحلام البريئة في حياة أسير يحلم بهدوء داخل قفصه، ويحلم بسكينة مخدوشة في احشاء ذلك القفص، سجان يجثو على أطراف الروح الأسيرة، فلا هو مطلقها، ولا جاعل للعيش في قفصها أي سبيل، صحيح أنني أعيش لحظات مسترسلة في الإبتهال والدعاء إلى أن يفك الله أسرى المأسورين، ويطلق سراح المسجونين، إلا أنني أموت ما بين دعاء ودعاء ألف مرة، أو ألفين وربما ثلاثة، ذلك أنني أعرف أن سيف السجان مسلط على رقبة السجين صباح مساء، في احصاءات الصباح واحصاءات الظهيرة، ومثلها في المساءات المزاجية التي قد تمتد إلى أطراف الفجر حرصاً على أن يشهد الأسرى الفلسطينيون تنفس الصبح (والصبح إذا تنفس)، وما علم السجانون أنهم خنقوا أنفاس الصبح الأسيرة المجلودة بصعوبة التنفس والتي قد تموت في أي لحظة. سؤالي الأن ألا زال البعض يظنون (إن بعض الظن إثم )، أن امتياز أبي غريب هو امتياز أمريكي ومحكور على العراق وحده؟ أم أن الأمريكيين قد صمموا نسخة غوانتانمو في الخليج الكوبي ولا شيء مثله؟ جوابي الأن، جواب الأسرى الفلسطينيين وأهليهم وشعبهم، إن الإسرائيليين قد صنعوا في فلسطين عشرات من النماذج الأبي غريبية، ومثلها من النسخ الغوانتنامية، فما على الناس إلا أن تعرف أن الأسرى الفلسطينيين، المعذبون في الأرض ( عنوان كتاب للطبيب الفرنسي فرانس فانون )، يعيشون في المعتقلات الإسرائيلية، فهم في النقب المقموع قبل أيام عدة، وهم في مجدو المزروع في الأشواك، وهم في نفحة المخفي تحت رمال الصحراء، وفي عسقلان المطوي في سجلات النسيان وفي هداريم وبئر السبع، والرملة، وعوفر، وحوارة، وعصيون، وقدوميم، وسالم، والجلمة، وفي بيتح تكفا ( ببوابة الأمل )، وهي بوابة الشيطان المتواطيء مع الشر أينما كان، والمسكوبية، والتلموند الذي تعذب فيه المعتقلات، وصغار المعتقلين، وريمونيم، وأسماء كثيرة سموها هم وآباؤهم، سرية وعلنية اجتهدت في تذكر البعض منها، مما عشت فيه ومما سمعت عنه طوال أماد من الأيام القاحلة إلا من العذاب المتراكم على جثة الزمن الفلسطيني، لست أنا من يحق لي أن أقول شيئاً عن المعذبين خلف هذه الأسوار، لأن صرخاتهم تملأ الأرض، حتى وإن لم يعلنوا عن ذلك، ولست أنا من أدون صناعة المأساة التي يعيشونها في محارق البشرية البطيئة، فروائح جلودهم المسلوقة والمكوية بنيران الظلم ولهيب القهر هي من تحدثنا عنهم، هي من تنوب عن كلماتهم المكبوتة في كل صرخة، والمدفونة في كل جسد، والمتعبة من كثرة ترديد الشكوى. شكواهم التي لا تسمع، ذلك أن منهم أعادها وكررها عبر ثلاثين عاماً، عبر كل المحطات التي أبرق فيها الأمل ثم خبا، فلا الأطفال عادت في نظرهم أطفالاً، ولا الحياة باتت في أفكارهم حياة، إنهم الجسد المجبول مع الرطوبة والعفونة، والظلمة والعتمة، لا فرق بين يوم طويل أو يوم مختزل فقير وقصير، ولا جدال بأن اليوم الإعتقالي يختلف عن كل الأيام، يختلف عن أيام السلاطين، وعن أيام الملوك والأمراء، ويختلف طبعاً عن أيام المحتلين، هؤلاء الذين اختزنوا أدران السنين والعقود والقرون وأفرغوها في أوقات فلسطينية، عتَّقوها بطريقة أشبه ما تكون بمومياءات الأقدمين، وحكموا على من يعيشها بالموت الأبدي، ولا بأس إن كان على مراحل، المهم أن يكون في قبر لا تدخله الشمس، ولا يسمع فيه الهمس، حتى يتحول الإنسان الفلسطيني فيه إلى شبه إنسان قد يكتشف من هذا أو ذاك، سواء بقصد الدرس، أو بصدفة قادها الفضول، ولكن بعد إذ اختفى من الإنسان إلا شكله وبعضاً من بواقي أسنانه وبواقي فوائده التعليمية.

          وحتى لا أهرب إلى فلسفة الزمان والمكان، فإنني سأقصد الدرب إلى حيث العبرة، وحتى لا ينسب الفضل إلى غير أهله، وإلى من اعتقدوا زوراً وبهتاناً بأن أبو غريب وغوانتنامو هما صناعة أمريكية، أو أنجلو أمريكية، فإنني اذكر ( للتذكير فقط ) أنهما تجربة مستنسخة عن الأفكار الإسرائيلية في هذا المضمار، فلكم أن تتخيلوا أبو غريب في كل معتقل يحتجز به الفلسطينيون، بمحاكمة صورية أو بلا محاكمة، حيث لا داعي في كثير من المرات إلى الدلائل، لِتَوَحُّدِ الخصم والحكم في ذات الروح وفي ذات الجسد، وإن لم يعجب البعض أبو غريب فعليه بالبحث أكثر ليجد أن غوانتنامو هو أيضاً تقليد اسرائيلي أعتقد بأن الأمريكيين أبدعوا في نقله إلى حواضنهم، دون أن يطوروا فيه شيئاً، سوى أنهم كتبوا عليه ( made in America)، إلا أنني اتفق مع من يقول بأنهم الوحيدون الذين يحتكرون هذه الصناعة خارج اسرائيل، لعهد غليظ بين الطرفين، يساوي بينهم في احتكار كل وسيلة تعذب بها شعوب الأرض بطريقة تبادلية تتيح لهم الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، والتي تضمن انتقال السلع وتبادلها دون أية عوائق، وللحقيقة فإن سلعة التعذيب وحرمان الشعوب من كرامتها، ووضعها في منزلة لا يقبل بها الحيوان هذه الأيام هي من أكثر السلع تبادلية بين الدولتين، ليس لشيء طبعاً، وإنما تطبيقاً للاتفاقية المذكورة أعلاه.

ملاحظة هامة : تستطيع أي دولة تمتهن كرامة الإنسان، وتدوس قيمه تحت جنازير الدبابات، وتهدر حقه في العيش الكريم، وتعمل على توسيع سجونها والتشجيع على إقامة وإنشاء المعتقلات الجديدة، وإبداع الأساليب الحديثة في التعذيب النفسي والجسدي الإنضمام إلى الإتفاقية المذكورة آنفاً، شريطة احتفاظ اسرائيل وأمريكا بالعضوية الدائمة، وحق الرئاسة التبادلية أو التعاقبية بينهما.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home