قصة

 

الحكاية

ابراهيم عثمان



الحكاية

 

     كانت الحكاية قد انتهت منذ يومين تقريبا..أو هكذا خيل لي.. ولا بأس  أيها السادة أن أعيد على مسامعكم بعض تفاصيلها المملة.     

    هكذا كنت أظن.. وهكذا وجدت نفسي أتعامل بحذر شديد مع هذه القصة.

  رغبة مجنونة كانت تقودني الى ساحات العرض، لاستمع الى أحد الرواة القادمين   من الجنوب. كان يروي قصصا طريفة ومسلية.. مصحوبا بكمانه وجواده   وبنديره.  هكذا أنا.. وتلك هي عادتي أيها السادة.. كنت ومازلت مولعا  بالحكي وتقليم أظافري قبل النوم.. ولا بأس أن أذكركم بوظيفتي التي لم أهنأ بها    أكثر من يومين.

    في اليوم الأول استقبلوني عند باب الشركة.. وفي اليوم التالي أنهوا خدماتي بمرسوم وزاري شاركت في صياغته نقابة العمال المسرحين.

        يومها بكيت طويلا وحاولت ان انتحر.. مواطن صالح كلف بمراقبتي منذ

 سنتين تقريبا.

  طلبت منه احدى الجهات أن يترصد حركاتي في الذهاب والإياب..و أن يدرس همساتي  وسكناتي انطلاقا من نظريات علم النفس الإجرامي. سجل ذات يوم في مدونته بقلم  أحمر" هذا الرجل  يشبه ديناصورا يعيش في غابة من  الأسمنت". كانت هذه العبارة كافية لكي تجعل مني بين عشية وضحاها رجلا يخيف الأنظمة والدول..رجل يخيف الخناجر والسكاكين والدبابات والصواريخ وكذلك القنابل العنقودية وجميع الأسلحة النووية..

     هكذا سمعتهم يتحدثون، أو هكذا خيل لي.أو هكذا قرأت في صحيفة يومية  لا أذكر اسمها ، ولا أعرف من يحررها. كتب ذات يوم محررها في عموده وبلغة  ركيكة ما نصه :" في طريقها الى الغابة عثرت راعية على بقايا ديناصور بجبال بني  صالح ". في اليوم التالي كتب محرر آخر معلقا على هذا الخبر  الذي هز فضول الناس قائلا:" صحبة فرقة من الدرك الوطني وعالم  انثروبولوجي..  انتقلنا الى عين  المكان ، حيث قام العالم رفقة فريق من الخبراء بمعاينة الجثة .. وفي ندوة صحفية مشتركة نشطها حارس الغابة نيابة عن مديره قال :" كنا نتوقع ظهور هذه الحيوانات  المنقرضة من جديد خاصة في البلدان التي تكره الشمس الظهور بها.

  لذلك فاني عندما حاولت أن أضع  حدا لحياتي، أجهضت المحاولة وبلغ عني قبل  أن أتمكن من لف قطعة الحبل حول عنقي.

   أحد القضاة قال لي وهو يستجوبني في قاعة الجلسات:

- أنت مجرم بالفطرة !.

- أنا بريء .أنا لست مجرما يا سيدي.. أنا رجل يعشق الحياة ويتفنن في عشقها.

- أنت مجرم لأنك عندما لم تجد من تقتل قمت بشنق نفسك!.أليس كذلك؟!.

- لقد سئمت الحياة، لذلك قررت أن انتحر..لم أجد ما آكل أو أشرب...هذا

 كل ما في الأمر.

 صوت آخر قال لي بلهجة حادة وصارمة:

 - من الذي أذن لك بالانتحار؟!.

 - إن الانتحار هو من سمات الرجال العظماء الذين يتركون فكرهم في هذه الحياة،

       ويمضون لاكتشاف عوالم أخرى ينظرون لها.فريديريك نيتشه انتحر هو            الآخروكذلك  لويس التوسير وجيل دولوز. 

    ضحك القاضي طويلا من هذه التبريرات الميتا فيزيقية..ترك مقعده ..

    اقترب مني .. أخذ يدور من حولي ..تحسس أطرافي بقلم كان يمسكه.

    عاد الى مكانه حيث يجلس مستشاراه..طلب من المستشار الذي يجلس

    الى يمينه أن يقدم له الصحف التي تناولت انتحاري بشيء من الدهشة والريبة

    قال لي من جديد: لماذا حاولت أن تنتحر؟.هيا تكلم فالسكوت لن ينفعك  هنا.

