قصة

 

العنقاء

محمد المنصور الشقحاء



                                 

 

 

 صالح , اكبر الأبناء عرف بصمته وغموضه، والقيم على منا شط والده الزراعية والتجارية، كما انه كاتب رئيس المركز الذي اتخذ من القرية النائمة في حضن الصحراء وبين جبال بركانية تطامنت قممها حتى تتفجر ينابيع المياه وتكثر المزارع وأحراش المراعي مملكة خاصة، تزوج صالح ابنة عمه شيخ القبيلة التي تنتسب لها أسرته معيدا العلاقة المنقطعة داخل الأسرة إلى تلاحمها، بينما كانت زوجة والده الأخيرة تنمي حس المواجهة في أولادها الجيل الثالث في الأسرة لمقاومة سيطرة صالح على مقدرات العائلة.

بينما الجيل الثاني انشغل بتكوين ذاته بعيدا عن سطوة الأسره وقيم الجماعة وبقي صالح ممثل الجيل الأول مكشوفا أمام مطالب زوجات والده وحاجات إخوانه وأمهاتهم وقد تم تزويج شقيقته لقريب يقيم خارج القرية، كما إن زوجته لم تحمل رغم مرور عشر سنوات على اقترانه بها لم يترك خلالها عرافا أو طبيبا وامتلأ المنزل بالرقى، وعوضت العقم بان وجهته بمساعدة والدها إلى تولى مهام هامة خارج الأسرة وعند أهل القرية .

 

2 ــ

حسناء , بدوية تعلمت من الصحراء حركتها وأخذت من الرمال اللون الذهبي ومن والدتها وأهل خيام الشعر من البدو الرحل بحثا عن الماء والكلأ، كيف تزرع البهجة فيمن حولها ولما توقفت السماء عن إنزال المطر اقتربت الخيام من القرية وتوزع الرجال للعمل في المزارع والأسواق فالتحق والدها بالمزرعة الكبيرة التي يملكها والد صالح يشرف على طلبات المياه ويوصل منتج المزرعة من الحليب والخضار للمنزل.

في حفل عشاء نهاية الشهر الذي معه يتم صرف رواتب العمال ومعرفة حاجات المزرعة التقى صالح حسناء؛ كانت تمرض والدتها، لفت نظره جمالها وطلب نقل المريضة إلى مستوصف القرية وهناك اقترب أكثر منها بعد قيام الطبيب بتحويل المريضة إلى المستشفى في الدوادمي لمزيد من الفحوص.

وفي غداء خاص بمناسبة شفاء المريضة خطب صالح حسناء مما اغضب زوجته التي هجرة الدار ولم يعترض والده عندما عرف بالأمر، إنما شجعه وقدم له مساعدة جزلة أثناء حفل الزواج عبارة عن سكن مستقل وتنازل له عن دخل محلات تجاريه في سوق القرية.

لما حملت حسناء رحل صالح إلى مدينة الدوادمي حتى تكون بجوار المستشفى وترك القرية بما فيها للآخرين؛ ولحقت به زوجته الأولى بعد وفاة والدها وتقاتل إخوتها الذكور على التركة فكان أن قام صالح بطلب المساعدة من والده الذي دعمه ماليا حتى اشترى منزلا واسعا وعوضه عن المحلات التجارية في القرية بمبلغ مجز معه بدأ صالح تجارته الجديدة في مجال الأثاث المنزلي بناء على نصيحة والد حسناء .

 

3 ــ

أنا, سهج تخلقت في بطن أمي بهدوء وسكينة، لم يغب يوما صوت أبي عن سمعي حتى وأمي تفحص حملها في العيادة الخاصة بقسم النساء في مستشفى الدوادمي، وأنا في الثامنة من عمري توفيت والدتي.

عثرت عليها زوجة أبي ميتة في الفراش؛ كنت في المدرسة ووالدي مسافر إلى الرياض لعقد صفقة تجارية جديدة، زوجة أبي جاءت وأخذتني من المدرسة، والدي قطع رحلته؛ وعاد ارتبك الطبيب في تحديد الوفاة، وتأخر دفنها, تدخل جدي وبعض أفراد الأسرة فتوقف البحث عن أسباب الوفاة وتم دفن أمي في اليوم العاشر على وفاتها في مقبرة القرية.

