مقال

 

بورتريه : المبدعة المغربية زهرة رميج لوتس اليسار النبيل

عبد الرحيم العطري



 

عبد الرحيم العطري

من أقصى اليسار جاءتنا زهرة رميج ، معلنة على لسان ماو "أنهم لا يستطيعون وقف زحف الربيع" ، و مرددة بكل امتلاء مع بسيسو أن "الشارع الدامي لنا مهما رشوا عليه من جنود ". جاءت الزهرة الجميلة من أقاصي الحلم المغربي ، تحاور المسافات الفادحة خلال زمن الاحتقان و الاستثناء ، تلتسع بالجمر و تختنق بالرصاص، و تنبعث من رماد الأيام المكلومة كما الفينيق في الزمن الغابر .

 بالشعر تارة، و بالقص اللذيذ مرة ثانية، و بترجمة نصوص الآخر آفاقاً أخرى، تمارس الزهرة اعتصار الرحيق و منح الحياة ، تحاور المنطق الأعمى لوطن لا يجيد إلا صناعة الرحيل ، رحيل في الزنازن ، و آخر في مقبرة المتوسط ، و غيره لا معروف في الغرف السوداء ،لهذا كانت زهرة رميج منذ انغمارها الأول في عوالم الكتابة منشدة لأغنية الحياة ، حالمة بالربيع و الشارع و الجرح الفاغر فاه.

في أحضان السماعلة و بني خيران نشأت المبدعة زهرة رميج ، مكتنزة في أعماقها تاريخ منطقة خبرت النضال و الاستماتة ، سافرت برفقة "ألف ليلة و ليلة" و تابعت متاهات " سيف ذو يزن"،  هناك رضعت البداوة و البساطة و تمثلت المعنى المفترض للانتماء و الالتزام . من خريبكة ثم وادي السباع ( واد زم ) ارتحلت نحو البيضاء لاستكمال فصول التعليم الثانوي ، لترتحل مرة نحو فاس ، لتغرق في دنيا الأدب و اليسار النبيل .

بالحرم الجامعي ستهاجر هذه المرة نحو الألق الماركسي ، و ستختبر مفهوم الالتزام و النضال واقعيا، في عز القمع و التنكيل ، هناك لن يصير للحياة معنى، بعيدا عن الثورة و التغيير الجذري . في أحضان الماركسية اللينينية نمت الزهرة رميج و فاح أريجها العطر ، كاشفا عن كثير من الشاعرية المعتقة، لقد رضعت من أثداء الألم و خبرت النضال في ابتهاج الحجر و المحو ، كانت آلة القمع مكشرة عن أنيابها في وجه كل من أخلص الحب للوطن ، كلاب الحراسة ، محاكم التفتيش ، مطاردة الساحرات و الحرس القديم بالمرصاد لكل من سولت له نفسه عشق هذا الوطن ، لأنهم يريدون خلق جيل من الضباع كما قال محمد جسوس ذات زمن بعيد .

 في سبعينيات الانقلابات و سوء الأحوال السياسية بين القصر و الحركة التقدمية ، سيتعرض الحي الجامعي بفاس لهجوم شرس نفذته الأجهزة القمعية ، سيتم إلقاء القبض على الزهرة الماركسية ، و سيخلى سبيلها بعد حين ، لتستمر في التحصيل المعرفي إلى أن امتهنت التدريس ، لتعود مجدداً إلى البيضاء ، و إلى ثانوية الخنساء تحديدا ، تعلم طلابها دروسا في العشق الوطني قبل الدرس الأدبي المفروض قسراً عبر المناهج الدراسية .

خلال زمن البيضاء المختلف كانت المبدعة زهرة رميج تلتحف عباءة الشعر و القص الجميل ، تكتب مسارات الفداحة و الخسران العميق ، بالشعر تطرد الألم و بالقص تواصل الاختيار مع رفيق العمر الذي أهدى حياته للنضال و التشظي من أجل البروليتاريا المنسحقة جراء التفقير و التهميش.  مع رفيق الدرب الراحل خطأ ستكتب زهرة اللوتس سيرة الاحتراق حباً في الوطن ، لتراكم في الأعماق تجارب الإنشراخ ، و تعنف بين الضلوع المكلومة أريج الكلمة و رحيق الحياة، إلى آن أوان الحكي ، فكان الإنكتاب و الخروج الجميل بإعلان الانتماء لخرائط المبدعين ، كانت منذ البداية و الحكاية تنشد مع درويش و هو يقول بملء الأمل و الانهيار " يا نشيد ، خذ المعاني كلها ، و اصعد بنا جرحا فجرحا، ضمد النسيان ، و اصعد ما استطعت بنا ، إلى الإنسان " ، لهذا بدت أكثر انتصارا لسؤال الإنسان ، و أكثر انشغالا بتفاصيله الدقيقة ، لأنها تعي جيدا كما درويش أن " الحروب تعلمنا أن نحب التفاصيل " ، و أن يظل الإنسان فينا يقظا و حاضرا في الحكي و الحلم و كل التفاصيل .