   - أنا لم انتحر وانما فكرت فقط في الانتحار.. أردت أن امتحن شجاعتي.

     هل هناك من مانع يا سيدي؟!.

     - تمتحن شجاعتك أم تدين غيرك.

     قال هذه الكلمات ثم رفع الجلسة وخرج من الباب الخلفي .

      بقيت قابعا داخل قاعة الجلسات أفكر بكلام القاضي ..كانت نظراته

    قاسية.وكان منطقه مجردا من أي حس انساني.كان يكيل لي تهما قاسية

   جدا .. إحدى هذه التهم :"أنني واحد من كبار الإرهابيين  ايغالا في الإرهاب"

     كانت القاعة تروح وتجيئ..وكانت صورة الميزان الموضوعة عند رأس القضاة

 قد مالت كفتها نحو الشمال.

    صحف الصباح كتبت بالبنط العريض على صدر صفحاتها الأولى: "مواطن  يغتال نفسه بقطعة حبل داخل المحكمة والنيابة العامة ما تزال تحقق معه منذ  شهرين دون أن  تتمكن من استدراجه الى الانتحار مرة ثانية".

     تضاربت الأقوال بشأني كثيرا..اختلط الحابل بالنابل.   

  سكان الحي الذي كنت أقطنه ظلوا يتحدثون عني لمدة شهرين.. وعندما  طالعتهم الصحف بجريمتي تناسوني في يومين.

   والدي المسكين طرد هو الآخر من العمل قبل وفاة والدتي بيومين فقط.. خالي وعمي هما من تكفلا بمراسيم الدفن وتقبل العزاء نيابة عني وعن والدي.

   الاطباء أجمعوا في تقاريرهم الطبية بعد أن شرحوا جثتها بأنها ماتت موتة طبيعية.

    أما عرافة الحي فقد فندت مزاعمهم العلمية على طريقتها الخاصة.. نظرت الى  كفها طويلا، ثم رفعتها في وجه الشمس وقالت متحدية الطبابة والأطباء:

 - ألم أقل لكم أن جارتنا المسكينة ماتت وهي تحلم بمسكن ووظيفة ودراجة  وتلفاز.. هكذا هي العجوز بغدوشة.

    الناس هنا لم يصدقوا صدق تنبؤاتها إلا عندما عرفوا منها أن شقيقي الأكبر قد  هاجر على ظهر سفينة محملة بالدواب والكلاب.

    كانت السفينة متجهة قبل أن يعلنوا عن غرقها في احدى الجزر البعيدة التي تقع  على طرف الكرة الأرضية غربا إلى أستراليا.

   هكذا أعلنت مصادر الارصاد الجوي قبل أن يتحول الجو الى جسد امرأة باردة   يصعب التكهن بهزاتها العنيفة وبدرجات حرارتها المرتقبة للموسم الصيفي  المقبل. 

   وقبل أن يصل خبر وفاته الى قبيلته المدفونة في إحدى الأحراش الجبلية القريبة من

 جبال هوارة..كتبت صحف الصباح الصادرة في المهجر تعاليق رزينة ومسؤولة.

   صحيفة ناطقة باللغة الاسبانية كتبت على صدر صفحتها الأولى الموشاة يخطوط عريضة:" بينما كانت السفينة المحملة بالدواب والكلاب تقترب من الميناء..قفز منها شاب في عرض مياه البحر فتلقفته حيتان القرش، ومزقته  بأستاتها الحادة ".  

   أما صحفنا المحلية، فإنها ولأسباب أمنية وأخرى أخلاقية امتنعت عن التعليق ما عدا واحدة كتبت تقول:"قبل أن يتمكن الشاب الوسيم من الغطس والتسلل الى  الميناء في ساعة متأخرة من الليل.. تمكن حراس الشاطئ من افراغ رصاص  بنادقهم في جمجمته وظهره. وبعد أن فحصوا جيدا أوراق هويته المبتلة ، تبين لهم  أن هذا الشاب كان ينشط ضمن مجموعة إرهابية تشتغل بتهريب الأسلحة وتبييض الأموال" التي تأتيها عن طريق المخدرات.

   وللتعليق على هذا الحادث كتب صحفي في عموده اليومي هذه الكلمات:"ان ما  لا يمكن أن يفهم في هذه الروايات الكثيرة التي تروى في غالب الاحيان بصيغة المتكلم هو عندما يموت الجزائري هروبا من الخوف والجوع والحقرة يتهم بالارهاب  وتبييض الاموال.  

