مقال

 

المقاومة الفلسطينية ضمير الأمة

معصوم خلف



 

المقاومة الفلسطينية .... ضمير الأمة

 

بقلم : معصوم محمد خلف

عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لايضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك " قالوا: يارسول الله وأين هم ؟ .. قال:"ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" .      أخرجه الإمام أحمد .

 أيامٌ حالكة السواد تمر على الأمتين العربية والإسلامية وهي أشد ما تكون ضعفاً وتمزقاً ومظلمة لم تشهدها البسيطة من قبل .

   في وقتٍ كانوا هم الذين أضاؤوا للعالم سراج المعرفة ونشروا بذرة الخير وأعطوا للحيوانات والنباتات قوانين الحماية والعطف في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريات الأخرى تقوم بحرق الإنسان ، كما حملوا لهذا الكوكب المثل الفاضلة والقيم النبيلة والأخلاق الحسنة والسيرة الطيبة .

ومع ذلك فإن أعداء الأمة يتربصون لها الدوائر ويكيدون لها العداء سراً وعلانية وخاصّة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001م حيث كشّرت عن الوجه القبيح لهم ، فبدأت وسائل إعلامهم في تشويه صورة الإسلام وزرع الحقد والكراهية وشرعت في قلب الموازين ، ورسم الخطط والبرامج في مواجهة هذه الأمة .

لقد أصبح العرب والمسلمون قطعاً متناثرة ليس لهم وزن ولا صوت ولا قوّة ... لأنهم متفرقون ومنصرفون إلى أشياء أُخرى بعيدةٍ عن المنهج الربّاني الذي جعل العِزة والقوة من أولويات شؤونهم .

ففي الوقت الذي يجتمع فيه أعداء الأمة في خندقٍ واحد ، بدون أن يجمعهم صلة ولا لغة ولا تاريخ ولا دين ... ولكن الشيء الذي يجمعهم ويؤلف بين قلوبهم هو عدو مشـترك " ألا وهو الإسلام " .

ورغم المفارقة العجيبة والدهشة الغريبة أننا نحن المسلمين تربطنا دستور واحد وتاريخ مشترك ولغة القرآن الخالدة والتي ينطقُ بها أطفال فلسطين وشباب طهران وفتيـــان  اندونيسيا وشيوخ باكستان ومراكش ودمشق والدوحة وعمّان .... في نغمة واحدة وروحانية مشتركة .. إلا إننا رغم ذلك كله فإن التفرق هو كبرى مشكلاتنا والتخلف عن ركب الحضارة والتصنيع هو السمة التي تميّزنا عن غيرنا ، وأن سبب ذلك كله هو أننا لم نعط ِ حق العقلنة الكافية لمفهوم الكلمة الأولى التي نزلت على سيّد ورسول هذه الأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي كلمة / اقرأ / التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع الكرم الرباني / اقرأ وربُّك الأكرم / ، فهي أول كلمة في آخر رسالة ولم تكن كلمة أُخرى من الكلمات العبادية أو السلوكية الأخرى .

فالمؤسسة التعليمية ينبغي أن تعلمنا كيف نجلس على رقبة العملاق ، المؤسسة التي تجعل صلتنا بالخبرات البشرية المتراكمة صلة صحيحة ، إنه ليس شيءٌ مثل العلم يبني التجاوز ويصحح الخطأ ويدل على المراحل المقبلة ، فالنهم بالقراءة والمطالعة النافعة يبيّن لنا ماذا نقرأ وماذا نترك ... وإنه مما يخجلنا أشد الخجل أن نحاول الكتابة في موضوع ما .. ونحن لم نطّلع على ما قيل في ذاك الموضوع ،ونحن هنا ربما نكون أُمناء أمام أجيالنا القادمة حين لا نحملهم الآصار والأغلال التي نحملها ، ونكون صرحاء أمامهم وأمناء على عرض الحقيقة بألا نكتمهم الحق ليتدبروا أمرهم وليخرجوا من القمقم الذي نعيش فيه ،