لقد اختارت الحكي القصير كجنس أدبي للتعبير عما يعتمل في مجتمع الفاقة و التهميش ،لأنها تنحاز إلى معاناة الذين هم تحت . و لأنها الزهرة الخبيرة بمنطق الحقول و الربيع ، فقد حكت لنا " أنين الماء " بدلا من خريره و انسيابه ، اختارت معانقة الأنين و الحزن امتعاضا من آلة القتل و التدمير . استجارت بالحلم هربا من عفن الأيام ، تخلق الشخوص، تؤثث المكان ، تسافر في الأزمنة القريبة / البعيدة ، تربك الأحداث ، تدفع بها إلى جنون التركيب ، دون أن تنسى ترميق كل التفاصيل .

بعد الاستماع جيدا لأنين الماء ، ستواصل المبدعة رميج الاشتغال في صمت صوفي على ترجمة النصوص العميقة ، ستترجم أشعار عبد اللطيف اللعبي ، و ستهدي القارئ العربي" تمارين التسامح" و" قاضي الظل" تباعاً ،كما ترجمت لكل من بهاء طرابلسي و نفسية السباعي " امرأة ليس إلا " و عشيقة من الريف " على التوالي .

و لأنها قادمة من قارة السؤال و النقد ، فقد تساءلت مرة أخرى في خروج إبداعي جميل " هل تغرب الشمس حقا ؟ " ، فها الربيع الذي وعد به الرفاق ما زحف معلناً نهاية  الخريف و الصقيع ، و لا الشارع  الدامي صار لنا ، بل صار لهم مع احتدام آليات التدجين و الاحتواء للرفاق المعتقين ، فهل تغرب شمس الزيف حقا ؟ و هل يرحل الخبث الطافح،و يأتي غودو المنتظر ؟

إنها تتبرم دوما من نسوانية الحرف ، بل ترفض أي تصنيف جنسوي للكتابة ، الإبداع عندها لا جنس له ، يعبر عن الإنسان فقط دونما اعتبار لاختلافه البيولوجي ، هكذا موقف ليس غريبا بالمرة عن بدوية موغلة في البداوة ، لم تزدها الأسفار الطويلة في متاهات الوطن إلا اعتناقاً عميقاً للبساطة ، لم تسرق منها المدينة ،فائق الانسيابية و منتهى الضحك الطفولي . الكتابة قدر و شرط انتماء ، الحرف التهاب و مداد حياة ، لا يكون مشروطا بتاء التأنيث ، ليعبر و يربك الحسابات ، يكفيه أن يكون مخلصا للقضية ، مشرقا في وجه الظلام ، محرضا على الحلم و التغيير .يكفيه أن يكون إبداعا من رحيق المعاناة و ندى الفجر الجميل . هكذا تتمثل كتابة الإنسان لا الذكور أو النساء ، و هكذا تواصل زهرة اللوتس بهاء القول ، تبشر بالربيع الزاحف ، بالشارع الدامي ، باليسار النبيل ، بغودو المنتظر ، بالإنسان بكل العنفوان .

تنشد و تردد أحلى نشيد على درب الحكي و الشعر و الترجمة و ما نعرفه و لا نعرفه من أجناس القول ، تظل اللوتس زهرة الغد الجميل ، بشارة الزمن العذب ، بلسم الجراح ، و بسمة في وجه الخراب و فزاعات النحيب و مشانق الرحيل ، تظل الزهرة رميج مبدعة قادمة من قارة الإنسان الجدير بالإنسان ، سائرة في حقول الربيع / الحلم ، ابتغاء المفازة القصية ، تظل دوما مخلصة للحب ، و منشدة لشموخ الإنسان . لأنها اللوتس قبل موعد الربيع.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home