   لكن والحق يقال أن جميع التعاليق التي قرأتها كانت بعيدة عن الصواب بعض الشيء ما عدا تعليقا واحدا قرأته في صحيفة وطنية محايدة..كتب صاحبه يقول:

يبدو أن هناك من المفكرين من يملك عبقرية الاستشراف.. فها هو الفيلسوف الفرنسي الذي عايش الثورة الجزائرية كمجند وأسر من طرف مجاهديها ثم أطلق سراحه قد اعتنق الاسلام فيما بعد.. والغريب في الامر ان هذا الفيلسوف يعزو اعتناقه للاسلام الى هذه الحادثة.

   كان هذا الكلام قد كلف الصحفي الذي كتبه سبعة أشهر سجنا مع غرامة مالية  وتعليق صدور صحيفته لمدة يصعب التكهن بها، الشيء الذي جعل رفاقه يتقمون عليه، لأنه عرضهم وعرض أسرهم الى البطالة بمقالة لا تسمن ولا تغني من جوع.

   كل شيء أصبح ممكنا في هذه البلاد.. ولا أحد بامكانه أن يدعي الحياد ازاء  هذه المجازر التي ترتكب هنا وهناك. الأخبار لا تسر والطرقات المحروسة  صارت أكثر عرضة للمشادات والمناوشات والتحرشات..المداشر والقرى والأرياف النائية أصبحت خالية تتراكض فيها الذئاب والضباع بحثا عن فريسة مذبوحة، أو مشضاة.

   راعني أيها السادة أن أتذكر هذا المشهد المخيف قبل أن أعثر ذات مساء، وأنا  أتجول بالقرب من شاطئ البحر على جثة ابن خالتي مريم الذي أخنطف من بيته   منذ شهرين  مدفونة في الرمال، ورأسه معلقة فوق عمود كهربائي مغروس في  الاسمنت .

    كانت عيناه مملوءتين بالرمال، وأنفه مجدوعا، وأذناه مقطوعتين، وأسنانه

 مكسرة ، وشعره الخروبي محروقا، ورقبته مذبوحة ، وصدره ملطخا بالدماء.

   حاولت أن أتسلق العمود الكهربائي وأنزله، لكني لم أستطع.. استنجدت بالمارة

 طالبا مساعدتهم، ففروا هاربين من هول الفاجعة.. اقترب مني سائح ألماني

 وسألني قائلا:

- هل تسمح لي بأن آخذ معك صورة تذكارية؟!

- أخذ صورة مع ميت تحرمه الشريعة والأعراف!.

- مادام هذا حرام لماذا يقتل بهذه الطريقة البشعة ؟

- لا أعرف !.. لكن أذكر أني قرأت لفيلسوف غربي وأظنه روجيه غارودي

 قوله:" كيف يعقل أن لا يكون الجزائري ارهابيا، وهو الذي مورس عليه الارهاب

 لأكثر من قرن".

   سكت الرجل قليلا ..ابتعد مسرعا.. جاء آخر وقال:

- والتمثيل بالأموات ألم تحرمه الأديان والقوانين والفلسفات !.

  شعرت بالخزي والعار يتكاثفان في داخلي..طأطأت رأسي أرضا كمن يبحث

 عن ابرة في كومة من التراب عندما لم أجد جوابا مقنعا أرد به على أسئلة هذا

 الرجل الأشقر الطويل ذي العينين الزرقاوين، والأظافر المتسخة.

   بدأ الناس يهجرون الشاطئ.. سارعت الى تركه أنا أيضا قبل أن تورطني

 جثة ابن خالتي في قضية فقهية جد معقدة.

   كانت رائحة الجثة قد بدأت تملأ الشاطئ منذ يومين نتونة.. وفي عرض البحر

 كانت السفن تراقب المشهد في حذر عن طريق ما تحدثه الأمواج من صخب عند

 ارتطامها بالصخور.. وكانت اشجار النخيل بعنفوانها الصحراوي تغازل  الزيتون المغروس على طول امتداد الشاطئ الفضي الذي يضم المدينة الى صدره كما تضم  الام  الحنون وليدتها.. وكانت صورة ميرسول وهو يضع يده على مسدسه خوفا من ظهور ذلك العربي المتعجرف أخذت تتراقص أمام عيني .. أصبت بدوار شديد وأنا أتخيله يجوب الشاطئ طولا وعرضا بحثا عن رجل عربي تجاسر على  صديقه  الفرنسي.

