القلم النقدي

 

الشعر وحلم تغيير العالم

رهف محمد



 

الشعر وحلم تغيير العالم

 

رهف محمد

 

اقترن الإبداع الشعري  طوال التاريخ الإنسانى بالحلم بالتغيير ولم يحقق أي عمل الدهشة واستثارة الخيال إلا بالأتكاء على كل ماهو مختلف ومتميز في الأفكار والطرح والذي يقدم رؤية  مختلفة تحرك الأذهان وتدفعها للخلق. ولكن السؤال هو لماذا أرتبط التمرد الشعري بالنهايات المفجعة ؟

فمنذ الحركة الرومانسية التي اقترنت بالثورة على الكلاسيكية والتاريخ الشعري يشهد سقوط الشعراء صرعى لثوراتهم وتمردهم ورغبتهم في تغيير العالم نحو العدل والخير الإنسانى.

"كان بايرون من مشاهير الرومانسية وكان يقول بأن في نفسه شهوة لإصلاح العالم " ولكن حيويته المتفجرة وتمرده العارم لم يصلح العالم وإنما أطفأت روحه المنهكة.

أما"آرثر رامبو"رائد الشعراء الرمزيين انتهي إلى حافة المرض وعاش وحيداً بعد أن قطعت ساقه في مجاهل أفريقيا ومات بعدها بفترة.

وأما الشاعر لوترمايون "فلقد صب كل لعنانه  وأشواكه على العالم من خلال ديوانه "أناشيد مالدورو" الذى كتبه في سن الثالثة والعشرون وتوفى دون أن يراه مطبوعاً.

 "لوثرمايون"لم يحلم بتغيير العالم وإنما لعن كل القبح الذى فيه وبصق في وجهه بدون خوف وبشجاعة ثم رحل بهدوء.

وتجسدت ذروة  الحلم بالتغيير عند الحركة السريالية التي اعتقدت بقدرتها على تغيير العالم من خلال الفن المافوق الواقعي الذي أستلهم الحلم  وعالم اللاوعى فالسريالية هي التلقائية النفسية الخالصة التي يعبر بواسطتها سواء شفاهة أو كتابة . ولكن السريالية أيضاً لم تستمر وأنتهت كحركة ابداعية وأن استمرت ظلالها تستقى حتى الآن في جميع أنحاء العالم

 

أن سلالة الشعراء الحالمين بتغيير العالم وجعله أكثر جمالاً وأكثر عدلاً لم تعد كما كانت فما نقرأءه من شعر الاعتراف والتفاصيل الحياتية هو رثاء لذلك الحلم الكبير لتلك السلالة من الشعراء الكبار الذين مثلو جانباً نقدياً لمجتمعاتهم المختفية خلف الرتوش والأقنعة  ولكنهم أيضاً دفعوا ثمن حلمهم بتغيير العالم  ذلك الحلم الأزلي للشعراء الذي لم يعد يحمل سوى معنى طوباوياً.

فكيف للشعر أن يحلم بتغيير العالم إلى عالم أكثر تقارباً وفهماً وإنسانية وعدلاً في زمن الإعلام المعولم للأفكار وللتاريخ وللحضارات ؟

فهل أستنفذ التاريخ الشعري كل الأحلام التي انتهت إلى الانكسار والخيبات  وغربت الأحلام الكبيرة ولم يعد ثمة من حلم سوى مصالحة عالم تجاوز قبحه خيال كل الشعراء ، وهل كانت فكرة الشعراء في تغيير العالم إلى عالم أكثر عدلاً وإنسانية  ومحبة فكرة حالمة رومانسية وأكبر من أن يحمل رايتها  الشعر؟ مجرد  أسئلة قد تلوح فى  ذهن أي عاشق ومحب لعالم الشعر الإنسانى الجميل وأى متتبع شغوف بالقراءات الشعرية منذ بداية التاريخ الشعري القديم إلى عصرنا الحالي 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home