دراسات هامة

 

ندوة " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية "

أ. د / مصطفى الشليح



 

ندوة " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية "

بكلية آداب المحمدية / المغرب

أ. د /  مصطفى الشليح

 

من أجل فكر نقدي وعقلاني لبناء ثقافة الإنسان

 

مراسلة خاصة 

انعقدت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني الندوة الدولية التي اختارت " تدبير الاختلاف في الثقافة العربية " درسًا أديرت عليه محاورها، يومي 12- 22 مارس 2006، بمساهمة جمهرة من الباحثين الجامعيين المغاربة ووفد مصري ممثل لجامعة عين شمس وكلية الآداب بها.

كانت الورقة التقديمية للندوة بيانا جاء فيه: " يتسم الفكر العربي، في مشتمليه التصوري والتدبري، سواء أكان تراثياً أم معاصراً، باعتماد المرجعيتين الدينية والدنيوية في تصريف الشأن الثقافي وفي التنويع عليه، ثم في عقد حوار مسترسل بين تينك المرجعيتين لفهم التاريخ ولتمثل سبل التعامل مع الواقع المعيش، ومع الأخر الحضاري في سلم الحضارة الإنسانية.

وقد يكون ذلك الفكر، على امتداد حقبه وعصوره، أوجد أنساقه وأنظمته في تفاعل مع أنساق معرفية أخرى حيناً وفي اشتباك حواري معها أحياناً أخرى.

ولعل، في هذا النزوع إلى الاشتباك السجالي، ما أذن باستمراريةٍ مراوحةٍ للمترتب عن ذياك الفكر من أنشطة ثقافية قد تكون منسحبة على غير قليل من الحقول المعرفية والجمالية؛ وإن اعتورتها قطائع لم تتسرب إلى الجوهر بقدر ما استبانت في المظهر.

من ثمة يمكن إدراك انعطاف المثقف العربي إلى تراث موغل في القدامة دون توجس منها، ومن غير إحساس بالبون الزماني القائم بين المعاصر والتراثي، وبالتباعد بين معرفتين ليستا متشاكلتين في المعاقد والمقاصد؛ وإذا تسلل الوهم بإمكانية حدوث التشاكل فإن المسافات غيرالتفاعلية الناجمة عن الهوة بين الهوية والعولمة الثقافيتين خليقة باطراح ذلك الوهم.

إن الثقافة العربية – كما اعتمدتها المنظمة العربية للثقافة والعلوم – " تنتظم جماع السمات المميزة للأمة من مادية وروحية وفكرية وفنية ووجدانية. وتشمل مجموعة المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها، وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني، وسبل السلوك والتصرف والتعبير، وطرز الحياة. كما تشمل أخيرا تطلعات الإنسان للمثل العليا، ومحاولاته إعادة النظر في منجزاته، والبحث الدائم عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله، إبداع كل ما يتفوق به على ذاته ". إنها ثقافة الإنسان.

ولأنها ثقافة الحياة فقد انبنت على قواعد تنصرف إلى الإنسان واضعة قيما ثقافية لعلها كانت تفسيرا لامتداد الفكر العربي وعدم احتجابه عن مد جسور الأسئلة بين الأصل وما تفرع عنه من فكر لعله أصبح أصولاً أو يكاد.

تلك القيم الثقافية ينتظمها الحوار والتسامح، والبناء الحضاري للإنسان، والانفتاح على التنوع الثقافي الكوني، والإسهام في التقريب بين المذاهب والأفكار، والإلمام بالآخر المعرفي لإيجاد قنوات الشراكة الوجودية في ضوء التكامل الثقافي الذي يؤسس للكينونة الكونية الناشئة عن حوار الحضارات، وعن الحق في أن يكون لكل هوية ثقافية معنى إنساني له أن يكون.

