القلم النقدي

 

الترويج لصورة الجسد

رهف محمد



 

الترويج لصورة الجسد

رهف محمد.

 

جسدها هو الظاهر, جسدها هو الجزء, جسدها يمنح الصورة، جسدها يلغى الداخل, جسدها يعطى صورتها للآخرين, صورتها للآخرين ستصبح مرغوبة أو غير مرغوبة, حسب الإطار المحدد في الذهنية المهيأة مسبقاً, أو التي توطد لها الوسائط الإعلامية المتعددة بضراوة فجة.

جسدها فعل إشارة لدال ليس هو المدلول الحقيقي والصادق.., جسدها يعطى الصورة، الصورة مرغوبة, الصورة مشتهاة, الداخل غير مرغوب, الجوانى غير مشتهى...., السطح مشتهى, السطح مرغوب مهما كان, الجوانى خبيث وماكر, فلا أحد يهتم بالداخل والجواني, فلسطوة السطح وسحره سلطة لا يقاومها البشر.

جسدها المخفي تحت جلباب الحشمة, جسدها المعرى على شاشات التلفزة, جسدها هو المقياس, و هو الإطار, جسدها المرغوب أ وغير المرغوب حسب الذهنية المسبقة والمتوارثة والتي على أساسها تكون الفتاة مرغوبة أو غير مرغوبة في سوق الزواج في المجتمعات العربية. فالتركيز على الجسد فقط, بهذه الضراوة الفجة, عائق أمام انطلاق الأشياء الأخرى الجميلة بداخل المرأة ككائن إنساني, ويحولها لمجرد شيء لاروح ولا إنسانية فيه. الجسد بيت الصحة والتوازن والالتئام فقط, الجسد حافظ وإطار خارجي للروح, الجسد مطافه النهائي تابوت وتربة تسدل ستارتها عليه وديدان تنخر أعضاؤه الروح هي الحقيقة, الروح منطلقة لا يقيدها زمن ولامكان ولا تعيقها سدود ولاحواجز, الروح هي الحميمية والدفء والقلوب العامرة بالخير والمحبة, الروح هي الإحساس بالبشر من حولنا  الروح, هي المأوى هي الملاذ وهى صوت فرحنا حين تفاجئنا الحياة بأفراحها الشحيحة, وهى الحزن الشفاف الرهيف حين تدير لنا الحياة ضهرها وتهدينا أحزانها.

   ولكن في عصر الميديا الكل يبحث عن صورة المشتهى والجسد فقط, فتأثير جميع الوسائط الإعلامية بدا يعطى أكله وتظهر نتائجه البشعة في محيط الحياة حولنا حتى في مجتمع كان معروف بأنه مجتمع محافظ كمجتمعنا, ولكن كثير من الأمور تغيرت وهذه إحدى سلبيات ثورة المعلومات وهو التركيز على صورة الجسد على حساب الروحي والأعماق الجوانية الطيبة.

فالثقافة الجسدانية، تبنى بنيانها وأساسها على الجسد الذي يروج له الطرح الإعلامى المكثف والغزير  وليغدو الجسد هو المعول عليه في عصر الجسدانية الحالي المكتسح للعقول وللقلوب, ولتنصب حضارة الجسد راياتها في ثقافة وفكر الناس, وهو توجه  غربي يعمل جاهداً وبقوة وبشتى الوسائل على أن يبنى له موقعاً وقلاعاً راسخة عبر عولمته عالمياً باسم حرية أو تحرير المرأة وهى دعاوى باطلة وزائفة, فحريتها هي في الأحتفاض بكرامتها الإنسانية المتحققة عبر التعليم والعمل الذي يحفظها من غدر الزمن والأيام وليس في تعريتها وتحويلها إلى سلعة للعرض وإثارة الشهوات

نحتاج لحملة مكثفة إعلامية تتصدى لهذا التوجه الذي يحمل في داخله تحقيراً وازدراءً للمرأة وتحويلها إلى مجرد جسد دون روح.

الروح تطالب برد الاعتبار لها من عصر المادية البراجماتية  التي تروج لصورة الجسد والحسية أليست الروح هي الجوهر بينما الجسد هو الإطار الخارجي للروح, فلماذا تكون صورة الجسد مبتذلة ورخيصة بالشكل الذي نشاهده في وسائل الأعلام عبر ما يسمى بالفيديو كليب؟ في حين تركن الروح بعيداً دون الاهتمام بمقاربتها وتفهمها، متناسين أن صورة الجسد لا تعبر عن الداخل بل قد تكون حائلاً دون الرؤية الواضحة لحقيقة الروح الإنسانية بأبعادها وتشكيلاتها المختلفة.

حالة الاحتفاء المهووس بالجسدي وخاصة جسد المرأة التي يروج لها لطرح الأعلامى المكثف عبر القنوات الفضائية  وغيرها تعمل على أزدراء الأعماق لإنسانية، وتدخل الجنسين في حالة من الخواء الرهيب فيغدوا معزولين في  جزر

نائية لا أحد يهتم بإنسانية الأخر فالمهم هو  السطح اللامع البراق على حساب الجوهر.

لا سبيل للوقوف في وجه هذا الزحف الهادر للثقافة الجسدية المعتنية بالسطح دون العمق سوى بمجابهة هذه الثقافة الرخيصة والمبتذلة عبر  تقوية الجانب الروحي بالتواصل مع الله وعبر التركيز على عالم الفكر الإنسانى القائم على جمالية التذوق \ للإبداع الإنسانى الرفيع الذي يركز على جانب الخير والرحمة والعدل في العالم وعلى التأمل في الكون والعالم بنظرة أكثر إنسانية, وتفضح الفساد المتواري خلف الأقنعة والأكاذيب وعدم الاستسلام للترويج الإعلامى الذي يعلن ثقافة الاستسهال ربما عند ذلك سيتمكن كل من الجسد و الروح أن يتعايشا معاً وأن

يعلوا فوق تيار الإنبهار بالجسدي فقط الذي تروج له العولمة الجديدة ولعل قصيدة الشاعر الإسباني "خوان رامون جيمينيز" تعبر عن حالة الخواء التي تعيشها الروح في عالم اليوم وترسم صورة بديعة التكوين وبلغة شفافة عن حالة اغتراب الروح  في عالم  مفتون بالجسدي  على حساب الأعماق الإنسانية وروح الجمال في دواخل البشر في قصيدته المعنونة بأسم"الروح هي الوحيدة" والتي يقول فيها:

 

ليست ا الأشجار وحيدات

فهن مع ضلالهن

إن الروح هي الوحيدة

القمر فوق الوادي يرشق

الدائرة الكاملة من بريقه

ودالية من الرماد تطلع

ليست الروابي وحيدات

فهن مع سما ئهن

إن الروح هي الوحيدة

العالم يتابع صفيره

يترافق والأبواب

والبحر يترنح

ليست الجداول وحيدات

فهن مع أمواجهن

إن الروح هي الوحيدة

 

   فالروح هي الحقيقة الوحيدة وألمها وفرحها هو مقياس لسعادة الإنسان أو شقائه مهما زحفت العولمة الفضائية والأنترنتية لتغيير هذه الحقيقة محاولة مسح هذه الحقيقة من العمق الإنساني وإحلال الشغف والانبهار بالجسدي فقط  محلها. سيظل العمق الحقيقي لفرح الإنسان أو شقائه هو في ما تحمله  روحه من خير أو شر مهما كان الشكل الخارجي أو الجسدى له

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home