تولت زوجة أبي شؤوني فكانت تنام في فراشي إذا سافر والدي, اعتدت أنفاسها والتصاق جسدها بجسدي, تتدخل في اختيار ملابسي وتتابع استذكاري للدروس وتحث والدي على إحضار معلمين لمساعدتي في تعديل درجاتي لبعض الدروس, كانت تسميني "علي " بسبب شعر رأسي القصير وشغبي الغلامي: تقبل والدي الأمر لرغبة في داخله لم تتحقق.

تباعدت زيارتي للقرية وكان جدي وإخوة أبي عند زيارتهم لنا يقيم لهم والدي حفلات عشاء يدعو لها الجيران والأصدقاء، ولما ينصرف الضيوف يرتفع حوارهم فأعرف أن والدي لم يعد له مكان في الأسرة .

لما حصلت على الثانوية العامة ولرغبتي في مواصلة التعلم قدم والدي أوراقي للجامعة في الرياض وفي جده، فكان أن قبلتني جامعة جده في التخصص الذي ارغب بينما كان قبول جامعة الرياض في قسم أخر على ضوء درجاتي في بعض المواد.

أقنعت والدي بجامعة جده وان للطلاب المغتربين سكنا أمنا, جاء الفصل الدراسي الأول مرتبكا، معه كثر تردد والدي إلى جده، ومعها أغراه احد تجار الأدوات المنزليه تعرف عليه بالشراكة, وفي حفل عشاء أقامه التاجر في منزله لوالدي للتعرف على بعض رجال الأعمال كان قرار والدي الانتقال إلى جده .

داخل الجامعة مارست حقوقي كاملة بين الزميلات وهيئه التدريس وفي قاعات وممرات الكلية؛ في السكن بقيت أياما وحيده حتى جاءت ميسون، سمراء ممتلئة تتعرى في الغرفة غير مبالية بوجودي؛ تفتح باب الحمام وأنا استحم بدعوى اخذ منشفتها أو معجون الأسنان.

انتقل والدي إلى جدة، وفي اليوم الثالث سافرت زوجته للقرية حتى تقنع إخوتها بإعطائها بعض النقود من تركة والدها لمساعدة أبي، أحضرنا خادمة وسائقا يقوم بتوصيلي للجامعة, والدي شعر بالحرية أكثر فأخذ يفكر في مستقبلي، لم تنقطع زوجة والدي عن نومها في فراشي عندما يسافر والدي ولم تهمل مناداتي باسم " علي " عندما تراني البس بيجامة رجالية مخططه داخل المنزل وعند الخروج للسوق تكون أهم مشترياتي بنطلونات جينز وشورتات ألبسها عندما نقرر قضاء بعض الوقت في شاليه على البحر قام والدي وبعض أصدقائه باستئجاره للتنزه .

لما تخرجت من الجامعة جاء العمل معلمة في مدرسة قرية في جنوب جده تبعد مئة كيلو متر؛ رفض والدي هذا الخيار، وأمام إصراري على العمل تمكن من تبديلها بمدرسة تبعد خمسة وأربعين كيلو في الشمال.

في المدرسة وفي الطريق الصباحي والمسائي اكتشفت أن " علي " ترسب في أعماقي وأنا أجد إحداهن تحتضن كفي في خلسة من مرافقاتنا في السيارة، ولما قمت بزيارتها بسبب غيابها أخذتني إلى غرفتها وهناك ضمتني طربه وهي تقبل عنقي ولما وقفنا حذاء المرآة أخذت تحدق في ثم زرعت قبلة طويلة على شفتي قطعها طرق الخادمة للباب تدعونا للشاي.

قال أبي ونحن في السيارة عائدين من المستشفى الذي ترقد فيه زوجته، إن شريكه عامر يرغب الزواج مني؛ كانت المكاشفة متوقعه من أبي ولكن الوقت غير مناسب، فشريك أبي يغرقني بالهدايا كما انه يطري جمالي إذا قابلته في منا سباتنا الخاصة فوالدي يعتبره احد أفراد الأسرة.

وتذكرت أنني عندما كنت في الثانوية أن زميلة تقرب والدي، قالت في الفصل أني لقيطة بعد شجار على أمر يخص الأسرة، لم أناقش أبي حينها وبكيت في غرفتي وأنا استعيد نظرات طالبات الفصل تأخرت في تبديل ملابسي وبين دموعي جاءت زوجة والدي؛ ضمتني إلى صدرها ومررت كفها على راسي فأخذت اشكوا لها اتهام قريبتي؛ قبلت جبيني وأغلقت فمي بكفها .

