مقال

 

المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

أبو سعد بوشعيب



 

المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

أبو سعد بو شعيب

ماهية هذه المحبة:

يعرف الفلاسفة المحبة بأنها القوة الدافعة باتجاه المعرفة, والفاعلة في أساس الوجود, فهي الطاقة التي تتحرك فينا لنعرف, ونحن لا نفهم الوجود ما لم نكن نحب الوجود؛ وأجسادنا لا تتعاطف مع الحياة ما لم تكن تحب الحياة؛ والأم لا تحمل طفلها في أحشائها, وتعتني به, وتنشئه وتعلمه وتربيه .. وتتحمل المصاعب والآلام من أجل ذلك, ما لم تكن تحبه..

   إذن فمحبتي  لرسول الله (ص), يجب أن تدفعني  وتحفزني لمعرفة هذا النبي العظيم الذي كان آخر من اختاره الله الخبير العليم لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة, ومعرفة سيرته وسنته, وبالتالي العمل بمقتضى هذه السنة, والسير على المنهج الذي جاء به..

   ولهذا كانت محبة الله ورسوله أصلا عظيما من أصول الدين. فلا إيمان لمن لم يكن الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما. قال تعالى:{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.(التوبة/24)

ويقول عليه الصلاة والسلام فيما اتفق عليه الشيخان من حديث أنس(ض): (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار). وأيضا عن أنس(ض) , أن رسول الله(ص) قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين), أخرجه أحمد والشيخان. بل إن من تمام الإيمان, أن يكون حب المؤمن للرسول(ص), أشد عنده من حبه لنفسه. فقد روى الإمام أحمد عن زهرة بن معبد عن جده قال: " كنا مع رسول الله (ص) وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب, فقال له عمر(ض):" يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي(ص): (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك). فقال عمر:" فإنه الآن لأنت أحب إلي من نفسي". فقال له النبي(ص): (الآن يا عمر).

   ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التحفة العراقية: " محبة الله, بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان, وأكبر أصوله, وأجل قواعده. بل هي أصل كل عمل من أعمال الدين والإيمان".

    فعلا, فإن محبة الله ورسوله هي أساس الأعمال. فما من عمل إلا وهو ثمرة من ثمرات هذه المحبة. هذه المحبة التي هي

– بإجماع الأمة كلها – فرض واجب. يقول تعالى:{ ... فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ...}(المائدة/54). ومن شهد له محبوبه بالمحبة, فمحبته أتم. بل إن الله تعالى يقرر تفاوت الناس في ذلك:{ والذين آمنوا أشد حبا لله}

(البقرة/165).

   وفي صحيح البخاري أن رجلا سأل النبي(ص) عن الساعة. فقال له(ص): (ما أعددت لها)؟ قال:" يا رسول الله, ما أعددت لها من كثرة صلاة ولا صيام, إلا أني أحب الله ورسوله". فقال رسول الله(ص): (المرء مع من أحب, وأنت مع من أحببت).  

حقيقة محبة الرسول(ص):

إن حقيقة محبة رسولنا الكريم(ص), هي أن يظهر أثرها في كل تصرفاتنا, وفي كل سلوك نسلكه, ونحن نعيش حياتنا بكل دقائقها, آناء الليل وأطراف النهار. فبالله عليكم, كيف ندعي محبة الرسول(ص), وحالنا كما تعلمون؟ حياتنا في أغلب مظاهرها: عصيان تام لهذا الرسول, وتمرد على ما جاء به من شريعة عادلة, وعقيدة صافية, وآداب رفيعة, وقيم عليا... أي محبة هذه التي نتحدث عنها؟ ألستنا معه, وأفعالنا لا تمت إليه بصلة..!! أي محبة هذه لمحبوب, نجتمع في المناسبات العديدة لنترنم بمناقبه, ونشدو بسيرته, حتى إذا خرجنا إلى الحياة, فإذا بنا في أسواقنا وفي متاجرنا وفي مدارسنا وفي بيوتنا ومع أولادنا وفي جميع معاملاتنا وعلاقاتنا, تكون المسافة بيننا وبينه(ص), ما بين السماء والأرض: لا نلتزم بمبادئه, وآدابه, ولا نسير على هديه, ولا نحاول إحياء سنته, بل إذا رأينا هذه السنة وتلك المبادئ تنتهك فينا, لا تأخذنا الحمية ولا الغيرة.. فكيف – إذن – ندعي محبته وحالنا هكذا؟ وكان المفروض أن يكون(ص) هو قدوتنا وفيه أسوتنا الحسنة.