  صدقوني أيها السادة منذ أن قرأت تلك الرواية الغريبة التي احتفى بها النقد

 الادبي الحديث وأنا أتصور نفسي مجندلا في إحدى الطرقات أو الشواطئ والديدان

 تنهش أنفي وفمي، والذئاب والكلاب تتقاتل فوق جثتي.

   كان مؤلفها رجلا موهوبا اشتهر بمواقفه الانسانية والسياسية، وبحبه لطبيعة الجزائر الخلابة التي تغنى بشمسها وهوائها وآثارها، وعشق نسائها الجميلات ، وساح في زرقة بحرها اللازوردي في أعراسه التي أقامها في كل من جميلة وتيبازة. 

   كان لهذه الامكنة سحرها الصوفي.. فالأولى حسب رأيه:" "ترمز عندئذ  الى أمثولة الحب والصبر التي يمكنها أن تقودنا الى قلب العالم النابض".. أما الثانية   فهي"تسكنها الآلهة، والآلهة تتكلم بحديث الشمس ورائحة الافسنتين، والبحر المدرع بالفضة والسماء الزرقاء اللاظية ، والخرائب الملتحفة بالازهار، والنور الذي يتدفق تدفقا عظيما بين أكوام الحجارة".

  تلك هي كلماته الجميلة.. لكنه عندما حاول أن يرتكب جريمته الأدبية، أشرك   فيها جميع هذه العناصر من شمس وبحر وماء وهواء ونساء..ربما ان نيته كانت بالدرجة الاولى  تشويه هذه الارض ووسمها بالعار.  

    كانت رصاصة واحدة كافية لاسكات هذا الجسد النابض بالحياة. هذا الجسد العربي المستلقي على ظهره فوق صخرة كانت تلوح من بعيد في عرض هذا  البحر ذي الشاطئ الفضي الجميل الموغل في صخب الأمواج واصطفاق الحيتان .

   ها هو ذا يتوسد يديه ملتصقا بالأرض عندما اخترقت جسده  أربع رصاصات انطلقت من مسدس رجل سيحاكم بتهمة الالحاد لتناوله سيجارة في حضور جثمان والدته المسجى في معرض الجثث بدلا من القتل المتعمد.

   شيئ غريب أن أتذكر اليوم هذه التفاصيل عن جريمة أدبية ظلت تتواصل معي.

 تثقب ذاكرتي المولعة بالسباحة ضد التيار.. ولا بأس أن أعلن اليوم وبقوة عن

 وجودي الذي يعود لأول اغتيال حدث لأول رجل في التاريخ.

   كان جدا لجميع الرجال الذين عرفهم التاريخ قبل أن تسكنه ضربة  فأس هوت

على رأسه من شقيق .. حدث هذا في غفلة وبدافع الغيرة..هكذا تحدثت الأناجيل وكتب التاريخ وموسوعاته.

آه  أيها السادة !..كيف لي أن أفسر هذا العشق الأبدي الذي يزرع الأمكنة

خوفا وموتا.. تلك كانت رؤية أخرى .. وربما أننا لا نستطيع أن نعيش في جميع الأحوال دون خوف أو موت .. ولكي أكون واضحا معكم أكثر دعوني أروي لكم    

هذه القصة التي عشتها في بلدتي قبل أن أفر خوفا من الموت.

  كان لي ابن خالة يسكنه حب أبدي للبحر.. ومن قبل كان ذلك العربي الذي

ألف حول اغتياله كاتب فرنسي ولد فوق هذه الأرض التي حولته الى فنان  مشهور بفضل طبيعتها الخلابة رواية نالت نجاحا باهرا في دنيا الأدب والفكر.. كان المسكين يتجول على شاطئ البحر..وفجأة ظهر له رجل في كامل أناقته ..أخرج

مسدسا من جيبه وبأعصاب هادئة أفرغ في رأسه أربع رصاصات ومضى.

وللتعليق على هذا الحادث قال أحد المهتمين بالشأن الجزائري آنذاك ..كانت رصاصة واحدة كافية لإسكاته إلى الأبد.

وقال آخر: كانت  كل رصاصة من الرصاصات الأربع قد وجهت بعناية شديدة

الى عناصر تكوين شخصيته.

  النقاد الذين تناولوا هذه الرواية الغريبة بالتحليل لم ينتبهوا إلى هذه الفكرة  يومها

وإلا لوصفوا قائلها بالإرهابي..أكثرهم ذكاء اشار إلى فكرتها الفلسفية  متناسيا

أن هذا الفعل الاجرامي الذي أهملته المحكمة عند محاكمتها للمجرم بتهمة الالحاد

سيتطور مع مرور الزمن وسيصبح آلة تحصد الأرواح مجانا.  