نسيت الأمر وها أنا أتذكر ذلك وأبي يسألني رأي في طلب شريكه، وعلاقتنا المتوترة بأفراد الأسرة؛ فأبي ترك كل شيء ليتفرغ لي ويتبع نجاحي وهاهو يسعى لتثبيت الأمان في ما تبقى من طريق .

جاء زواجي من شريك أبي فخما وفي فندق فاخر في لندن جاءت ليلتنا الأولى مرهقة؛ وفي الليلة الثانية فجر حبي مكنوناتي الأنثوية بعد أن دفعني لمشاركته الشراب حتى نشعر بلحظة الأنس أكثر كما قال ونمتع تألق التواصل بفقدان العقل. وخلال تنقلنا لإزجاء الوقت والتنزه اعتدت شرب كاس من مسكر فاخر ينتقيه زوجي بعناية.

عرفت أن زوجة زوجي التي ترقد في المستشفى منذ عام توفيت ونحن في طريق عودتنا من رحلة شهر العسل؛ ولما وصلنا، كان ابناه الفتيان في منزل خالهم بعد هجرهم لمنزل والدهم، ومع الوقت اكتشف والدي إن ثروة شريكه مصدرها أموال زوجته المتوفاة وان هناك قضية في المحكمة تطالب زوجي برد الأشياء التي استولى عليها.

 

4 ــ

السامري , بعالمه الخاص وسياقاته المعرفية؛ همس في أذني بأسمى السري " طيف " بينما كنت أتنقل كفراشة في احد المتاجر، لاختار المناسب من القماش لتفصيله لحفل نهاية العام الدراسي بالمدرسة التي اعمل بها, جاء صوته يطري نوع القماش؛ حدقت فيه وأسدلت الخمار على وجهي, تبسم كانت بسمته تيارا كهر بائيا سرت لذعته في جسدي؛ واتجه معي إلى قسم العطور اختار لي مجموعه من الروائح ثم ترك بطاقة تحمل اسمه ورقم هاتفه واختفى.

انشغلت بمرض والدي؛ ترقد البطاقة في حقيبة يدي وأنا أقف وحيدة أمام غرفة العناية ألفائقة التي يرقد فيها والدي؛ زوجي مسافر وزوجة أبي أصابها مرض والدي فمرضت، وتم ترقيدها في أحدى غرف المستشفى, في المنزل وأمام قلق الخادمتين على والدي برز الرقم أكثر؛ جاء صوته مطمئنا؛ عاتبني على تأخري في الاتصال؛ شكوت له مرض والدي فسكن قلقي.

زوجي أصبح وحيدا بسبب مرض والدي فهجر المتجر وحبس نفسه في غرفة بفناء المنزل؛ يدخن كثيرا ويتجرع مشروبه المسكر الذي لا أدري من أين يوفره؛ يراجع أوراقه وحساباته؛ كنت اجلس معه اقلب الأوراق وألطف ألمي بمشاركته الشراب كما هي عادتي منذ أول ليلة في زواجنا، ثم ادخل غرفتي للحديث بالهاتف مع سامر حتى موعد نومي.

بعد ثلاث سنوات مع القضاء والشرطة ووالدي في المستشفى تدخل أهل الخير بين زوجي وأقارب زوجته ألسابق، وجرى حل المشكلة المالية؛ نصحنا الأطباء بنقل والدي للمنزل مع تجهيز غرفة طبية، وأعارنا المستشفى ممرضه للمتابعة؛ حضر بعض أخوة أبي للمعاينة وارتفع صوتهم فطردتهم زوجة أبي, وفي تلك الليلة نمت في فراشها وشعرت أن روحها الطيبة تطوقني.

في مساء يوم وبعد مكاشفة ليلية كنت اجلس مع سامر في مقعد على البحر الممتد أمامنا نلاحق موجه المتكسر على صخور الشاطيء ونلعق الإيسكريم؛ حديثه الحالم ينزعني من همومي؛ تقاسيم وجهه تزرع الأمان وهو يضم كفي بيده اليمنى، هجرني النوم فخرجت إلى الفناء؛ لم أجد زوجي في الغرفة جلست اقلب الأوراق المتناثرة على الأرض كشف حسابات البنك يفضح التلاعب في المستندات؛  شعرت بالتعب وعرفت انه رحل؛ تركت كل شيء وعدت لغرفتي .

