القلم النقدي

 

التجاوز والتجاور في ديواني

مصطفى غلمان



 

التجاوز والتجاور في ديواني

"سلام عليكم أيها النائمون" و"طعم لأسماك طائرة"

للشاعر المغربي رشيد منسوم

مصطفى غلمان*

الخروج وحيداً إلى صخرة الشعر، دون احتراق بلذة منتهاه، متوثباً على ظهر حانة بتراء، تقضم ما تبقى من حجارة السجيل، هو أمر في غاية الغرابة. بل إنه يدبر الحاجة الملحة إلى متاهة انحرافية، تجعل من خطيئة الشعر دوراً تحت كل الأدوار المرسومة. أي تحت سلم التراتب بين ما يكون مركزياً وما سيكون هامشياً، ليتحلل المركزي في الهامشي، ويتداول الهامشي ملاذ مركزه في أنثاه اللقيطة.

شيء يصعب انتقاله من مجرد دائرة تفرغ حمولاتها، في حياة عاجزة عن إحداث التقاطع والقطيعة. بل الأدهى والأمر، أن يحدث الوجود الشعري ذاته تحت الحجز المتواطئ أو في النهار اليقظ، حيث كل شيء واضح، لا غبار عليه.ذلك كله ليس لبساً، وليس بعيداً عن حالات تلبس الشاعر رشيد منسوم. فهو وحيد صخرته الشعرية وصعلوكها المتأرجح بين الإمساك اليقظ والذهول المتيقظ.

جاءنا في الزمن النوعي، في النفي الذي يعقم فراغ المعنى من طبيعته الشعرية. من الحد الراكد، خلف استيهام الذات، ذاتا موضوعية لا تقليدانية، تمارس صوتها الزمني في النموذج المؤسس لعلاقات الحس باللون، والصوت بالخط، والإيقاع بالخيال، والتجاوز بمنطق الرؤية، والتذوق بالصورة، والمعنى بحالة التجربة. تعقب الشاعر منسوم ظله على عتبات الفوضى التي أحدثتها رموز مجسه المنحنية، تحت إبهام نظام دلالي يرتوي من كونية ذات معالم إنسانية وتاريخية مركبة، يلزمنا لتفكيكها وتحريكها الغوص بعيدا في أعماق أنتروبولوجيا تستعيد أساطيرها الفردية من فتنتين شعريتين دوختا صمتاً فظيعاً، ظل جاثماً على فردة مشيه لوئيد، متلبداً بما يمكن من تصريف أفعال الملاحقة، حيث كائنات انطوائية، تقبض على ما تبقى من عشب احترابي.

 

سلام عليكم أيها النائمون:

التجاور وبناء الدوال منذ البداية، يطوقنا الشاعر رشيد منسوم بمجموعة علامات ورموز سحرية في ديوانه"سلام عليكم أيها النائمون"، اللون الأسود يغطي مساحة الغلاف. دائرة تتقاطع فيها البوصلات الحيوانية والأشياء المستهامة، وكتابة أليمة بالأحمر، ثم عنوان المجموع الشعرية، الذي يحقق في العمق طفرة الارتهان الجمالي والتحفيزي. كأنما يحشد زوبعة تفجر فجائي ليعيد ترتيب الجسد الشعري المتكاسل. مهما يكن فالعلامة الأكثر بروزاً ضمن المدخل المنسومي للشعر الخطيئة ـ اقترافه لجنحة الشعر بعد إطلالة سياتل زعيم دواميش منخطفة، دقق من خلالها بعض مفاهيمه في الوجود الافتراضي للشاعر وكائنية التجريب الشعري والقطف المتاخم لخيال الكتابة والدليل الإستيتيكي للكائن الشعري، والشاعر حينما يسأل وصراخ الشعراء داخل الفوضى الأليفة.

من ثمة كان الشاعر منسوم في مظهره الخارجي معبأ لاكتساح أكبر قدر ممكن من الدلالات، عبر نسقية متصاعدة، توخى فيها الرفع من إيقاع التجاور والوحدة، وهو ما كرس لديه شعرية نابضة بالحياة والتأمل. يقول الناقد كمال أبو ديب:" إن الشعرية جوهريا لاخصيصة تجانس وانسجام وتشابه وتقارب، بل نقيض ذلك كله. اللاتجانس واللاانسجام واللاتشابه واللاتقارب، لأن الأطراف السابقة تعني الحركة ضمن العادي المتجانس، المألوف، أما الأطراف الأخرى فتعني نقيض ذلك، أي الشعرية"

