قصة

 

هل تكتمل اللوحة

سمير جمول



 

هل تكتمل اللوحـــــــــــــــــــــة ؟

 

 

حضرت الفرشاة والألوان .. حرصت أن تكون كل أدواتها  أصيلة نقية , فربما تكون اللوحة أكثر وضوحا وإشراقا , ربما تكون أكثر قربا من البدايات الأولى , حيث الأجنة لم تلوث بمياه المستنقعات  المخلقة الآسنة .

شعرت أن جميع الأمكنة يمكن أن يصل إليها الضجيج والفوضى , فابتعدت بقدر مايسمح لها الامتداد بالهروب , فهي تعرف أن الأرض مكورة  وكل من يسير بسرعة يعود الى حيث كان , ولايمكن الانفلات منها .. هذا يعني أن الابتعاد عن الضجيج هو اقتراب من طرفه الآخر.

جلست في المنتصف ............ لم تستطع الرؤيا , فقد حجبت اللوحة الأفق .....أمالت رأسها جانبا لكنها لم تستطع فالنباتات الشوكية  بكل أشكالها  وقفت حائلا دون ذلك  .. حتى تلك الانفراجات القليلة لم تكن كافية  لرؤية واضحة غير مشوهة  .....

ارتفعت قليلا بجذعها مادة عنقها فوق اللوحة فاصطدمت بغصن يابس تدلى من شجرة هرمة  عرفت كل الفصول إلا أنها مازالت تكابر .. تتحدى عوامل الزمن , متجاوزة باردها وأكثرها حرارة  وقد ترك  كل منها أخدودا غائرًا على جسدها  .

باءت كل المحاولات بالفشل .....

لم يعد أمامها سوى النظر الى الخلف  ...

امتلأت عيناها بدموع مخضبة  بعروق حمراء ....

ارتعشت خلاياها رعبا .........لملمت ثوبها ببطء مكرهة بالعودة إلى ماوراء ذاتها  .                       

 سبق رأسها عيناها اللتان مازالتا معلقتين بتلك اللوحة الناصعة  آملة اختراق قماشها إلى الأمام .

- ابعد كل هذا العناء ؟؟!!

لقد تعبت في تجميع الواني من كل وردة نبتت على تراب الحدائق الطاهرة , ولففتها بخيوط من قوس قزح خيفة اختلاطها بالألوان القاتمة.

لقد نسجت تلك القماشة  من حرير تمتد أصوله إلى شجرة التوت الأولى  والتي ما بخلت يوما في ستر عورة جدتي وجدي اللذين توحدا في تذوق بؤسهما , وقطف ومضة نور في حالك ليلهما .

أبعد كل هذا أتوقف ...... ؟

أبعد كل هذا أذبل وأستسلم ولا أستمر....؟

لا...لا...سأواجه تلك الشجرة العجوز..أرويها ....أقلمها ...وإلا فأقتلعها

وأجتث تلك الأشواك لأغرس حبا  أو أحلم بالزنابق  وأظل أحفر في الأرض الجرداء حتى يأتيَ يوم المخاض فعلها تولد براعم خضراء .

سأستمر في الانغراس  وسأرسل جذوري عميقا حيث النقاء.

سأستمر وأضيف لعفونة الزمان رائحة العشق للحياة وسأغير وجه المكان  ... أفتت صخوره , وأنظف جداوله للينابيع العذبة  المعطاء.

عندها قد تصلح  أوراقي للانتماء .. وتكتمل اللوحة بكل مفرداتها ....

 

 

 

 

 

محرر / هشام الشربيني




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home