القلم السياسي

 

الطفولة الفلسطينية تحت الحصار

معصوم محمد خلف



 

الطفولة الفلسطينية تحت الحصار
بقلم : معصوم محمد خلف
طفولة بدون ابتسامة، كزهرة لا عطر لها، وكطائر فقد الصعود على سلّم الطيران وكشاعر لا يستطيع البوح بما يختلج في قلبه وفي شعوره، وكفنان مبتور البنان يعيش في نفقٍ مظلم يغلي دوماً ليرسم لوحة أو يصوّر مشهد.‏
ذلك أن عالم الطفولة هو العالم الأرحب والأمثل لكل مخلوقات الوجود. وأن أي مجتمع يرفِّهُ أطفاله هو المجتمع المثالي المتمكن من العزف على أوتار المستقبل.‏
وكون الأطفال مرآة المجتمعات ورياحين الوطن وأُنشودة الغد المشرق، فإن ذلك يعزّز الإمكانية القصوى في إيجاد السُّبل الكفيلة لزرعِ البسمةِ على تلك الثغور.‏
وإنَّ هُناك مثل يقول "أسعدُ النّاس من يزرعُ الابتسامة في وجه طفل" لأن الأطفال وحدهم دون غيرهم القادرين على زرع روح المقاومة والشجاعة في نفوس البشر التّوّاقين للمجد بطهرٍ وصفاء، حيث تكتحل الأرض بخطواتهم الأنيقة وتزدانُ ساعات النّهار بِشراً في براءتهم، وتصبح الليالي الحالكة السواد قناديل نور وضياء عندما تزغرد في الأجواء ضحكتهم، ويصبح العالم كله مدرسة حين يحمل أمتعتهُ الصغيرة وينطلق نحو الأمل الموعود فيتبعه السنونو والفراشات والحمائم والقبّرات ليقتبسوا من نقائه وعزمه موشحاتهم التي تسكب على الكون خمائل من فساتين الفرح المطرّز بالدعاء.‏
فالابتسامة عند الطفل تعني خفقات في النفس المطمئنة التي تجعل من البسيطة أرجوحة لا نصبَ فيها ولا تعب.‏
ولكي نعطي مفهوماً آخر لذلك المثل المقدس حيث نقول: "أشقى الناس من يزرع الحزن في وجه طفل". هذا المفهوم المنطقي لذلك المثل لا يمكن أن تجد له منفذاً.‏
بين المجتمعات قاطبة، لأنها ضد الطفولة وضد البراءة وضد الأمل وضد جميع بوادر الخير والعطاء، لذلك فهي سوداوية الرؤى غائرة القوى مهمشة الأوصال والأبعاد كسيرة الفؤاد، ورغم كل سلبياتها التي تعد ولا تحصى. تبقى هي المقولة التي تنطبق على أطفالنا في فلسطين المحتلة دون غيرهم من أطفال شعوب العالم وذلك لما يلاقونه من العدوان الإسرائيلي الشرس الذي يُنَغِّصُ عليهم حياتهم ويسرق النوم والأحلام من عيونهم. ويجعلهم دائماً عرضة للموت والخراب والدمار.‏
ـ فالأطفال في فلسطين يتناولون الأحزان والدّموع أكثر مما نتناول الطّعام في وجباتنا الفاخرة الفارهة المتنوعة المزركشة العريضة الواسعة الطويلة الممتدة والمملّة من المعتادة وغير المعتادة، ذلك أن الأحشاء المكدسة بجميع تلك المسميات الطبوغرافية لا يمكن لها أبداً أن تتذكر أن هناك أطفالاً فطورهم وسحورهم زعترٌ غائر في طبقات خبزٍ تعاقد الأيام على حفظه وسلامته برفقة شربة ماء.‏
ـ كل طفل في فلسطين له في المراكز الصحيّة والمشافي المتحركة والنقط الطبية وممرات الإسعاف الطويلة أو في غرف العناية المشددة، قريب ينزف أو حبيب يتأوه أو جار يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو فلاح غائب عن الوعي بطلقة نار وهو متجول بين بساتينه وزيتونات أشجاره.‏
ـ كل طفل في فلسطين له بين المقابر شرفة تطل على الأحزان العميقة في حسرة وألم ويستذكر التاريخ بكل مرارة وحرقة.‏
ـ كل طفل في فلسطين له بين الجرافات المجرمة والمجنزرات الظالمة، لعبة ضائعة أو كتاب مدرسي مفقود أو شجيرة ياسمين مطعونة أو وسادة مُضرّجة بالدماء.‏
ـ كل طفل في فلسطين مرهون بأن ينام في العراء، يفترش الأرض ويلتحفُ السماء.‏
ـ كل طفل في فلسطين له ذاكرة مثقوبة تطل على الأشلاء المتطايرة والجثث الممزقة والصور المرعبة والمخيفة في عالم تجاوز عتبات القرن الحادي والعشرين ويرسم كبسولة المستقبل نحو الارتقاء والتطوّر عبر منظومة تكنولوجية لألفِ سنةٍ قادمة.‏
هذه هي الصورة الموجزة عن الطفولة الفلسطينية تحت الحصار الظالم، ورغم ذلك فإن الطفل الفلسطيني ما زال يمارس نشاطه ضد الصهاينة المعتدين حيث نراه في كل شارع يرشق الدبابة والمجنزرة ويصعد عليها بدون خوف ويخرج إلى الشارع وإلى السوق لشراء حاجياته، ويذهب إلى المدرسة رغم انعدام الأمن......‏
فهذه الطفولة هي التي ترسم تباشير الغد في رؤية دقيقة لجميع مجريات الأمور التي تستهدفه وخاصة عندما يرى الصمت الدولي لا يغيّر ساكناً والأمم المتحدة أصبحت هي العاجزة عن إصدار أي نداء ضد هذا العدوان المتواصل وأضحت أداة في يد الغير.‏
فالطفولة الفلسطينية تعيش الآن مرحلة صعبة جداً، وذلك من خلال التصعيد المستمر لسياسة البطش والاعتقالات والاغتيالات على أيدي من تتلمذوا على هتلر في صناعة الإجرام والقتل والتدمير.‏
ومهما يكن فإن طلائع الفجر لا بد أن تخرج لتعلن الحرب وتعيد الحق إلى أصحابه فالحق اسم من أسماء الله الحسنى والمقاومة تستمد شجاعتها من ذلك الحق رغم الجرح والصّمت والموت والكارثة.‏
 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home