قصة

 

لحظات ما قبل النص

قيس المرابط



لحـظات ما قـبل النص

 

صباحا و متأخّرا كعادته، يستيقظ الشاعر من نومه المتقطّع بالهلوسات. يُسرع إلى أقرب مقهى ليفتح عينيه في فنجان قهوته الداكنة كالسماء المحاصرة بالسّحاب. يَتّخذ رُكنا مميّزا ليتمكّن من رؤية العابرين إلى يومهم، و قطرات المطر التي تنساب بحماس شديد و بلا هَدف. يزيح غشاوة ذهنه بأصابع التبغ الرخيص و الكافين، ثمّ يرتّب دهشته كسرير ناعم  لاحتمال مرور مشروع حبيبة افتراضيّة، سواء من أمام واجهة المقهى البلوريّة أو عبر شاشة الحاسوب الذي ينتصب أمامه على طاولة خشبيّة ثلاثيّة الأضلاع. فجأة تدخل فتاة تفتّحت الألوان في ضفائرها عن غير قصد، بمشدّات الشعر الفراشيّة... فتذكّر الربيع. تُبادله تحيّة الصباح المتأخّر، و تختفي مع قهوتها السريعة كالمطر.  تمنّى لو أنّ النادل يُطيل انتظارها إلى حين فراغه من نحتها في ذاكرته. تمنّى لو أنّه دعاها بنيّة مبيّتة لتقتسم معه حديث الصباح الكسول، متعلّلا بالوحدة والمنفى مثلا أو ضيق الأفق. تمنّى لو شاطرها محنة الشتاء و خُلوّ غرفته من دفء جريء وضمّة أنثى.

يمضي الشاعر في صباحه المتأخّر كعادته بالأمنيات إلى حدّ الحسرة، و يعود إلى حاسوبه ليلتقط دفقا حارّا يُذيب تصلّب الشرايين و ثلج القلب. يمرُّ على صور مزّقها أزيز الرصاص و عنف متبادل هنا ... و هناك، و موت بلا سبب كخبزنا اليوميّ أو كالدعاء في الصلاة. صور تعبر كيوم عابر أو كسرد متقطّع في قصيدة نثر. يُشيح الشاعر بصره قليلا عن صور الكبريت الدّامي و هول الفجيعة و يتّجه إلى صفحة جديدة ليتعثّر بلا موعد بامرأة عالية الجودة في غرفة كونيّة على " النات كوم". سيّدة في كامل أنوثتها تبادل الشاعر عن بعد تحيّة الصباح المتأخّر أو تحيّة ما بعد الظهر، بتعاليم تقنيّة صرفة و بثقافة العولمة: تَتَحدّث معه عن السلم والحرب وعن قصيدة فقدت معطف الإيقاع عند الترجمة. يُودّعها سريعا على أمل اللّقاء بها في نفس المساحة الإلكترونية و في نفس التوقيت كمـن تذكّر أنّـه مـزدحم بالمواعيد و الأعمال المؤجّلة.

ينظر الشاعر إلى ساعته مثل من ينتظر صديقا حميما أو امرأة تهلّ عليه بلا مقدّمات، ليقرأ في وجهها أخبار الساعة و أحوال الطقس. يُغلق الحاسوب بعد أن يُتمّ قهوة ما بعد العصر. يقف.. يطوي شاشة المحمول و ينسى كعادته القلب بين ضلوع الطاولة. يقول " شكرا" للنادل و يمضي إلى نهاره الذي يبدأ في تلك اللحظة الحاسمة.