وكون / اقرأ / أول كلمة في آخر رسالة إشارة إلى عهدٍ جديد في التلقي عن الله، إنها آيات الله في الآفاق والأنفس التي ستُظهر للناس الحق وهذه الآيات إنما تُحفظ دلالاتها بالعلم والقراءة ، فبالقراءة يحصل الإنسان على علم الأولين جميعاً ، وبالقراءة يرقى الإنسان الدرجات العُلا ، وفي هذا يقل عليه الصلاة والسلام : " اقرأ وارقَ " أي على قدر القراءة تنال الدرجات العُلا وتنال الرقي والعلو والارتفاع ، والاستعمال التقليدي للحديث الشريف يقصده على القرآن الكريم ، وعلى الرقي في اليوم الآخر فقط ، ولكن- كما يقال في علم الأصول – الأمر ليس بخصوص السبب بل بعموم الحال ، وبهذا الاعتبار يمكن أن يعمم الموضوع فيشمل قراءة القرآن الكريم وغيره ، لأن القرآن يأمرنا بالسير في الأرض والنظر كيف بدأ الخلق ، ويمكن تحصيل نتائج السير والنظر بالقراءة ، فالقرآن يوسع لنا مجال القراءة ، وان قراءة أي كتاب يهيئ الباب لقراءة غيره ، وليس الرقي للقارئ في الآخرة فقط ، بل إن آيات الآفاق والأنفس تدل على أن القارئ هو الذي يرقى ويرتفع في الدنيا أيضاً ،

لذلك فأمتنا منذ أن هجرت كتاب الله تعالى وما فيه من نصح وإرشاد وتعليم ، فقد أصبحت تجني أشواك تخلفها وضياعها ، لأن الجهل بدأ يتسرب إلى معالم هذه الأمة من جميع الجهات ومن كافة الأماكن .

ولا أقول الجهل بمعناه اللفظي ولكن الجهل الذي جعلنا نعجز في اللحاق بركاب الحضارة من التطور والابتكار والتكنولوجيا ، بالرغم مما نملك ، فلدينا إرهاصات جديرة بالعناية وجامعات عدّة وعريقة ، ولدينا انجازات ولو انها مبعثرة ، ولدينا عقول وإن كانت مهملة وغير معتنى بها – وأغلبها تحتضنه هجرة العقول والأدمغة .

كما يلزمنا الترميم والإنفاق والتفعيل للأغراض البحثية العلمية النبيلة التي قامت مـن أجلهـا .

فالذي نعانيه اليوم هو حصيلة سنوات عديدة ولا يمكن في هذه الساعة أن نتجاهله أو نضع له المبررات والأعذار فتلك مناقشة لا يمكن أن نحصد منها إلا الخيبة والهزيمة .

وإن هذا الذي نحن فيه أصبح واقعاً يجب أن نعايشه ونحتاط له بكل مافيه من سلبيات واضحة ، وايجابيات قد تظهر على السطح ... ولكي لا نصبح لقمة سائغة في زمن نواجه فيه التحديات الجسام .

     فمن ضمن واقعنا المتردي ، نواجه عدواً شرساً ، جعل من التدمير والتشريد والقتل واغتصاب الأرض برنامج حياة ، أمام شعب أعزل ومحاصر ومشرد ولا يملك في يده إلا الحق والحجر .

هذا العدو يملك أكبر ترسانة سلاح بجميع أنواعها حتى المحرمة علينا فهي محللة له ، إضافة إلى الدعم الاقتصادي من الدولة التي تنادي بحقوق الإنسان / الولايات المتحدة الأمريكية /

وتستعمل سلاح الفيتو في مجلس الأمن ضد أي مشروع يدين هذه العصابة المجرمـــة إسرائيل.