    إن كتاب الله العلي القدير لازال – وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- فينا غضا طريا, وكأنه أنزل حديثا. فقد تكفل الله سبحانه بحفظه:{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر/9). وحيث أن سنة الحبيب المصطفى(ص): القولية والفعلية, تشرح وتوضح هذا الكتاب المحفوظ, فإن الله عز وجل قد قيض لها كذلك من يحفظها ويصونها موثقة بالأسانيد الصحيحة..  فهل كلفت نفسك – يا مدعي المحبة – أن تطلع على هذا الكتاب الجليل وهذه السنة المطهرة؟ وإذا اطلعت عليهما فهل تدبرتهما؟ ثم هل عملت بهما؟ وهل ألزمت نفسك بتعليمهما: لأسرتك التي كلفت برعايتها؟

   فيا حسرتنا على ما فرطنا في حق هذه المحبة..!! فترى القوم منا يتنافسون في تتبع حياة أهل الفن والرياضة, ويصرفون في سبيل ذلك, الطاقات الهائلة, والأموال الطائلة, والأوقات الغالية.. امتثالا لرغبة إبليس وقبيله, من حيث يعلمون , ومن حيث لا يعلمون. وإذا سألتهم عن مقدسات دينهم: كتاب الله وسنة رسوله, وعن هذا الرسول الذي يدعون محبته, وعن سيرته, وعن أصحابه وتلامذته الذين – بحب محمد(ص) - هزوا عروش الأكاسرة, وغنموا تيجان القياصرة, وشيدوا حضارة مجيدة زاهية, عاشت عظيمة ثمانية قرون, وقامت على أساسها ما نرى من حضارات, وما زال نورها مشعا لحد الآن.. إذا سألتهم عن كل هذا, فلا يدرون جوابا.. وللأسف الشديد, فقد تجد الجواب عند من أعجبوا بهم, ولا غرو في ذلك, لأن أعداء محمد(ص),  والحاقدين عليه من اليهود والنصارى, درسوا تاريخنا وتمعنوا فيه, ووضعوا أيديهم على مكامن القوة في هذا الدين الذي جاء به هذا الرسول العظيم, وأخذوا العهد على أنفسهم, على أن لا تقوم لهذا الدين قائمة, ووضعوا الخطط والبرامج لذلك, ومنها تدريس تاريخ الإسلام والمسلمين, بالطريقة التي يغرسون بها العداوة والبغضاء والحقد في صدور ناشئتهم وتابعيهم ..

   نعم, إنني – باستعمال كلمة: ادعاء - لا أنكر وجود محبة الرسول(ص) في قلوبنا, ولكن, بما أن مفعول هذه المحبة لم يظهر علينا, ولم تسطع هذه المحبة أن تغيرنا , وتجعلنا كما يجب أن نكون, فإن الحديث عنها مهما بلغ, لا يعدو أن يكون ادعاء..

   حقا, إن الدنيا وطواغيتها قد دفنت هذه المحبة تحت ركام ضخم من الفتن.. فنسي المحبون طاعة المحبوب باتباع أوامره, وما جاء به من الأوامر, واجتناب نواهيه وما جاء به من النواهي, وأصبحت الدنيا كل همهم, ومبلغ علمهم..

   يا ليتنا نعمل للدنيا بكتاب الله وسنة رسوله! فديننا ليس دين الرهبنة, وهو لا يمنعنا أن نعمل للدنيا, ولكن هذا العمل يجب أن يكون بضوابط علمها لنا وحددها, بحيث أرشدنا أن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا, شريطة أن لا ننسى الآخرة, ونعمل لها مع العمل للدنيا وكأننا نموت غدا.. وهذا ما يؤدي إلى التوازن الذي لا تجده إلا في هذا الدين العظيم, هذا التوازن الذي تنشأ عنه سعادة الدارين, والقوة والمنعة التي تحمينا وتقينا ومقدساتنا..

   إن حب الدنيا – يا مدعي المحبة – فد أصابنا بالوهن, فتداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها, كما تنبأ بذلك الحبيب الذي ندعي محبته, عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. فعن ثوبان(ض) مولى رسول الله(ص) قال: قال رسول الله(ص): ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها). قيل: يا رسول الله! فمن قلة بنا يومئذ؟ قال(ص): (لا, ولكنكم غثاء كغثاء السيل, يجعل الوهن في قلوبكم, وينزع الرعب من قلوب أعدائكم, لحبكم الدنيا وكراهتكم للموت).