في منزل والدي المغلق بعد وفاته ورحيل زوجته إلى أهلها حتى يبت القضاء شكوى إخوة أبي لحصر نصيبه في الشركة ليتم توزيع الإرث؛ كان لقاء الحقيقة, مع غياب الشمس أوصلني السائق إلى السوق وجلست على مقعد انتظار في ساحة المحلات ألتجارية أتأمل تفاصيل المرتادين وأجمع تبعثري، ولما لمحته نهضت تخللت أصابعه أصابعي فتح باب السيارة ولما جلست اتجه للباب الأخر؛ طلبت منه الذهاب إلى منزل والدي.

وقف في وسط غرفة الجلوس يتفحص المقاعد والستائر المسدلة، دخلت غرفتي القديمة تكومت العباءة على الأرض؛ وقفت أمام المرآة تعريت؛ نثرت شعري وأزلت الماكياج وحمرة شفتي بمنديل ورقي بللته بلعابي؛ أخرجت من خزانة الملابس قميص أحمر موشى بزهرات عباد الشمس الصفراء قصير غطى ردفي كنت أتجدد وأنا استعيد ذاتي من خلال ذاكرتي .

خرجت من الغرفه امرأة أخرى فتح فمه مندهشا؛ وقفت قبالته، نهض من مقعده؛ نزع غترته فتمددت على المقعد مع عقاله، طوقني بذراعيه قرب شفتيه من فمي؛ أندغم في داخلي؛ اختلط عرقنا مع تفجر رغائبنا المكتنزة منذ بدء الخليقة.

 

5 ــ

أمي من النور ( هكذا عرفت ) اعتادت التجول في أرجاء الأرض متمسكة بالتقاليد وطراز المعيشة الحرة التي معها يأنف الغجري العمل؛ فهي الحسناء التي باعت إخوتها الأربعة للشيطان حتى تفوز بقلب حبيبها فكان موتها الغريب عندما انتقل بها والدي من فضاء القرية الرحب إلى المدينة لتعيش بين جدران الأسمنت مقيده عندها فاضت روحها الراقدة لتعود إلى التحليق .

ومن هنا لم أجد أحدا من أقاربها حولي، ولما شعرت أني سيدة نفسي اتجول كما أشاء بعد انشغال زوجي بمشاكله مع أهل زوجته السابقة وأقارب والدي؛ حضر خال والدتي الخضر الذي أصل فضاء الحرية في فكري .

كنت مع ثلة من الصديقات نتناول العشاء في مطعم فندق أوراق النرجس الأربع وخرير الماء ينساب مع صوت الموسيقى متجاوزا همس المرتادين، جاء يحمل دلة القهوة صب لي فنجانا وترك مرافقاتي؛ أخذت أتبعه بنظري وهو يتنقل بين الطاولات حتى اختفى.

شيء في داخلي؛ تخلق معه توهمي وهو يغادر المطعم كحصان رافعا ذيله متوفزا، تركت الطاولة ولحقت به كان يجلس في صالة ألاستقبال؛ نهض لما لمحني امسك بكفي وسحبني إلى مكان منزو؛ اخرج من ثنايا ثوبه الفضفاض مظروفا أبيض تركه على الطاولة؛ تحدث كثيرا عن أمي .

بناء على طلبة لم أفتح المظروف حتى ندخل دار والدي؛ في السيارة جلس بجواري بالمقعد الخلفي رائحته شذيه وثوبه الفضفاض حريري الملمس عقاله الأسود السميك يلمع كلما مررنا بقرب شعلة نور ووجهه المصبوغ بالحمرة متغضن بأخاديد الزمان، سبقني إلى الداخل ليشعل الضوء جلسنا متقابلين في غرفة الجلوس؛ روح أمي تحلق في فضاء الغرفة, أخرج ألمظروف من حقيبة يدي وفك الرباط؛ كان بداخله أوراق ثلاث؛ الأولى عقد زواج أمي، والثانية شهادة ميلادي، والثالثة وثيقة تملك لمنزل في حي فقير باسمي .

عرفت انه يقيم في المنزل وطلب مني مرافقته حتى اعرف موقعه؛ أما شهادة ميلادي ووثيقة زواج والدي التي تحمل توقيع جدي, مستندات تدين أقارب والدي في إخراجهم مشهدا لم يبروا فيه قسمهم في المحكمة يحصر ورثة أبي في أخوته، وانه مات ولم يخلف، وشهادة ميلادي تحدد موقعي في عشيرة أمي، واني أصبحت ملكة جماعتنا التي تناثر أفرادها بسبب زواج والدتي من غريب؛ وحتى أضلل الأرواح الشريرة التي تلاحقهم .

M7med2000@yahoo.com

         

 

                                                      




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home