أمام هذا الواقع المر خرجت المقاومة الفلسطينية من رحم تلك الآلام والعذابات لتدافع عن مقدساتها وشعبها وأرضها ، كونها تملك مشروعية الدفاع ضمن قوانين السماء وقبل معاهدات ومواثيق الأرض ، فالدفاع عن الأرض حقٌ أوجبه الشارع على البشرية جمعاء ، حتى إن الدفاع عن النفس غريزة راسخة في التكوين البشري وقد تجاوزت تلك الغريزة حتى باتت موجودةً لدى جميع الكائنات الحية ،

ففي الوقت الذي يتم اعتقال الألوف وتهديم البيوت بشكل عشوائي مع سياسة القهر والتجويع لهذا الشعب الأعزل ، فهو يتعرّض أيضاً لحملةٍ إعلامية شرسة من خلال أبواقها المتمركزة في الغرب ، لتجعل من الجلاد الضحية ،

فالجيش والمجتمع الإسرائيلي يتعامل مع الإنسان الفلسطيني من منطق الإبادة والقضاء عليه أو ترحيله من وطنه ، ليفسح المجال أمام هجرة يهود العالم إلى فلسطين   .

فالاحتلال الإسرائيلي ليس استعماراً خارجياً أو غزواً للأرض الفلسطينية والعربية فحسـب ، بل هو أخطر أنواع الاستعمار الاستعماري العنصري الإحتلالي الإجلائي وهو شكل مغاير لأنواع أُخرى من الاستعمار كونه إجلائياً / لليهود / واقصائياً إجلائـياً / للعرب والفلسطينيين / فهو أبرز مظاهر العنصرية في آخر مراحلها في العالم ، وهو أسوأ الأنظمة العنصرية قمعاً بعد زوال آخرها في جنوب أفريقيا منذ عقد ونصف العقد ، ويحاول استنساخ تجربتها " الأبارتيد " لتسييد العنصر / اليهودي / واستعباد العنصر والجنس / العربي الفلسطيني / ضمن مشروعه التوسعي الإمبراطوري في المنطقة   

" من الفرات إلى النيل " فهل مقاومة هذا الاحتلال بنظامه الصهيوني هي إرهاب حقاً ؟

  كما إن العقلية العنصرية الحمقاء للكيان الصهيوني تفسر الغريزة والتكريم التي يتمتع به الجنس البشري لها وحدها ، دون جميع المخلوقات وتدّعي أنها الكيان المقدّس والمشرف والمميز والمفضل ، وهذه في الحقيقة تعدُّ تجاوزاً حتى في حقوق خالق الكون ربنا سبحانه وتعالى ، الذي بيده مقاليد السموات والأرض ، فالذي يطالب الإلوهية على الناس وهي حق من حقوق الله تعالى ، هو الكائن الذي يملك جميع وسائل الإفساد والفاحشة والعنجهية والغطرسة والعنصرية والافتراءات والأضاليل المدسوسة لنشر الظلم والخراب والقهر على ظهر هذه البسيطة .

لقد أثبتت الوقائع أن الشعب الذي يقاوم الاحتلال والظلم هو الشعب الذي يستطيع العزف على أوتار المستقبل ، فالمقاومة الفلسطينية هي النواة الوحيدة والمشرقة والقادرة على صياغة جميع الملفات التي تخص الحق الفلسطيني برؤية موضوعية وفكر ثاقب لرسم الخطط المستقبلية بكل جرأة وتحدٍ كبيرين ، ولتكشف للعالم المصداقية الساطعة في زمن الضبابية الحاشدة والكثيفة تجاه الحق والعدل والكرامة .

والمقاومة الفلسطينية تبقى الشعلة المتوقدة التي تنير الطريق أمام الأجيال القادمة لتجعل من روحها منبراً يعتلي صهوتها أولئك الذين يرسمون للفجر المرتقب كتاباً مفتوحاً وملاحم خالدة تُنعش النفس الأسيرة والجسد المنهك والقلب الحزين .