   وطبيعي ونحن نعيش حياة الذل والهوان, أن يتملكنا الإعجاب بهذه الأمم التي تداعت إلينا, وسامتنا أنواع القهر والإذلال, بما اكتسبته من قوة وتقدم وحضارة, أساسها من حضارتنا, فنطمع في رضاها, وأن تمدنا من عزتها, متناسين أن ثمن هذه العزة وذلك الرضا ثمن باهض.. ! إنه اتباع ملتهم, وخسارة الدنيا والآخرة.. قال تعالى:{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}(البقرة/120). هذا في الوقت الذي كان ينبغي – لو كانت محبتنا لحبيبنا صادقة -  أن نبتغي العزة في ديننا, فنطمع في رضا خالقنا وولايته ونصره.. وقد أكد هذه النتيجة, الفاروق عمر بن الخطاب(ض), وهو يخاطب قادة الجيش الذين فتحوا بيت المقدس, وهم ينتظرون وصوله لتسلم مفتاح المدينة, لقد خاطبهم

 - بعد أن لاحظ عليهم الإحراج والضيق, بسبب الطريقة التي وصل بها إليهم, ومعهم البطريرق الذي رفض أن يسلمهم المفتاح  - خاطبهم بكلماته الصادقة المدوية,  والتي سيظل صداها يتردد في سمع الزمان: " لقد كنا أذلة, فأعزنا الله بالإسلام, ولو ابتغينا العزة في غيره لأذلنا الله". وقد صدق حدس الفاروق عمر(ض), فها نحن نعيش هذه الحالة, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..    

تشخيص الداء وتعيين الدواء:

   للقيام بهذه العملية, وتلخيصا لما سبق, يكفي أن نعرض أنفسنا للفحص بالأشعة الكاشفة: أشعة القرآن الكريم وأشعة الأحاديث النبوية الشريفة, فنعود إلى ماهية المحبة لنكشف عن الداء, ونعود إلى حقيقتها لنصف الدواء, فنرى في ماهية المحبة أن الله تعالى قال:{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي الفاسقين}التوبة/24).

  وقال رسول الله(ص): (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما....).

  وقال(ص) أيضا: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).

  بل لقد قال(ص) لعمر(ض): (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك).

  إذن فداؤنا, أننا جعلنا آباءنا وأولادنا وإخواننا وأزواجنا وعشيرتنا وأموالنا وتجارتنا ومساكننا, أحب إلينا من الله ورسوله, بل في غمرة حب هذه الأشياء نسينا محبة الله ورسوله, وكانت النتيجة: أن حلت الدنيا في القلوب مكان الإيمان, وأتى الله بأمره, وصار حالنا إلى ما نحن فيه.. ونسأل الله عفوه وهدايته حتى نخرج من هذه الحال..

  وحيث أن الداء اصبح معروفا, فالدواء كذلك لا يخفى على ذي بصيرة وفهم, فنعود إلى حقيقة محبة الرسول, لنجد أن الله تعالى يقول:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}

(آل عمران/13).

   وقال رسول الله(ص): (إن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله, فأدوا إذا اؤتمنتم, واصدقوا إذا حدثتم, وأحسنوا جوار من يجاوركم)(حسن).

   وطوبى لمن أحبه الله ورسوله. فقد جاء في الحديث القدسي, أن رسول الله(ص) قالـ:( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: {إني قد أحببت فلانا فأحبه}. فينادي في السماء, ثم تنزل له المحبة في الأرض, فذلك قوله تعالى:{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يجعل لهم الرحمن ودا}). وفي رواية أخرى: (إذا أحب الله عبدا, نادى جبريل: {إن الله يحب فلانا فأحبه}. فيحبه جبريل. فينادي جبريل أهل السماء:(إن الله يحب فلانا فأحبوه). فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القبول في الأرض).

  وإذا أحب الله عبده حماه من الدنيا وفتنتها, مصداقا لقول الحبيب المصطفى(ص): (إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه, كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه)(صحيح).

  إذن فدواؤنا الذي يجب أن نخرج به من هذه الصيدلية العجيبة, والذي نعالج به مرضنا, فنخرج من حالنا الحاضر إلى حالنا الحقيقي المطلوب, أصحاء معافين متميزين, هو: الاتباع, ولاشيء غير الاتباع : اتباع سيد الخلق وخيرهم في سيرته العطرة وسنته المطهرة وما جاء به من رب العزة العظيم.