إن البحث في/ عن هذه القيم في الثقافة العربية محاور تستدعي مقاربات تأملية لآليات تدبير الاختلاف في الثقافة العربية، سواء منها ما يتصل بالفكر، أو ما ينبري من المنجز الأدبي، أو ما يتمظهر عبر التشكل البلاغي بكافة انتظاماته. "

 

تم استهلال الندوة بمحور "القيم الثقافية في تدبير الاختلاف" في الجلسة الأولى، التي ترأسها د. إدريس الخطاب، والتي تناولت فيها دة ثناء أنس الوجود " مفهوم الاختلاف وحق القراءة "، مبينة عن كون " الاختلاف، في حد ذاته، لا يعني عداوة وانفصالاً، فقد أصبحت الفجوة بين المسلمين واسعة وبحاجة إلى تدبير، رغم أن الاعتقاد الأولي بالتبني- كما أتصوره – هو تكريس هذا الاختلاف والمحافظة عليه، لا بوضعه الحالي الذي يمثل تمزقا أكثر من أي شيء وإنما على النحو الذي يصبح فيه الاختلاف نوعاً من التيارات المتجددة والمتعددة التي تصب في مجرى واحد فتعمل على احتفاظ ذلك المجرى بالجريان والاستمرار والتجدد .. ".

والتفت د. محمد البركة إلى " الاختلاف بين الحقيقة والمجاز "باستحضار" الزمان التاريخي في الربط بين الأفكار والوقائع ليس باعتباره الزماني فقط، ولكن باعتباره المعرفي والروحي وانعكاسه في واقع تعددي مع تنوع الأساليب ..، مقدمة لنهضة متماسكة قد تكون عائقاً إذا لم تتمازج الأفكار والأساليب والرؤى .. ولعل هذا ما يعطي للاختلاف المعرفي، كلما علا نضجاً عبر التواصل والحوار، تعاضداً وإعادة ترتيب للأولويات وتقريب للاتجاهات . ".

وانصبت مداخلة د. عبد الناصر السباعي على " تدبير الاختلاف بين الدراسات النفسية والدراسات الإسلامية " مشيراً إلى أن " الدراسات النفسية الحالية للشخصية القاعدية التي يلاحظها الباحثون في المجتمعات العربية الإسلامية تعطي صورة سلبية عن الإنسان العربي المسلم فيما يتعلق بقبوله للآخر المخالف. ويفسر هذا الواقع على خلفية الخصوصية الثقافية للمجتمعات العربية الإسلامية حيث تجمع الدراسات على جعل الاستبداد والسلطوية أبرز سمة في ثقافتنا."

وتطرق د. إدريس عدلي إلى " عولمة الثقافة وانهيار اليوتوبيا " إثارة إشكالية التعامل مع الثقافات الإنسانية في زمن العولمة، والتفاعلات المواكبة لها باعتبار التطور المعلومياتي الباذخ؛ مما يحفز على اعتقاد تأسيس ثقافة إنسانية نموذجية عالمية نافياً إمكانية حدوث ذلك، وذاهباً إلى اعتماد مقاربة تبحث عن المشترك في الثقافات الإنسانية تكون قاعدة لحوار الثقافات ..

 

اختصت الجلسة الثانية ب " اللامفكر فيه في ثقافة الاختلاف "وأدارتها د. ثناء أنس الوجود. نظر د. عصام عبد الله في "الاختلاف .. ومنطق الشبيه"مبلوراً أنه" على عكس ما هو شائع تكشف " صداقة المفاهيم "أن الأمور ليست كما تبدو لنا، وإنما هي تمضي من دون توقف نحو" التماثل "لا التعدد والاختلاف، وهنا مكمن المفارقة، وإن شئت المراوغة، فهي تقر وتعترف بالتعدد والاختلاف والتنوع، ولكن من أجل إلغائه ودمجه في "وحدة" هي "وحدة معنى" أو "تجربة مبنى" إن منطق الشبيه إذا استعملنا لغة دريدا ف "سياسات الصداقة" هو منطق استعلائي يرفض الآخر وينبذ الاختلاف .."

وقام د. محمد جدير باستثمار المنهج الوظيفي في قراءة "البؤرة والبعد الخطابي في الرواية البوليسية" مقترحاً مقترباً إجرائياً يتوسل بتفكيك البنية الأسلوبية لبيان مواقع الاستفهام بنية موجهة للتفاعل بين اللغة والسياق والموضوعة الروائية المتخيرة. وكان الأستاذ الباحث منصرفاً إلى بلورة الاختلاف الأسلوبي وكيف اعتمده السارد لتدبير الكتابة بشكل عام.  

وخص د. أحمد توبة "الأفق الروائي: ثقافة الاختلاف" بتركيز على محمد زفزاف في روايته "أفواه واسعة" حيث أثار السؤال عن تجليات المعتقد الديني في الرواية من خلال طروحات السارد عن الآخرة والموت والروح والتعصب الديني، .. وألح عليه في البحث عن دواعي إحجام الدارسين النقدة عن الإحجام في مقاربة هذه الشبكة من التجليات.

