مقال

 

عبد السلام العجيلي

محمد سيد بركة



 

عبد السلام العجيلي رائد القصة العربية القصيرة

محمد سيد بركة

أروع بدوي عرفته الصحراء، وأروع صحراوي عرفته المدينة، هذا ما قاله عنه ذات يوم الشاعر  نزار قباني. إنه رائد القصة العربية القصيرة، هكذا عده  القاص المصري يوسف إدريس. ولو حاولنا أن نعدد النعوت والأوصاف التي أطلقت على الكاتب السوري عبد السلام العجيلي (الذي غيبه الموت صباح الأربعاء الخامس من شهر أبريل/نيسان 2006م الموافق للسابع من شهر ربيع الأول 1427 هـ عن عمر يناهز الثماني والثمانين سنة، من مواليد العام 1918) لامتد بنا الوقت والمساحة. وهي صفات تؤرخ فعلا لتاريخ هذا الرجل، الطويل والمتنوع ما بين الكتابة والعمل السياسي ومهنة الطب التي مارسها طيلة عمره، مثلما هي تؤرخ لمكانته في الأدب العربي الحديث.

سيرة حياة

ولد العجيلي في مدينة الرقة التي تقع على ضفاف نهر الفرات عام 1918، لكن الوثائق التي كان يحملها الراحل كانت تؤرخ ولادته بعام 1912.

وتربى على يد جده الصارم تربية إسبارطية كما يذكر. وقد تلقى تعليمه الابتدائي في الرقة، وحمل الشهادة الابتدائية (السرتفيكا) عام 1929، ثم مضى إلى تجهيز حلب، لكن المرض أعاده إلى الرقة ليقضي أربع سنوات في قراءة كتب التاريخ والدين والقصص الشعبي ودواوين التراث الشعري. ثم تابع دراسته في حلب ودمشق ليعود إلى الرقة طبيباً، ويشرع باب عيادته فيها منذ ذلك الحين حتى نيّف على الثمانين، إلا أن يكون في واحدة من رحلاته الكثيرة، من دون أن ننسى فترتي النيابة والوزارة. وهنا يُلاحَظ بقوة أن العجيلي ظلّ يتحوط على حياته الشخصية، كما يتحوط على حياته السياسية، فلا يبقى للمرء إلا ما يقدر من انسراب السيرة في بعض كتاباته. ولا يخرج عن ذلك إلا النزر الذي ضمّه كتاب (أشياء شخصية - 1968).

لقد ظلت الكتابة واحداً من أسرار العجيلي حتى حمل البكالوريا. فقد نشر عام 1936 قصته الأولى «نومان» بتوقيع (ع ع) في مجلة (الرسالة) المصرية المرموقة. كما نشر بأسماء مستعارة قصصاً وقصائد وتعليقات في مجلة (المكشوف) اللبنانية وفي سواها من الدوريات الدمشقية إلى أن فضح السر سعيد الجزائري. ويبدو أن حياة العجيلي الدمشقية، طالباً ومن بعد نائباً، قد كانت بالغة الثراء. ففي عام 1943 فازت قصته «حفنة من دماء» بجائزة مسابقة القصة التي نظمتها مجلة الصباح. وفي عام 1945 شارك في رحلة إلى مصر، وحضر حفلة أم كلثوم السنوية حيث التقى بالشاعر أحمد رامي. كما أنجز في هذه السنة مجموعته القصصية الأولى «بنت الساحرة» والتي سيتأخر صدورها إلى عام 1948. وفي هذا العام نظم مع عدد من الظرفاء والكتاب «عصبة الساخرين» من بينهم سعيد الجزائري وعبد الغني العطري، وكان العجيلي من اقترح للعصبة اسمها.

وفي عام 1948 أيضا استقال عبد السلام العجيلي من عضوية البرلمان والتحق بجيش الإنقاذ، كطبيب، ومدافع عن الحق العربي في فلسطين. وفي حرب تشرين زار الجبهات التي دار فيها القتال، وقابل المتحاربين واستمع إلى حكاياتهم، وكتب رواية «أزاهير تشرين المدماة» التي كان يتمنى لها أن تتحول إلى فيلم سينمائي. وقال وهو يتألم على العراق: «لو كان بيدي أن أشارك مشاركة فعلية المعذبين والمضطهدين والمناضلين في العراق، ولو بأبسط الطرق، لكان ذلك أجدى في ما أعتقد من ألف صحيفة تكتب عن هؤلاء المعذبين والمضطهدين... فالكلام عن هذا الشر كلام موجه إلينا وحدنا، ولا يرضيني».