القدس الشريف في الذاكرة الإيرانية المسلمة :

فمنذ أن ولد الكيان الصهيوني المسمى/ إسرائيل/ على أرض فلسطين والقدس الشريفة ، بدأ الإمام الخميني / رضي الله عنه ، بالتبليغ ضده ، والدعوة إلى محاربته ، وتقديم الدعم الكامل على كل المستويات إلى الشعب الفلسطيني المسلم ، وبشكل مفتوح إلى فصائل الحركات العسكرية المناضلة والمجاهدة لأجل إعادة فلسطين والقدس إلى حظيرة الإسلام والمسلمين  ، وتحرير القدس من رجس اليهود والصهاينة ظلَّ حلماً حبيباً من أحلام الإمام رضي الله عنه ، حيث خالط لحمه ودمه ودماغه ، ولم يفارق باله منذ اللحظة الأولى لولادة الكيان العنصري الصهيوني في الجسم الإسلامي ، وقد دلت على ذلك مواقفه السياسية المتكررة وسيرته العملية الصادقة منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران وحتى اللحظات الأخيرة من وفاته  ولأن مواقفه تجاه هذا الشعب المظلوم يشهد لها القاصي والداني حيث دلت على :

-       إقفاله السفارة الإسرائيلية في طهران ، وإعطاء مبناها إلى الثوار المسلمين الفلسطينيين .

-       دعوته إلى تشكيل جيش العشرين مليون من أجل تحرير القدس.

-       إقفاله أنابيب النفط التي كانت تضخ من طهران إلى الكيان الصهيوني في زمن الشاه المقبور ، وإلغاء كافة المواثيق والمعاهدات الاقتصادية والأمنية والإعلامية التي أبرمها الشاه مع ذلك الكيان الظالم .

-       تكفّل بمعالجة جرحى الانتفاضة الفلسطينية ، وتوفير مستلزمات العيش الكريم لعائلات الشهداء فيها ، وقدم الدعم المادي بمقدار الممكن الذي يفوق دعم العرب مجتمعين كافة في كل الأحوال .

-       وحينما أعلنت المقاومة الإسلامية الجهاد المقدس ضد اليهود والصهاينة في لبنان وفلسطين ، أعطاهما من دعمه المادي والمعنوي ما لا حد له ولا وصف .

-       إعلان الإمام رضي الله عنه بأن القدس للمسلمين وليس للفلسطينيين فحسب ، لأن الواقع العقائدي لقضية القدس هكذا ، وبالبعد السياسي من المهم جداً أن تكون مسألة القدس مسؤولية جميع المسلمين في العالم .

-       وبرحيل الإمام رضي الله عنه إلى جوار ربه ، ترك في قلبه أمنية أن يصلي في محراب المسجد الأقصى أو على مشارف القدس ، وأن يخضب لحيته بدماء الشهادة في مسجدها أو على مشارفها ، وهو يخوض غمار الجهاد مع المجاهدين ضد الصهيونية أعتى وأطغى عدو للإنسانية والمسيحية والإسلام   .

-       دعى إلى يوم القدس الذي هو يوم عالمي ، وليس يوماً يخص القدس فقط بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين ، إنه اليوم الذي يجب أن ننهض لإنقاذ القدس ، ويقول في ذلك :" إننا نطلب من جميع القوى الكبرى في يوم القدس أن ترفع أيديها عن المستضعفين وتلزم أماكنها ، إن إسرائيل عدوة البشرية وعدوة الإنسان ، وفي كل يوم تخلف فاجعة وتحرق إخواننا في جنوب لبنان ، إن على/ إسرائيل/أن تعلم أن أسيادها قد خسروا موقعهم الاجتماعي في العالم ، ولا بدَّ لهم من الانزواء ، ولا بد لهم قطع أطماعهم في إيران ، ويجب أن يمنعوا من التدخل في جميع البلدان الإسلاميّة ،   إن يوم القدس هو يوم إعلان هذا الأمر وإعلان أن الشياطين يحاولون إخراج الشعوب من الساحة ليفسح المجال لتدخل القوى الكبرى  . إن يوم القدس هو اليوم الذي تقطع فيه آمال الأعداء وليقتنعوا بأن زمن حكمهم قد ولّى إلى غير رجعة " .