كان يتصوّر و هو يَهمُّ بمغادرة المقهى أنّ كلمة الشكر التي همس بها إلى النّادل منذ حين تدخل في باب المجاملات و اللياقة أو ما يسمّى بالنّفاق الاجتماعيّ، لكنّه سرعان ما تخيّل أنّ النّادل سيكون أسعد لو أنّ هذه الكلمة تدرج ضمن جدول التعريفة؛ بحيث أنّ كلّ من يقول له "شكرا" سيكون ملزما بدفع معلوم رمزيّ نظرا لتدافع هذه الكلمة و وطأتها على أذنيه على مدار الخدمة آلاف المرّات. حينها سيتمكّن هذا النادل من تسديد بعض ديونه و ما تخلّد في ذمّته من معلوم الإيجار، أو ربّما سيشتري بالتقسيط سيّارة شعبيّة تُغنيه عن زحمة النقل العموميّ و حركة السير... أو ربّما سيفكّر بفوائض هذه الكلمة إذا ما ادّخرها في دفتر التوفير، أو ربّما سيفكّر بجديّة مطلقة في التخلّي عن وظيفته و الشروع في مشروع تكون فيه كلمة " الشكر" رأس ماله الوحيد، و إلاّ عاد إليه شبح الفقر و كابوس الإفلاس من جديد.

تمرُّ هذه الهواجس و الأشياء في ذهن الشاعر كومضات بارقة، فيمضي بها إلى أقصى المستحيل، لكنّه سرعان ما يعود إلى رشده مقتنعا أنّ له حاجيّات بيولوجيّة لا يمكن الاستغناء عنها. يدخل المطعم. يتناول فطوره أو عشاءه دون أن يقول " شكرا" للنّادل حذرا وحيطة من عودة نفس الهواجس التي تُؤدّي إلى تخلّي العامل عن عمله. في خروجه يَتعثّر من جديد بثلاث نساء يُصنّفهنّ تصنيفا شعريّا بحسب ردّة فعلهنّ تجاه المطر المتثائب في آخر النهار. لا ينسى أن يقنع نفسه بأنّ التي لا تأبه للمطر و البرد و بلباسها الخفيف هي قصيدة نثر بامتياز، و كان يمكن أن تكون حبيبته القادمة إذا ما سنحت الفرصة أو ابتسمت. أمّا المرأة التي التفّت بمعطفها الرخاميّ و فكّت أزراره فيبدو أنّها نسخة من قصائد الستينات في تحرّرها الشكلي، في حين تبقى المرأة الأخيرة بمعطفهـا الأسود و بانتباهـها إلى المـطبّات على طول الطريق و احترامها لعلامات المرور قصيدة عموديّة على إيقاع " البيتزا" و " الروك أند رول".

تمرّ هذه التصنيفات في ذهن الشاعر أيضا و يمضي إلى نهاية يومه. يتأمّل الشجر الذي نما فجأة و يُسلّم عليه. يُصافح حصى مبلّلا في غير مكانه و يهمس إلى قطّ خبيث يراود غريبة الشارع عن نفسها: " عيب". تمرّ الصور كشريط في منتهى السينمائيّة و الحركة، و يبقى الشاعر مشدوها لقصيدته القادمة.

في الليل و حين تسرج فاكهة السماء أضواءها، كان يُغَلّق نفسه بالسواد ليبدأ الملحمة. يَسترجع تفاصيل يومه فتتناثر الصور بضبابيّة قصوى، و بلغة خام يكتب الشاعر سطره الأوّل كهبة من السماء. سيتذكّر الفتاة التي بادلته تحيّة الصباح المتأخّر و انصرفت إلى يومها السريع كالقهوة. سيتذكّر مشاهد العنف القادمة مع حبيبة افتراضيّة على الشبكة. سيتذكّر النادل الطامع في كلمة الشكر، و نساء الشّعر تحت المطر. لن ينسى الشجر و الحصى و لا القطّ المنهمك في المراودة. لكن يبقى السطر الأوّل في حدود العزلة محاصرا بلغة منكسرة تعـجز عن القول، و تبقى الصور على تُخوم المـسافة الفاصلة بين الواقع و الشعر. سيُحاول أن يستوفي طقوس العادة كأن يشعل سجائره الرخيصة أو يرتدي ملابس النوم، مشغولا بفكرة أنّ طقس الكتابة ينقصه شيء، و بأنّ فترة غياب نصوصه عن الصفحات الأدبيّة المختصّة ستظلّ معلّقة إلى حين.