 هكذا صرحت عرافة الحي ايها السادة وهي تنهض واقفة أمامي مجسدة  في

جثة ابن خالتي الذي اقتيد من بيته ذات مساء صيفي حار، وجيء به إلى هذا الشاطئ المهجور الذي  يقضي فيه جزءا من أيام الصيف والشتاء ,

سابحا مغازلا متأملا الأمواج والطبيعة.

  وضعوا رأسه فوق حجر كان مرميا هناك على حافة الشاطئ الممتد بين

أمواج البحر وأشجار السنديان والزيتون..تداولوا فيما بينهم كلمات غير مسموعة قبل أن يعطي كبيرهم أوامره لواحد من أعوانه أن يقيده جيدا، ثم يجهز عليه بمدية حادة.كانت موتة بشعة منفرة حقا.

  في المساء تجمع سكان الحي الذين تعودوا أن يتحلقوا أمام بيتي ليتسمعوا الي

بشغف شديد وأنا أتفنن في سرد الحكايات الواحدة تلو الاخرى لعلي أنسيهم في

مآسيهم وأحزانهم.  

 قبل أن أنهي حكايتي سمعت أصواتا  قادمة من الشارع الخلفي الذي شهد أول جريمة قتل .كان الرجل المقتول أشبه بتفاحة يانعة..خرج من بيته باكرا لكي يصل الى مدرسته ..توجه الى محطة السيارات..أخذ مكانا الى جانب السائق..وفي

الطريق الرابط بين شيحاني والدرعان ، أحس بحركة غير عادية..التفت الى الوراء..تحسس مسدسه الذي أعطي له للدفاع عن نفسه..تذكر أن اسمه قد ظهر أكثر من مرة على إحدى القوائم المطلوبة للموت.. سارع الى إشهاره..لكن صاحب المحشوشة كان أسرع منه ..طلب من السائق أن يركن السيارة  إلى اليمين ويتوقف..أنزل طريدته ..ثم أمر السائق بأن يبلغ الشرطة ورجال الدرك.  وبعد أسبوع اكتشف شاب من سكان حي سيدي مانع رأسا مرمية على الطريق.. اقترب منها.. صرخ مذعورا :

- قتيل ..قتيل أيها السكان!.

  كالطوفان خرج الناس .. وكالطوفان عادوا الى بيوتهم مذعورين خوفا من

الصاق التهمة بهم. لكن هذه المرة لم يصدقوا أن ابن خالتي وهذا المدرس قد قتلا

بنفس التهمة التي قتل بها ذلكم العربي وفي ذلك اليوم القائظ الحار، الا عندما اكتشفوا أن نتونة جثة ابن خالتي ورأس هذا المدرس بدأتا تفوح رائحتهما من قصصي . عندئذ قرروا اعدامي بتهمة أني راو.. راو يسرد قصصا تطفح

بالحزن والأسى ، ليذكر الناس بخلافاتهم الوهمية حول حقهم في العيش في هذا

الوطن الجميل الذي يتسع للوطنيين والقوميين وللاستئصاليين وكذلك الأصوليين  .

 كانت نيتي أيها السادة أن أنسيهم أحقادهم وأضغانهم وأن أبعدهم عن تلك الأسئلة المجنونة التي راجت في السنوات الأخيرة حول فكرة من قتل من؟ ولماذا قتل ؟ وكيف قتل؟ ومتى قتل؟وهل من أمل في أن ننتصر على أحقادنا؟ وهل من علاقة

لما يحدث من تدمير وتخريب بالثورة  ورجال المقاومة ؟.أسئلة كثيرة تجذرت في داخلي . أخذت تكبر معي وتطاردني من زمان الى زمان .أحد هذه الاسئلة هو : لماذا لا نكتب التاريخ بمنهج التواصل مع الاجيال بدلا من هذه المناهج المستوردة من مؤرخي الاستعمار ومستكتبيه.

 الفكرة رائعة أيها السادة.. لكن من سيعمل على تحقيقها ؟..أحسستت بخنجر

حاد ينغرز في خصري قبل أن انهي الحكاية.

  انصرف الناس الى بيوتهم .. حاولت أن أجد قاعدة فقهية أو نظرية علمية أحتكم إليها في حيرتي هذه ؛ فوجدتني أحكم على نفسي بالإعدام دون

أن أكون متحزبا أو مجرما أو قاتلا أو خائنا.            

.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home