  وبديهي أن الاتباع يقتضي الطاعة: فلا اتباع مع العصيان.. ومن أحسن ما قيل في هذا الصدد:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه      هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقا لأطعتــــه       إن المحب لمن يحب مطيع

وبديهي أيضا أن من أطاع الله, فقد أطاع رسوله...فطاعة الرسول(ص) ملازمة لطاعة الله عز وجل.

   وإذا خفت أن يختلط عليك الأمر, وتتيه بك السبل, وتصاب بالحيرة في أمرك, فإني أقترح عليك نهجا يسيرا, هو عبارة عن سؤال خفيف المبنى, عظيم الفائدة والمعنى. إنه: [هل يرضى رسول الله(ص)]؟ فكلما وجدت نفسك أمام فعل أو رد فعل, أو اتخاذ أي قرار, أو أي تصرف أو سلوك .. عود نفسك, واحرص دائما أن يتبادر إلى ذهنك, وأمام عينيك, السؤال: هل هذا الفعل أو رد الفعل أو هذا القرار أو هذا التصرف أو هذا السلوك, يرضى عنه محمد(ص)؟ وكن على يقين أن محبتك الصادقة له, ستلهمك الجواب الصحيح.. وبحكم العادة, ستجد نفسك على النهج القويم..

 كيف كانت محبة الصحابة لرسول الله(ص)؟

   لتقريب الصورة أكثر: صورة محبة الرسول(ص), تعالوا بنا نستحضر صور محبة الصحابة الكرام لرسول الله (ص). فقد ضربوا أروع الأمثلة في التفاني في محبة شخصه الكريم, حتى فدوه بأنفسهم..

   فهذا خبيب بن عدي الذي وقع أسيرا لدى كفار قريش, وحبس لديهم أياما. ولما صلبوه, إيذانا باستشهاده, واجتمعوا حوله, كل يريد أن ينال شرف قتله, إذا بسيدهم أبي سفيان – قبل أن يسلم – يصيح به ويسأله: يا خبيب, أتحب أن تكون سالما آمنا في أهلك ومالك ومحمد هنا مكانك؟ فكان الجواب الصادق المرعب: " والله ما أحب أن أكون سالما في أهلي ومالي ومحمد(ص) يشاك بشوكة". فقال أبو سفيان كلمته الخالدة: ما رأيت قوما أشد حبا لصاحبهم من حب أصحاب محمد محمدا. 

   وهذا المغيرة بن شعبة ساعة دفن النبي(ص), تلهمه محبة حبيبه المصطفى(ص) أن يرمي خاتمه في القبر, ويطلب من الصحابة أن يتمهلوا, قبل أن يهيلوا التراب على الجسد الشريف, فيهبط إليه ويلمسه بعد أن أخذ خاتمه.. فكان بذلك آخر من لمس الجسد الطاهر الشريف .. وظل المغيرة يفتخر على الصحابة بقوله:" أنا أحدثكم برسول الله , أنا آخر من لمس النبي(ص)".

   ولمن لم يطلع على تاريخ أجداده الفاتحين الذين أحبوا محمدا(ص) المحبة الصادقة, أقول: إن المغيرة بن شعبة هو الذي دخل على رستم, نائب كسرى, مبعوثا أيام الخليفة الراشد, عمر بن الخطاب, وفي يده رمحه, يبعثر به الوسائد والفرش الوثير, وقادة جند الفرس كأن على رؤوسهم الطير, فلما وصل إلى حيث رستم, جلس معه على سريره, فتناوشه الحرس وأنزلوه بقوة، ومنعوه. فخاطبه بطمأنينة المؤمن وثبات الجبال, بكلمات أدخلت الرعب في قلوبهم, قبل أن يحين وقت اللقاء، قال لهم: "كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء, لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننتكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون وأن مُلكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول ... إلى أن قال(ض): لقد جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد..".

وفي غزوة بدر وقع أمر عجيب: فقد كان في يد النبي(ص) قدح يعدل به الصفوف، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف, فمسه النبي بالقدح وقال:(استوِ يا سواد). فقال سواد:  أي رسول الله, أوجعتني, فأقدني. أي أريد أن أقتص منك.. فكشف النبي(ص) بطنه وقال: (استقد يا سواد).  فاعتنقه سواد وقبَّل بطنه. فقال(ص):(ما حملك على هذا يا سواد؟"(قال يا رسول الله, قد حضر ما ترى (يعني الحرب), فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله(ص) بخير.