إن المقاومة الباسلة التي تسلكها إخوتنا الأبطال في ساحات الشرف والكرامة أمام العدو المتغطرس ، هو الذي يهزُّ عروش الظالمين من مشارق الأرض ومغاربها ، وإن سلاح الاستشهاد في تلك المرحلة سلاح فعّال قادر على تصويب الهدف بدقة متناهية ، ليجعل من جسده الشريف الطاهر شظايا محرقة وقنابل مدوية تخترق أجساد الأعداء ،

كما إن سلاح الاستشهاد له مميزات عديدة أهمها :

-       سلاح بشري حسي روحاني يلتقط الهدف باستيعاب شامل في الوقت والمكان المحدديـن .

-       سلاح يزرع الخوف والرعب في قلوب الصهاينة ومن يلونهم بجميع طوائفهم من خط المواجهة وإلى أبعد نقطةٍ آمنة .

-       إنه السلاح الوحيد والورقة الأقوى في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي أمام العنف المفرط والإرهاب المنظم للكيان الصهيوني ، ذلك لأن كل سلاح مدرع لابُدَّ أن يكون له قائد وسائق وطاقم ورامي وغير ذلك إلا أن سلاح الاستشهاد يقوم باختصار جميع المهام في شخصية واحدة ، لذلك تكون العملية فريدة في الأداء ونوعية في المقاومة .

-       إن سلاح الاستشهاد سلاح نوعي خفيف الاستيعاب فالمقاوم الذي يتأهب لتنفيذ عملية استشهادية لا يلزمه معسكرات تدريب ولا ضباط توجيه ولا أجهزة رصد ورادارات ، فيقوم بعمل ذاتي طبقاً للممارسات العدوانية التي تشنها الجيش الإسرائيلي فيزيده حماساً وقوّة وعزماً وتصميماً .

-       إن سلاح الاستشهاد هو السلاح الذي يترجم للعالم أن الدم الفلسطيني ليس مستباحاً أمام القوة العسكرية والتقنية الحديثة ، ويصف في الوقت نفسه أن الدم الفلسطيني ليس أقل شأناً من دمائهم ، فحين تنفيذ عملية استشهادية تقوم الدنيا دفاعاً عن تلك الجثث الظالمة ، ويتم التنديد بشكل سافر واستفزازي ضد العملية البطولية ، أما عندما تدمر الآلة العسكرية الإسرائيلية البيوت على ساكنيها وتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية وبناء الجدار العنصري على الأرض الفلسطينية ...

كل ذلك لا يحرك ساكناً ، لذلك تبقى العملية الاستشهادية الطلقة الناطقة بالحق في معادلة التوازن والثأر .

-إن سلاح الاستشهاد يقف اليوم أمام أكبر ترسانة عسكرية ومدعومة من القوى الأجنبية الكبرى .. ورغم ذلك فسلاح الاستشهاد هي التي تقلب موازين الشر على رؤوس أصحابها ، لتجعل الأمة تستنهض من جديد بكل ثقةٍ وجدارة .

- إن سلاح الاستشهاد يخفف كثيراً من الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وإن العمليات النوعية التي نجمت عن سلاح الاستشهاد هجّرت مستوطنين من خطوط الالتحام إلى مناطق أخرى ، فالواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وسط حصارٍ ظالم وتدمير للبنية التحتية للسلطة الفلسطينية وتقطيع للأرض وإحراق الشجر والحجر ، ما هو إلا دليل قاطع على الأسلوب الاستعماري الذي تنتهجه عصابة الإجرام ضد الشعب الفلسطيني ، مما يجعل من الكرامة الفلسطينية هويّة غائبة ، لذلك يتطلب أمام كل هذا العدوان موقفاً شجاعاً تقفه كوادر المقاومة الفلسطينية بجميع فصائلها في بناء جيل مؤمن يتخذ من العملية الاستشهادية رداً عنيفاً للغطرسة والقتل والتدمير ،