الأدب متعته وهوايته

طالما ردد العجيلي أن الأدب بالنسبة إليه متعه وهواية، بالكاد يبقى لها من وقته القليل الذي يفضل عما تقتضيه مهنة الطب والرحلات والأسرة وإدارة إرث أبيه منذ توفي عام 1963، وكذلك السياسة والشأن العام الاجتماعي والسياسي. وها هو يقول: «إنني لا أنظر إلى الكتابة الأدبية كعمل بل كنوع من أنواع السلوك». وهو لا يعني بذلك أي انتقاص من الاحتراف. غير أن العجيلي، بعد ذلك كله، كتب وبغزارة القصة القصيرة والمقالة والرواية، وهو الذي كتب في بداياته الشعر والمسرحية، كما كان لأدب الرحلات وللمحاضرات منه نصيب كبير.

ففي القصة القصيرة، وبعد مجموعته الأولى «بنت الساحرة» (1948) كتب المجموعات التالية: «ساعة الملازم» (1951)، «قناديل إشبيلية» (1956)، «الحب والنفس» (1959)، «الخائن» (1960)، «رصيف العذراء السوداء» (1960)، «الخيل والنساء» (1965)، «فارس مدينة القنطرة» (1971)، «حكاية مجانين» (1972)، «الحب الحزين» (1979)، «فصول أبي البهاء» (1986)، «موت الحبيبة» (1987)، «مجهولة على الطريق» (1997).

أما الرواية، فقد جاء العجيلي إليها أول مرة عام 1959 بروايته «باسمة بين الدموع»، ثم تتالت رواياته: «قلوب على الأسلاك - 1974» و «ألوان الحب الثلاثة - 1975» بالاشتراك مع أنور قصيباتي، و «أزاهير تشرين المدماة - 1977»، و «المغمورون - 1979». وسيكون علينا بعد ذلك أن ننتظر حتى عام 1998 قبل أن تأتي روايته «أرض السِّيّاد» ثم «أجملهنّ» عام 2001، ذلك أن ألواناً أخرى من الكتابة ستتقدم على الرواية، وفي رأسها (المقالة) التي تتلبس بها (المحاضرة)، وفيهما للكاتب: أحاديث العشيات (1965) - السيف والتابوت (1974) - عيادة في الريف (1978) - سبعون دقيقة حكايات (1978) - في كل واد عصا - 1984) - حفنة من الذكريات (1987) - جيل الدربكة (1990) - فلسطينيات عبد السلام العجيلي (1994) - محطات من الحياة (1995) - ادفع بالتي هي أحسن 1997) - أحاديث الطبيب (1997) ـ خواطر مسافر (1997).

في هذه الفئة من إنتاج الكاتب يأتي الالتباس أيضاً بالحكاية وبأدب الرحلات. وقد أفرد الكاتب لهذين اللونين الكتب الثلاثة التالية: حكايات من الرحلات (1954) - دعوة إلى السفر (1963) - حكايات طبية (1986). وإلى كل ذلك، للكاتب ديوان شعر وحيد هو «الليالي والنجوم» (1951) وكتاب واحد في المقامة هو «المقامات» (1963) وكتاب واحد ضمّنه محاورات صحافية هو «أشياء شخصية» (1968)، وكتاب واحد في المراثي التي تعيد الالتباس بالمقالة والمحاضرة، وهو «وجوه الراحلين» (1982). كل ذلك والكاتب هاوٍ، فكيف لو كان محترفاً؟

من تقنيات القص جرّب العجيلي الرسائل والمذكرات والأحلام والمونولوج والتفريع... ولئن كان ذلك يؤشر بخاصة إلى الكلاسيكية في القص - ومنه تقنيات السرد التراثي العربي - فليس يخفى ما كان للعجيلي من تجديد في هذه الكلاسيكية. ومن هنا جاء وصف القصة العجيلية بالكلاسيكية الجديدة أو النيوكلاسيكية. وتلك هي واحدة من بدائع ما كتب: إنها قصة «سالي» التي يرمح فيها الفضاء بين باريس واستوكهولم ومضرب العشيرة في البادية، فتُشرع بذلك الكوة على شاغل آخر يتعنون بـ (الشرق والغرب). ولسوف تشغل هذه الإشارة قصة «رصيف العذراء السوداء» أيضاً، وهي القصة التي تضاعف في قصص العجيلي التباس التجنيس بين القصة والرواية، بين القصة الطويلة والرواية القصيرة. كما تنسرب الحكاية إلى ما كتب العجيلي من القصة، وتتلبس بها، والأمر نفسه يبدو فيما كتب من أدب الرحلات ومن المقالة. والأمر هو كذلك فيما كتب من الرواية والمقامة.