واستأثر د. محمد  بن الأشهب باقتناص "عبورية البيان" مداخلة اعتبرت أنه "تنبثق البيانات وتتعدد أنماطها وأشكالها ضمن سياق المنازعة، وفي زمن الاختلاف والخلاف. وهو رهين باستشعار الأزمة، ومحموم بصراع الجماليات. ذلك الصراع الذي يفتق من جديد السؤال الشعري، والسؤال حول الأدب بعامة. وننطلق في هذه الدراسة للبيانات الحداثية العربية من دعوى نسميها "عبورية البيان"، وهي أن البيان محكوم بالضرورة بالعبور من المعارضة إلى المحافظة .."

وخلص د. عبد الإلاه تزوت في مداخلته "مظاهر الاختلاف في السجالات النقدية بالمغرب" إلى القسم الأول منها موسوم بالذاتية والانطباعية، نقداً وتعقيباً، ومعلوم بالتقليدية، وإلى أن الثاني منهما ذو اتصال بالإديولوجيا أكثر من اتصاله بالأدب والكتابة النقدية.

 

أما الجلسة الثالثة التي أطرتها "بلاغة الكتابة في التراث العربي" محوراً، والتي قام بها د. أحمد توبة مسيراً، فقد افتتحتها دة. آمنة الدهري بمداخلة "الجاحظ: صناعتا الكلام والكتابة" بقراءة في"رسالة التربيع والتدوير" باعتبارها خطاباً حجاجياً ساخراً مفارقاً يسعى إلى منافرة الأفكار المتداولة، وقلب القيم الثقافية والجمالية لعصر الجاحظ. ومن ثمة إعادتها النظر في تحديد عدد من المفاهيم:

1 - الكاتب بين النموذج والنموذج المضاد

2-  صناعة الهزل في مقابل صناعة الجد أو صناعة الكتابة  

3 - المعرفة ومقترح جمعها بين الدين والفلسفة اليونانية

4- الطبائع من منظور فكرة الوسط الأرسطية  

فهي على هذا تتركز حول علاقة الإنسان بالعالم لتبني واقعا آخر للفكر والمفكر العربي في العقد السادس من القرن الثاني الهجري ."

وكانت مداخلة د.مصطفى الشليح بحثا في "من المتعدد إلى الواحد المتعدد: التحديقُ في النصِّ، حيث انتهى إلى أن  "للنصِّ المحقق صاحبين. له ذلك الصاحبُ التراثي الذي أتى ممهوراً باسمه أو أتى عارياً منه، وله هذا الصاحبُ المعاصر الذي أعاد إليه هويته الثبوتية وخول له الرواج في السوق النصية بعد أن قام بتأهيله حتى يقيض له أمرُ التداول بين قراء مختلفين؛ أي إن المعاصر من المواطنيْن ابتعث النص من رماده ليظلَّ عنقاء لا يدركها البلى، إذ إن الغضى القرائي ما انفك مشبوب الأوار التفاعلي، وما برح مشتعلا يتقدم نحو نهر الحياة ليستحم مرتين تراثا ومعاصرة.

 

     أيهما المؤلف ؟ أهو الكاتب أم المحقق ؟

 أليس التحقيق، في عمقه، ابتعاثـًا للنص من العدم، وإذا لم يكن عدما فهو قريب منه، وسعيا به إلى الترويج القرائي أم أنه كتابة ثانية له ليس شرطا أن تكون سوية الصورة ؟

وإذا كان على هذا النحو، وما إخاله إلا كذلك، فكيف يتناسل النص الواحد تحاقيقَ بها من التباين ما يزري بالتشابه ؟ وفيم يزعم كلُّ ذي كتاب أنه آخذه بيمينه وأنّ ما أتى به صورة ٌ"نموذجية" للأصل، وأن ما ورد عن " الآخرين" به من التخطئة ما يورده مهاوي الخطيئة ؟ "