 

يعود الشاعر إلى سطره اليتيم. يحاول ترويض اللغة/ الأنثى باللين مرّة و بالقوّة في أغلب الأحايين. يستجمع الذاكرة. ينفض الغبار عن الكائنات و المواد والألوان. يحفر في قشرة الأشياء عن صدى الأسلاف، و يبحث عن نور خافت يضيء فضاءه المغلّف بالسواد. يحاول مرّات و مرّات، لكن تظلّ عتبات النصّ القادم صامدة و منيعة كالمستحيل، و يظلّ الشاعر كخيمة في مهبّ الخيبة مزدحما بالسؤال؟

يتمطّط الشاعر على سريره ليقنع نفسه بأنّ الكلمات العظيمة تنبع من قلب الأشياء، و بأنّ الله انـتظر طويلا قبل خلق آدم، ليتخيّل صورة العبد. حاسمـا بأنّ يـومه كان فقيرا و أنّ عنصر الحركة و أحداث الصدفة كانت بلا معنى، وجازما بأنّ انهماكه بها لم يخلق فيه حالة الصدمة أو لحظة المكاشفة القصوى لينهال النصّ في أوج غزارته و صريحا كالنهار.

في الصباح الموالي يستيقظ الشاعر متأخّرا كعادته. يحاول أن يعيد اتّصاله بالأشياء التي بدت عقيمة و غير منتجة في يومه السابق. يحتكّ بها أكثر. يستمتع برفقتها كعاشق تعثّر بلا موعد بحبيبته المنتظرة. يطيل عناقها على أمل ضئيل بأن تدفعه إلى مضيق الكتابة و محنة الخلق، مُبقيا حواسه في استعداد مطلق لالتقاط الموجات السريّة أو التفاصيل الصغيرة التي قد تحدث فيه الرجّة لحظة إقامته في تلك الأشياء التي يحيا بها.

يعيش الشاعر يومه الجديد على الآمال الكبيرة و يغرق أحيانا في هامش الجزئيّات ليقتنص قُوت ليله و مادّة ما بعد السطر الأوّل. في الليل يعود معها إلى البيت، و إلى الغرفة التي تفتقد لدفء جريء و ضمّة أنثى. يعود محمّلا بالهواجس الألف، و العواطف المتناقضة الألف لبدأ معاناة الرحلة التي لا تنتهي.

بعد أسبوع أو شهرين أو ربّما بعد سنتين، سيتذكّر الشاعر هذه الأشياء، الكائنات، النساء جميعا، و تلك التي مرّت تحت المطر، أو مشروع حبيبته القادمة لو ابتسمت. سيتذكّر الشجر و الحصى وكلّ من لهم علاقة بالحياة. سيتذكّر أيضا القصيدة العموديّة و كذلك الأموات. فجأة... و دون علم أو قصد أو معرفة بعلم الغيب، تنهال الكلمات حارّة و بلا تعب. يسقط الشاعر في فتنتها النّائمة حدّ الغرق. لن يستطيع مقاومة انجرافها على مسافة البياض و انحدارها نـحو لحظة الفضح: سيكون مفضوحا و عاريا مثل نادل المطعم الذي لم يهمس إليه ذات مرّة بتحيّة الشكر، و سيكون محظوظا كالقطّ الذي راود غريبة الشارع عن نفسها " هيت لك"، خاصّة إذا ما اكتشف أنّ نصّه لن يحتاج إلى تشذيب كي يدخل المطبعة أو يسري كالرعشة السريعة عبر منافذ الشبكة.    

 

                                                                              قيس المرابط/ تونس

Kais.mrabet@voila.fr




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home