وإن هؤلاء الذين يحملون أرواحهم في كبسة زر أو في حزام ناسف فهو ينهي بذلك سلسلة من الآلام والآهات التي يتعرض لها كل يوم وكل لحظة وفي نفس الوقت يرسم خطة مستقبلية لكفاح طويل ومقاومة عنيفة ،

فمن هذا المنطلق الحي والنادر يتم بناء قاعدة شمولية تتكفل في الدفاع عن الأرض والوطن والكرامة ،  إنهم المجاهدون والمرابطون الذين يحدّقون في الأفق البعيد كي يعيدوا للطفل الابتسامة وللتلميذ حقيبته المدرسية وللفلاح أرضه وللمقاتل حدائق فوّاحة من عطر الوطن الذي تتخذ منه العروس حنّاء ً ليوم زفافها .

  حقائق يجنب ألا تُنسى :

-       إن قضية فلسطين ليست قضية الشعب الفلسطيني وحده ، وإنما هي قضية الأمة المسلمة كلها ، وقضية كل مسلم في الأرض حيثما كان ، وكل نهج لا يقوم على هذه الحقيقة لا يدرك النجاح ، لأنه خالف قاعدة ربانية أساسية .

-       أن تكون فلسطين ملك الإسلام والمسلمين هي حاجة البشرية كلها ، لنشر الحق والصلاح في الأرض .

-       إنها كذلك حاجة العالم الإسلامي ، فسقوطها يهدد كل قطعة في العالم الإسلامي بالانهيار ، ولا يزال صدى تصريحات الظالمين في الأرض يدوي ليعلن عدوانهم وإفسادهم وحربهم على الإسلام .

-       لا يستطيع كل قطر أن يجابه عدوان الظالمين والمعتدين وحده ، فلا بدَّ من قيام صف الأمة المسلمة الواحدة كالبنيان المرصوص .

-       إن موائد السياسة الدولية لا مكان لها للمستجدين ولا للمستكينين ، ولن ينال هؤلاء منها إلا مضاعفة الشر والخسران .

-       لقد مرّت قضية فلسطين بجميع مراحلها دون أن يكون لها نهجٌ محدد ومفصل ودون أن يكون التصور الإيماني الذي عرضناه مطروحاً وثابتاً في القلوب والمواقف والنهج ، وان حاول فريق من الثبات تنازل قطاعٌ واسع من الأمة ، ومن حاول الثبات اختلطت معه الشعارات والولاآت .

-       أراد الكثيرون حلولاً محددة سريعة القطاف على عجلة وثورة عواطف وهيجان شعارات ، وعلى غفة وجهل وشقاق ونفاق ، وعلى جدل من أرائك الراحة والمراء والمصالح الشخصية والعرض الزائل  ويكثر الجميع اللوم ، وقليل من الناس يلوم نفسه أو يحاسبها ، وقد تجد الرجل يريد من الناس كافة أن يغيروا ما بأنفسهم ويظل هو يقف موقف الواعظ الذي لا يرى في نفسه حاجة للتغيير ، قتله الكبر والغرور وباء بالخسران ولو صدق لبدأ بنفسه أولاً .

السبيل والمخرج :

-  إن النصر من عند الله ينزله على من يشاء  .

-  فإما أن يكون الصراع بين الظالمين فيولي الله بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون .

-  وإما أن تكون فئة مسلمة وعدها الله بالنصر إن نصرت هي الله ، وإن أوفت بعهدها ، وإن آمنت وصدقت ، وإن عملت الصالحات وفصل منهاج الله ، وهذه الشروط الضرورية لنزول النصر من عند الله تفصيلاً لا يدع حجةً لأحد .