وركزت د. نعيمة التوكاني على "زمن الفعل بين النحو العربي والدرس اللغوي الحديث" حيث سعت القاربة إلى إبراز "الخصائص الزمنية للفعل في اللغة العربية بالتركيز على إحالات أدى غيابها في النحو العربي إلى الاختلاف في ضبط العلاقات الزمنية بين بعض الآيات في النص القرآني الكريم؛ وذلك بتقديم نموذج من خلال إجراء الإحالة على الزمن السابق في القصص القرآني. يتم هذا الإجراء من خلال قواعد متسلسلة تكون نسقاً خاصاً. غير أن النحاة العرب أهملوا بعضها وأوردوا البعض الآخر منعزلاً عن النسق بحكم تركيزهم على دراسة الجملة دون النص. "

واختتمت الجلسة بمقاربة د. محمد حدوش  "المقصود بالتبَع في محاورة الغير بالذات" فاعتبر أن "أن حل المشاكل الكبرى في ثقافتنا العربية الإسلامية يستلزم مقاربة متميزة بالتأمل النقدي منفتحة على مكاسب العقل الإنساني وتقطع مع المحاولات التي تعتبر كل مسعى يشذ عن بروتوكول القراءة والتفسير الذي وضعه السلف مآله النبذ.."

                  

انعقدت الجلسة الرابعة الباحثة في "المعرفة – الهُوية – شَراكة الكينونة" برئاسة د. لحسن حيرا، وباستفتاح من د. سعيد شبار الذي عنونه ب "الاختلاف في الثقافة الإسلامية: من القطيعة إلى التواصل والتكامل"، واهتم ب "توضيح تأصل وتجذر الاختلاف في الثقافة الإسلامية باعتباره رافداً بنائياً من روافد هذه الثقافة. لكن الممارسة التاريخية حولت الاختلاف إلى عنصر هدم وتطاحن مما أسس لظاهرة القطيعة ليس بين التيارات الفكرية الدينية والسياسية والقائمين عليها فحسب، بل كذلك بين العلوم والمعارف المشكلة لنسغ هذه الثقافة، الأمر الذي يجعلنا أمام كيان ثقافي مهلهل ومثخن بالجراحات، غير قادر على مواجهة التحديات العاصفة من حوله. الأمر الذي يفرض، من جهة أخرى، رد الاعتبار لفكر الاختلاف لكن ضمن نسق منهاجي تواصلي تكاملي بنائي في مصادره المعرفية وتياراته الفكرية من أجل كيان ثقافي متعدد ومستوعب يعكس من قوة العالمية والإنسانية والكونية "

وجاءت مداخلة د. مولاي عمر بن حماد في "القرآن الكريم والاختلاف من الشرعية إلى التدبير" حيث عمل الباحث على إبراز القيم الثقافية المستمدة من القرآن الكريم. وركز د. إدريس مقبول على مقاربة "من التجوهر إلى التكوثر: بحث في أسباب الاختلاف الملي وطرق تدبيره" والتفت د. عبد المجيد مفلاح إلى "تدبير الاختلاف بين القراء والنحاة "، وانصرف د. عبد الكريم الواطي إلى " قواعد تدبير الاختلاف في الثقافة الإسلامية"

         

وقد اتسمت المداخلات المقدمة بالصرامة العلمية في الطرح، وبالمكاشفة النقدية في السؤال ثم اصطبغت بالحيوية الحوارية بين المتدخلين وبين الجمهور الذي تابع أشغال الندوة بانتباه فاعل تمثل في التعقيب الاستدراكي، وفي التعليق الاستفساري، وفي التذييل الحجاجي لما اشتملت هاته المداخلة أو تلك، بالتركيز على الذات والآخر، وبالتنصيص على أن هناك صيغا  لتدبر الاختلاف بين الأنا والأنا؛ إذ إنه عبره، يتم الخلوص إلى تصريف قنوات التواصل مع الغير، ثم بتخصيص الصدارة للتفكر التأملي / التمثلي قبل إيلائها للتدبر التطبيقي الإنجازي.

 

وكان من توصيات هذه الندوة الدولية تجذير التأمل في "تدبير الاختلاف في الثقافة العربية" حلقة ثانية تنعقد  بجامعة عين شمس المصرية في السنة المقبلة، بل جعلها حلقات دراسية على امتداد عقد من الزمان، ثم سؤال المؤسسات الدولية العمل على تأصيل مفهوم التواصل والاختلاف، والتوجه إلى الرأي العام بوجوب احترام الخصوصية والمغايرة والاختلاف في إطار ثقافة تحتفل بالإنسان، لترسيخ ثقافة الحياة والإنسان.

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home