ففي قصيدة "قلت لنفسي" مثلا تلوين شعري متناسق، يتخذ من ذات الشاعر بؤرة لتجريد الماهيات من إفرازات التحميل الدلالي، حيث سلطة النص تتكاثف لإبراز معنى التجاور لمجموعة تيمات فلسفية، كالوجود والموت والغربة والشك واليقين والنكران والحزن والضياع والفرح والشقاء، تمتح الشعرية في لا تجانسها ولا انسجامه ولا تشابهها ولا تقاربها، من صوت الحياة وبديلها، تلك المفارقات التي  تسبغ وهم الحقيقة بقشور المتانة، ونياط الواقع بفسحة التدوير، حيث تشتغل ـ ربما ـ هذه النسبية المتعالية داخل المجال المعرفي لوحدات نصية لا تستنفد  قوتها إلا في إطار لغوي يؤول ولا يعدل، ويمثل ولا يمتثل، يقول الشاعر منسوم:ربما / هم أعداء لي/ قدموا من بحر الشمال/ تنصلوا من ملامحهم/ وتقمصوا صوري/ جاءوا يحملون إلي صور الغيب/ أتأمل الجثث وهي تحدق بي/ قبل أن تمر/ تقلد بسحري/ ابتساماتي/ وحماقاتي/ وتقاسيم وجهي/ كأنما هناك شيء متشابه بيننا....(ص"27-28-من الديوان").

وهو بهذا المعنى يواجه حالات تربص لامحسوم، حول ما يسميه "إيخنباوم" تشكيلاً رؤيوياً غرائبياً، يعقد الصلة المتوترة والجدلية والمعقدة في آن واحد، بين الإدراك والتنافر.

إدراك المعنى، حيث ينبغي للدلالة النصية أن تفضي إلى شيء مدرك ومحسوس، أو مفهوم على الأقل. وتنافر المعنى، حيث حاجز آخر يقاوم الدلالة، وهو ما يترجمه رولان بارت في قوله:"لا يقينية للمعنى حتى مع افتراض وجوده"، يقول منسوم في قصيدة أخرى تحت عنوان"لا أرى": لا أرى برابرة في سفن الشمال يحملون صورتي/ فلماذا عاد الموتى يقفزون من صورهم إلى البحيرات البعيدة؟/ لماذا هاجر البحر نخيل الأنبياء؟/ لنعد إلى صلاة العناكب/ إلى توت القصيدة/ وإلى التماثيل القديمة/ عنقاء واحدة تكفي/ كي نستعيد هواية النفخ/ في لصور القديمة/ كي نصنع للحصى قميصه الأخير/ قلب الفراشة أكبر من فكرة الأرض/ فلماذا نغير من خطانا في اتجاه البئر/ حيث سقطت تفاحة العميان/ حيث غزلوا صوف أحلامنا..."ص:53-54 من الديوان"، وفي كل هذه الأبعاد يستمد الشاعر منسوم نواة تمخضه الدلالي، حيث يستحضر النص لديه وظيفته الشعورية، من تلك التشكيلة الرامزة من المعادلات الذهنية والفلسفية المجردة، والتي تبني عوالم الشاعر منسوم الخاصة، مرتبة في حجر تليق بكاندينسكي حديث ومتحرر من كل قاذورات العصر التقليداني أو الخرافي.

نعم، لا بد من الاعتراف بملكة شعرية مغايرة، تنهل من مرجعيات عديدة ومتعددة، أثرت في وجدان الشاعر رشيد منسوم، وجعلته قادراً على خط طريق جديد، فيه رائحة محمود درويش، كما أمل دنقل، والمجاطي كما نير وداً، وبود لير كما صلاح عبد الصبور. وفيه من الثقافة ما يؤهله لإضافة متحينة للإبحار بعيداً في بهاء القصيد.

انظروا إلى قصيدته"صورتي شاعرا وصورتي قاتلاً" و قصيدة " لا تقرأ شعرا أمام الموتى" ففيهما ما يكفيانه لاجتراح صيرورة شعرية ذات دينامية متجددة. وأحسب أنه فيهما ينقل ببراعة لافتة حدود الشعر حينما يكون عاطلاً عن مزاولة مهمته الجسيمة، أو مغرداً في مزبلة الانهيار، وهو يواري سوأة نضوبه التأثيري، وتقلص قابليته وانكبابه على الركون في مآوي الضمور. ثم هو يوصي بعد كل ذلك بمحاولة الانفعال داخل الحجم الحقيقي للعوالم اللامرئية، حيث ثمة وجوه معتوهة لا تتأمل روابط الحياة ولا تتنفس متاعبها. وثمة أيضا ما لايتحقق أو يحقق جوهر الشعر، وهو يؤول الأشياء وينتهي حيث لا تنتهي سكرات الأموات، يقول الشاعر: "أيها الموتى/ اضغطوا على الزر/ فليس في قصائدي ما تحبون/ ليس هناك نخل لتورثوه أسمالكم الضيقة/ ليس هناك بئر لترمون فيه هواءكم الأخير/ وليس هناك نار لتخرجوا منها إلى ريح تضيق بكم"(ص: 51-52 من الديوان).

 

ثم إن هناك طعم آخر للذين يودون الحديث بلغات الأسماك، حيث أصداف البحر تهرب لزرقة تحت لحاف الهدير...