 ثم تأمل قصة أخرى تُعبِّر عن مدى حب الصحابة للنبي(ص): فهذا أحد الصحابة يعتزل المسجد ذات يوم, فلمَّا مرَّت بضعة أيام سأل عنه النبي -  وهكذا كان حال النبي المحب لأصحابه: يتفقد أحوالهم دائمًا, ويشاركهم أحزانهم وأفراحهم ويحمل عنهم همومهم -  فأخبر أنه قد اعتزل المسجد وجلس في البيتِ. فأرسل إليه الرسول(ص), فلما حضر سأله: ) ما حملك على اعتزال المسجد)؟ قال: " يا رسول الله, إني أحبك وأحب قربك, ولا أقدر على فراقك، وقد علمتُ أنك ستكون يوم القيامة في أعلى درجات الجنة, ولا أدري أين سأكون"؟ فقال له النبي(ص): "المرء مع من أحب".

أما فيما يخص نماذج المحبة لدى الصحابيات والتابعين, فقد كفتني أخت فاضلة مشقة البحث عنهم, ومما جاء في مقالها:

".. فهذه سيدتنا أم عمارة تباشر القتال في أحد، وتذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وترمي بالقوس حتى خلصت الجراح إليها، تعرض نفسها للسيوف والنبال..امرأة تقف صامدة مقاتلة خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويوم حنين، تقف سيدتنا أم سليم تتحدى الأعداء بخنجرها بعد أن انهزم المسلمون.. مستعدة للقتال والذود عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
   وكان من الصحابيات من وهبت نفسها ومالها وأبناءها فداءا لرسول صلى الله عليه وسلم، مثل سيدتنا أم سليم التي وهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم نخلات .فعن أنس ابن مالك قال: لما قدم المهاجرون إلى المدينة من مكة وليس بأيديهم, وكان الأنصار أهل الأرض والعقار, فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام, ويكفوهم العمل والمؤونة. فكانت أعطت أم أنس (وهي أم سليم) رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا (نخلات) رواه البخاري ومسلم.

بل وهبت أكثر من ذلك.. وهبت فلذة كبدها لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أنس قال:" جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هذا أنس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له". رواه مسلم. وفي رواية البخاري: فكن أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين.
    يواظبنني: أي يحرضنني على المواظبة والمثابرة. أمهات سيدنا أنس الطينيات: من أم وجدات .. وأمهات معنويات: من مرضعات وكل النساء المسلمات، كلهن حريصات على هذا الخير محبة فيه صلى الله عليه وسلم.

كانت الصحابيات يعرفن فضله وقدره وكرمه على مولاه, فكن لا يدعن فرصة للتبرك بشخصه الشريف إلا اغتنمنها بركة لهن ولصبيانهن: عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم, فينام على فراشها وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها, فأتت, فقيل لها: هذا النبي صلى الله عليه وسلم نام في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق واستنقع (اجتمع) عرقه على قطعة أديم(جلد) على الفراش, ففتحت عتيدتها(صندوق صغير تجعل المرأة فيه ما يعز من متاعها,) فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها. ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما تصنعين يا أم سليم)؟ فقالت: يا رسول الله , نرجو بركته لصبياننا. قال(ص): (أصبت), رواه مسلم.

وسار التابعون على خطى الصحابة في محبته وهيبته وإجلال قدره الشريف، ولنستمع إلى القاضي عياض وهو يتحدث عن الإمام مالك قال: وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه. وقيل له يوما في ذلك، فقال: " لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون: لقد كنت أرى محمدا بن المنكر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا بكى حتى نرحمه. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد (وهو الإمام جعفر الصادق من آل البيت) وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه. وما رأيته يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.

قال الإمام: ولقد كان عبد الرحمن بن قاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف من الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينه دموع. ولقد رأيت الزهري، وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه" ".

هؤلاء الصحابة والصحابيات والتابعون رضوان الله عليهم, أجيال القرون الأولى, هم الذين استطاعوا بمحبتهم الصادقة أن يكونوا سادة العالم وأساتذته, وأن يكون بفضلهم العالم الإسلامي: العالم الأول, وغيرهم: العالم الثاني والثالث والنامي والذي في طريق النمو والمتخلف...!! 

فلعل هذه النماذج من صور محبتهم, تعيننا على إزالة ركام الفتن الذي غطى وحجب عنا محبة الحبيب المصطفى(ص), هذا الركام الذي جعلنا بحق أدعياء, ونحن الأصفياء... فيتغير حالنا, ونسترجع مكانتنا في العالمين. وما ذلك على أريحتنا وشهامتنا ونخوتنا بعزيز. والله من وراء القصد.

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home