خاطرة

 

سر كآبتي

جمال لبنان



 

 

يا صديقتي...


تريدين أن أعلن لك سر كآبتي؟؟
أن احدثك عن المأساة التي تعيد الذكرى تمثيلها في صدري كل يوم وكل ليلة..
أنا أعرف أنك قد مللت سكوتي وتكتمي وضجرتي من تنهدي وتململي,حتى قلتِ بينك وبين نفسك لا يُدخلني هذا الرجل إلى هيكل أوجاعه فكيف سأستطيع الدخول إلى بيت مودته؟
أنا أقول لك إنك على حق فمن لا يساهمنا الألم لن يشاركنا في شيء آخر ..
فاسمعي إذن حكايتي, اسمعي ولا تكوني مشفقةً , علي فالشفقة تجوز على الضعفاء وأنا لم أزل قويا بكآبتي


صديقتي... منذ فجر شبابي و أنا أرى أحلام يقظتي .. وأحلام نومي طيفَ امرأة غريبة الشكل والمزايا , كنت أراها في ليالي الوحدة واقفة قرب سريري , وكنت أسمع صوتها في السكينة وكنت في بعض الأحيان أغمض عيني وأقوم مذعورا مصغيا بكل ما بي من المسامع إلى همس اللاشيء.
وكنت أقول لذاتي: هل ضاع بي خيالي حتى ضعت في الضباب؟ هل صنعت من أبخرة أحلامي امرأة جميلة الوجه .. عذبة الصوت .. لينة الملامس لتأخذ مكان امرأة من عالمي الهيولي الفلسفي الغامض , هل اختلطت بعقلي فاتخذت من ظلال عقلي رفيقة أحبها وأستأنس بها وأركن إليها وأبتعد عن الناس لأقترب منها وأغلق عيني ومسامعي عن كل ما في الحياة من الصور والأصوات لأرى صورتها وأسمع صوتها؟

أمجنون انا يا ترى؟أمجنون لم يكتفِ بالانصراف إلى العزلة بل ابتدع له أشباح العزلة رفيقة وقرينة؟؟
قلت قرينة وأنتِ بالطبع تستغربين هذه اللفظة ولكن هناك بعض الاختبارات التي نستغربها بل وننكرها أحيانا لأنها تظهر لنا بمظاهر المستحيل(قرينة تعني اقرب صديقاتي)


لقد كانت تلك المرأة الخيالية قرينة لي تساهمني وتبادلني كل ما في الحياة من الميول والمنازع والأفراح والرغائب فلم أستيقظ صباحا  إلا رأيتها متكئة على مساند سريري وهي تنظر إلي بعينين يملؤهما طهر الطفولة وعطف الأمومة وبراءتهما معا ولم أحاول عملا إلا ساعدتني على تحقيقه ولم أجلس إلى مائدة إلا جلست قبالتي تحدثني وتبادلني الآراء والأفكار وما جاء مساء إلا اقتربت مني قائلة: قم بنا نسير بين التلال والمنحدرات كفانا الإقامة في هذا الحي فأترك دروسي وقتها وأسير قابضا على أصابعها حتى إذا بلغنا البرية المتشحة بنقاب المساء المغمورة بسحر السكون نجلس جنبا إلى جنب على صخرة عالية محدقين إلى الشفق البعيد البعيد فكانت تارة تومئ إلى الغيوم المذهبة بأشعة الغروب وطورا تسترعي سمعي إلى تغريد الطائر يبعث صوته تسبيحة شكر وطمأنينة قبيل أن يلتجئ إلى الأغصان للمبيت وكم مرة دخلت علي وأنا أدرس في غرفتي قلقا مضطربا فلا تلمحها عيني حتى يتحول قلقي إلى الهدوء , واضطرابي إلى الائتلاف والاستئناس ..
وكم جلست منفردا وفي قلبي سيف من ألم الحياة ومتاعبها وحول عنقي سلاسل من مشاكل الوجود ومتاعبه ثم ألتفت فأراها واقفة أمامي محدقة إليَّ بعينين تفيضان نورا وبهاء فتنقشع غيومي ويتهلل قلبي وتبدو الحياة لبصيرتي جنة أفراح ومسرات ..
وأنتِ يا صديقتي الغالية... تسألينني عما إذا كنت مقتنعا بهذه الحالة الغريبة ؛ حالة الصمت والتحدي والمغامرات التي لا حد لها ,
تسألينني عما إذا كان المرء وهو في عنفوان شبابه يستطيع الاكتفاء بما تسمينه وهما وخيالا وحلما ..


