مقال

 

من لافريقيا ؟

رضا محافظي



 

 من لإفريقيا؟

     

رضا محافظي

في الوقت الذي تخطّى فيه العالم القرن العشرين و قام بخطواته الأولى في ساحة القرن الواحد و العشرين مستشرفاً مستقبلاً طموحاً يسبر فيه أسرار الكون المجهول و يجعل من السياحة الفضائية مشروعاً في متناول يد البشر ، هناك أنـاس في جنوب البحر المتوسط ، على سطح الكرة الأرضية و ليس في باطنها أو أعلى منها في الفضاء الخارجي ، يتهددهم شبح الجوع  وتتوعدهم السنون العجاف بالكثير من الألم . أناس تراهم يمشون المسافات الطوال ، لا يحركهم سوى رمق حياة قد يكون هو الأخير ، بحثا عن حبات قمح قليلة هي السبيل الوحيد للنجاة من هلاك محتوم ، و هناك على الطرف الآخر من الأطلسي تُرمَى الأطنان من القمح في البحر حفاظا على توازنات اقتصادية مقيتة .

 

   مليارات من الدولارات تنفق على التسلح و مليارات أخرى تنفق على بذخ العيش في عدد كبير من البلدان و بعض الشعوب من إفريقيا (مثل شعب الصومال) تواجه مصيرها لوحدها ، دون أن يكون لها حول أو قوة ، لا يأبه لها أحد و لا يتألم لألمها الآخرون ، تستجدي العالم - عن طريق الأمم المتحدة – أن يهبها و يتصدق عليها بمليونات معدودة من الدولارات كي لا تهلك من الجوع والعطش ، لكن استجداءها يأتي في آخر قائمة الاهتمامات لدَى مَن بيده زمام الأمور في هذا العالم . وكأن الشقاء قد كتب على هذه القارة منذ قرون . عشرات السنين من الاستعباد إلى عشرات السنين من الاستعمار و الاستغلال إلى عشرات السنين من الفقر و الجوع و التخلف ثم إلى هلاك وشيك لا يليق أن يلحق بالبشر في هذا الزمان بالذات .

 

   يبدو أن الزمن توقف في قارة إفريقيا منذ فترة طويلة ، و في الوقت الذي تَغازل فيه أنامل البشر النسائم المحيطة بالمشتري و ترمُق أعيُنُها سطحَه الأحمر و تبغي اكتشاف كُنهَه ، لا تزال قارة إفريقيا غارقة في بركة من الخرافات و طائرة ً على سحابة من الوهم في حالٍ أدنى بكثير من حال دون كيشوت الشهير ، و قد تركت مصيرها تحكمه أحلام مجدٍ ضائعة من جهة و جشع قُوى طامعة من جهة أخرى لا يتحرك فيها ضمير لبكاء طفل جائع و لا تََبتلُ لها عين لأنين مريض هزمه المرض و هدّ كيانه .

 

    ستبقى إفريقيا في أعين باقي العالم صورة لانهزام الإنسان المتخلف الضعيف و لن تكون أبدا في أعينهم عالما آخر به من البشر مثل ما بغيرها من القارات الأخرى . ستبقى إلى أمد غير محدد ضيعة تنزُّه أو منبع ثَراء أو مصرع ثيران أو حقل تجارب أو سوق سلاح ، و لن يكون لها ملاذ سوى في جهود أبنائها. على إفريقيا أن تقف على أرجلها بسواعد أهلها و أن لا تنتظر الرأفة من أية جهة في عالم متوحش صار فيه بنو البشر المتحكمون فيه أصناف غريبة .

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home