- سيبتلي المؤمنون ويمحص ما في قلوبهم ليكشف الله مافي الصدور ولتقوم الحجة على كل إنسان أو تقوم له ، وإن من أهم هذه الشروط الإيمانية قوله سبحانه وتعالى : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون "  سورة هود 113

- الجهاد اليوم فرض على المسلمين كافة ولكن الجهاد نهج وخطة ونية وعزيمة وتكامل وتناسق ، فإذا كان الجهاد العسكري معزولاً عن سائر أهداف الأمة المسلمة فلا بد أن يتكامل النهج والجهد والأهداف على أساس من منهاج الله والواقع وصفاء الإيمان والتوحيد وقوّة الممارسة الإيمانيّة والخبرة .

- إن المعركة الحقيقية تبدأ من أنفسنا حتى تذوب كل العصبيات الجاهلية ويصدق العلم بمنهاج الله والواقع  .

-  لا بدَّ أن يعود كل مسلم ليحاسب نفسه وأن تعود كل حركة إسلامية بمحاسبة نفسها ، لابد من وقفة صادقة ومراجعة ومحاسبة ونتق وتناصح حتى تمهد الطريق إلى لقاء المؤمنين الصادقين الذين يرجون الله والدار الآخرة وليكون لقاء على الحق الذي يرضي الله لا على الأهواء والشهوات والعرض الزائل .

- إن لقاء المؤمنين ضروري لبناء الأمة المسلمة الواحدة وأن بناء الأمة المسلمة ضرورة لتحقيق الشروط التي نرجو بها رحمة الله وعفوه لينزل نصره علينا .

 خاتمة :

في هذا القرن المشئوم سقطت الخلافة الإسلامية ، ونكست راية الإسلام واختفت من الصعيد العالمي كل علاقة تشير إلى وجود سياسي لهذا الدين الحنيف ، نعم كانت هناك أُمم إسلاميّة كبيرة تنتشر على رقع واسعة من الأرض ، لكن هذه الأمة لاذت بقومياتها الخاصّة ، ولبست أزياء مدنية مائعة ، وأغلبها استبعد الدين من الحياة العامة ، وأماته تربية وقانوناً ومسلكاً وشعاراً ، في الوقت نفسه كانت تعاليم العهد القديم لليهودية الكاذبة تصنعُ أُمة جديدة .

الموروثة وكانت الصليبية الحقود تُعينها بما تملك من قوّة ، احتضنتها أملاً مستبعداً وما زالت ترعاها حتى جعلتها حقيقة قائمة .

وهكذا أفلحت القوى الشريرة في ضرب الحق ، وتغيير معالم الدنيا وقيل في كل مكان : بدأت نهاية الإسلام تقترب ، يوشك أن يوارى في التراب .

شاهت الوجوه !  ! هم يحسبونها النهاية ، ونحن نجعلها بداية الصعود مرة أُخرى .

إن حقائق القرآن لن تتلاشى ، و الأساطير التي كذبت على الله وعلى الناس لن تُخلد ، إن الصراط المستقيم لن تُطمس شاراته أو تُضيّع آياته ، وعلى مسلمي الحاضر والقادم  أن يواجهوا قدرهم ويؤدوا  واجبهم ، الأعداء كثيرون والعوائق صعبة ، والكفاح طويل ، وربما صاح المرء وهو يودع محنة ويستقبل أخرى : أما لهذا الليل من آخر  ؟

إن الفجر سيطلع حتماً ، ولأن يطوينا الليل مكافحين أشرف من أن يطوينا راقدين

               " من خاف أدلج ومن أدلج نجا ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنّة  " .

مراجع البحث:

1ـ اليهود المعتدون ودولتهم إسرائيل ، محمد الغزالي  الدار الشامية بيروت ط1 1420هـ 1999م

2ـ فلسطين بين المنهاج الرباني والواقع د/ عدنان علي رضا النحوي الرياض ط4 ،1414هـ 1993م

3 ـ اقرأ وربك الأكرم  ، جودت سعيد ، دار الفكر دمشق

4 ـ الأصوليون اليهود بين أساطير التوراة والعلم الحديث ، د/ منى إلياس دار الفكر  - دمشق .

 5ـ الإرهاب الإسرائيلي وشرعية المقاومة والعمليات الاستشهادية د/ غازي حسين   ، دمشق .

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home