يا صديقتي الغالية أقول لكِ :إن الأعوام التي صرفتها في تلك الحالة هي زبدة ما عرفته في الحياة من الجمال والسعادة واللذة والطمأنينة(زبدة تعني اعظم شيئ عرفته بل افضل ما اخترعته)
أقول لك إنني كنت ورفيقتي الأثيرية فكرة مطلقة مجردة تطوف في نور الشمس وتطفو على وجه البحار وتسعى في الليالي المقمرة وتتهلل بأغانٍ ما سمعتها قبلا
صديقتي : في الروح ما هو أبعد من الإدراك وأدق من الشعور فكيف أرسمها لك بالكلام... لقد كانت تلك السنون التي صرفتها مع رفيقتي الأثيرية ممتلئة بالأنس والألفة مغمورة بالسكينة والرضى فلم يدر في خلدي وتفكيري إن الألم رابض لي وراء حجب سعادتي
وفجاة جاء مساء.... وقد انحجبت قمم لبنان وراء ضباب البحر رأيتني واقفا وحدي على مقدمة المجزرة وفتاة أحلامي المرأة التي أحبها قلبي , المرأة التي رافقت شبابي لم تكن معي, الصبية العذبة التي كنت أرى وجهها كلما حدقت إلى الفضاء وأسمع صوتها كلما اصغيت الى السكينة والمس يدها كلما مددت يدي الى الامام . لم تكن معي لاول مرة, ولأول مرة وجدتني واقفا وحدي امام الليل والبحر والفضاء
وبقيت على هذه الحالة انتقل من مكان الى اخر مناديا رفيقتي في قلبي ناظرا الى الامواج المتقلبة لعلي ارى وجهها في بياض الزبد
وعندا ينتصف الليل وقد التجاكل الناس في بلدي الحزين الى مراقدهم بقيت انا وحدي هائما ضائعا مضطربا وفجأة التفت بغتة فرايتها واقفة امامي في الضباب على بعد بضع خطوات فانتفضت مرتعشا ومددت يديّ إليها هاتفا: لم تركتِني؟... لم تركتِني في وحدتي؟ إلى أين ذهبتِ؟ أين كنتِ يا رفيقتي؟ اقتربي, اقتربي مني ولا تتركيني بعد الآن...,,, فلم تقترب مني بل ظلت جامدة في مكانها ثم بدت على وجهها علامة توجع ولهفة ما رأيت أهول منهما في حياتي وبصوت خافت ضئيل قالت: يا حبيبي جئت إليك من اعماق اللجة لأراك لمحة واحدة وها أنا ذا راجعة إلى اعماق السكون الدائم , لذا يا حبيبي ادخل إلى مخدعك وارقد واحلم .. قالت هذه الكلمات وامتزجت بالضباب فأسرعتُ أناديها بلجاجة الطفل الجائع وأمد يديَّ إلى كل ناحية فلا أقبض إلا على الهواء المثقل بندى الليل ..
وقتها دخلت مخدعي وفي روحي عناصر تتقلب وتتصارع وتهبط وتتصاعد فبقيت في سريري وللغرابة إنني لم ألقِ رأسي على وسائد مضجعي حتى أحسست بثقل في أجفاني , وبتخدر في جسدي فنمت نوما عميقا حتى الصباح ولقد رأيت في نومي حلما ؛ رأيت رفيقتي مصلوبة على شجرة تفاح مزهرة وقطرات الندى الأحمر تسيل من كفيها وقدميها على غصني الشجرة ثم تنسكب على الأعشاب وتمتزج بأزهار الشجرة المنثورة
جمال-لبنان

 

( تحرير / هشام الشربيني )




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home