الحكواتي

 ولعل جماع ذلك يؤكد للعجيلي لقب الحكواتي إضافة إلى ألقاب الروائي والقاص والمحاضر والرحالة والمثقف، من دون أن ننسى لقبي الطبيب والسياسي، ومن دون أن ننسى الشاعر وكاتب المقامة. وهنا أذكر نص المقامة النهدية التي أرسلها نزار قباني من أنقره - حيث كان يعمل في السفارة السورية - إلى العجيلي الذي ردّ عليها بالمقامة القنصلية (1949) وسمى فيها نزار قباني بصريع الغواني أبي النهد الأشقراني، ومنها ما ينظمه العجيلي على لسان قباني معرّضاً بديوانه الأول «قالت لي السمراء»:

قالت لي السمراء انك باردُ/ فأجبتها بل أنت مني أبرد

ترمين بالنعل العتيقة عاشقاً/ يروي حكايات الغرام وينشد

وقد جاءت المقامة الباريسية (1952) في هيئة رسالة أيضاً أرسلها العجيلي من الرقة إلى صحبه في باريس، ومنهم عبد الرحمن بدوي ويونس بحري وأديب مروة... وبهذه المقامة ودّع العجيلي هذا اللون من الكتابة، من دون أن يتخلى عن السخرية والإخوانيات في بعض كتاباته التالية غير الإبداعية.

عن روايته الأولى «باسمة بين الدموع» يقول العجيلي إن رياض طه صاحب مجلة الأحد اللبنانية ظل يلح عليه حتى تعاقد معه على أن يكتب للمجلة رواية مسلسلة. وفي عودته من بيروت تدهورت سيارته فكتب عن ذلك الحلقة الأولى في الرواية الموعودة، ثم تتالت الحلقات، وكانت الرواية الأولى للكاتب.

وفي تقديم جاك بيرك لترجمة رواية «قلوب على الأسلاك» إلى الفرنسية تحت عنوان «دمشق القطار المعلق»، يصف بناءها بالكلاسيكي الضخم المحكم والسيمفوني والزاخر بعشرات اللوحات والأحداث والمحاور. لكن بيرك لم يأبه بالانشغال الكبير للرواية بالوحدة، وهو ما سيشغل رواية العجيلي التالية «ألوان الحب الثلاثة». ولقد كنت أثناء إقامتي في الرقة التقيت عبد السلام العجيلي في بيته بصحبة أنور قصيباتي، وحدثنا عن رواية لم يستطع إكمالها ولا ينوي العودة إليها، هي «ألوان الحب الثلاثة». وانتهى اللقاء بالاتفاق على أن يكمل الزائران الرواية، لكنني شُغلت عن الأمر بمشروعاتي، بينما تابعه أنور قصيباتي، فجاءت الرواية تحمل اسمه واسم عبد السلام العجيلي.

قدم العجيلي أربع روايات في سبعينات القرن الماضي. لكن ما يقرب من العقدين سينقضي قبل أن تأتي الرواية الخامسة «أرض السِّياد»، وبالفضاء نفسه الذي كان لرواية «المغمورون»: فضاء الرقة. ثم كان الختام في رواية «أجملهن» (2001).

بكل ما تقدم باتت لعبد السلام العجيلي مكانته الكبرى، مما جعل جان جولميه يقول فيه: «جوته وستاندال وفلوبير أسماء أعلام في الأدب مشهورة، وعبد السلام العجيلي يستحق أن يشبه بأساتذة فن الرواية الكلاسيكية هؤلاء». فأثر عبد السلام العجيلي الذي انطلق منذ ستين سنة من دائرته الصغرى (الرقة)، سرعان ما دوّى في الكتابة وفي الحياة الثقافية والعامة في الفضاء السوري بخاصة، وفي الفضاءين العربي والعالمي بعامة

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home