طعم لأسماك طائرة: التجاوز واستباق القطيعة كأني برشيد منسوم في ديوانه الأخير"طعم لأسماك طائرة" يعيد ترتيب أوراقه من جديد. فالإضاءات الشبقية التي أذهلتنا بالسلام والتسليم، لم تعد قادرة على لمس أفواهنا المشدوهة. تراجع القيظ الشعري برهة ليناشد حيوات الأعماق بدلافينها اللغوية النثيرة ذات المنحنيات الدافقة المتهدجة، وقروشها الضخمة التي تمضغ بصائرنا ونحن نهم بالاقتراب تواً إلى رأسها الكبير وفمها الشاهق الضخم. وتداعت المنحنيات التي تأخذنا في عز الظهيرة إلى مساحات مريبة غافية، حيث يستعر التأويل بحدة لم يسبق إليها. وهو فعلا تورط جميل، لكنه غير قابل للمراجعة والتراجع: " لأكتب إذن/ لأكتب شعرا يغتال غموضه/ لأكتب شعراً يولد من ظمأ السنبلات/ يولد من يتم دودة الأرض/ يولد من جدول الغزال ب"مشغن"/ فهل تذكرينه؟/ لأكتب شعراً يتدلى ببذخ من كأس العمر/ سرعان ما يتلاشى/ على مرآة الهواء/ علني/ أظفر بسحابة/ تستحق تلك العصافير/ التي تشرب من عينيك  سماء العشق/ ولم ترع الجوار...(ص: 36 من الديوان).هل هو توارد الخواطر، أم غليون من تصبيب البين يتمرأى في أغشية لا تروم شيئاً غير اجتثاث أفكار لا معلنة؟

وها هو الشاعر منسوم يجيب عن ذلك بدهاء لا يخلو من شاعرية:"هذا أنا/ أنا المتورط في خديعة انكسار/ زجاجة العالم/ أنا المتورط في خديعة الهيجان/ إلى حد الشعر/ ما جال في خاطري يوماً/ أنا أختطف فراشات المعنى/ من فوق الشاشة/ ولا أن أغرز أزميلاً في سنام ثور نيتشه/ تسونامي/ ليست دوماً حكراً على الطبيعة/ أنا الهالك أيضاً/ في فضيحة موجة النص اللامتناهي/ حين يرتقي البحر/ سلم الخسارات/ ليخنق حمائم الأوراق البيضاء...ص:40-41 من الديوان.

ولعله التجاوز الذي الذي يفضي إلى قطع هاجس المقاييس وجعلها رفضاً مفارقاً لطبيعة الكتابة، بصرف النظر عن مغايرتها ومفارقتها للمنحى العام الذي تذهب في اتجاهه القصيدة المنسومية. يقول أدونيس:"كل إبداع يتضمن نقداً للماضي الذي تجاوزناه، والحاضر الذي نغيره. وكل إبداع تجاوز وتغيير" وهو مسوغ معقول لادعاء تنامي لغة التجاوز في قصيدة الشاعر منسوم، خصوصاً مع تنامي انفلات المعنى في قصيدة "يد لاتكتب شيئاً" وقصيدة "كأني أمسح سحاباً عن ظهر الريح".

والتجاوز ليس معناه الاستحالة أو حتى التساهل في الاختيار والتبرير. بل هو تجنيس معياري لمفهوم الكتابة الشعرية. ولست أدري ما إن كان ذلك يطعم اتجاه الحداثة عبر خطها العبثي لتقبيل يد الأرض، عبر تلاقح لغة الشعر الخالصة بالمفردات التقريرية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حالة تلبس بوهيمي سرعان ما ينزاح، بعد استراحة الأسماك الطائرة؟

لامجال للافتراض، فالشاعر رشيد منسوم يتساءل في قصيدة "أنا لا أشبهك يا أيوب" قائلا: هل تكفيك قصيدة/ تشرب من خضرة عينيك حليب الخواء؟ هل يكفيك كثيب من الوهم/ ظل يكبر فوق كف الرياح؟/ كل الذين أحبهم/ غافلوا فاكهة الفصول/ ورحلوا/ على وهن."ص: 58- 59 من الديوان.

ولكنه بعد هذا الانكسار يستجمع قواه ويقول غاضباً وعاصفاً:

تبا لك ياحصان يدي الجريح

من الوريد إلى الورق

متسائلا، كيف أوقعت بك الأنثى في هذا المصيد؟

ولمن سأنشد اعتذارك الجميل؟

أللأشجار غابات القصيد

أم لشلالات مانهاتن

أم للقادمين من السحاب؟ (ص: 41-42 من الديوان).

ربما هو التجاوز المطلق الذي راهن على أكثر من جواب لحصر بنية شعرية يلهب أفقها النصي ذلك التجلي الغامر الذي يبعث في الصوت تهيجا دراماتيكيا حادا وإثارة حالمة، تريد وتبغي مأسسة منظور آخر لشعر لا يسلم ، بل يسالم دون اصطياد مناطق أخرى من عوالم لا مرئية.

                                                  * شاعر وصحفي من مراكش

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home