مقال

 

فانطازيا آكادير

مصطفى غلمان



 

فانطازيا آكدير أو الرحلة إلى بلاد سوس ماسة درعة

مصطفى غلمان

 

الرحلة إلى الروح، مثل الرحلة إلى الأرض. والأقرب إلى التأمل أن الروح والأرض عاشقان مميتان. بينما الروح تثرى في الهزيع الأخير من الحياة، تكون الأرض قد دارت على شمس بيوضها لترتاح من جاليليو. ثم إن الأرض أقرب إلى الأفكار منها إلى الغائب. وعموما فهذه النظرة المتصوفة لمعنى الترحال الفانطازي تومئ إلى إمكانية نشوب تواطئ بين العرفان والبيان وبين البداوة والحضارة، وبين القيد والتقيد. بلغنا المراد، وها نحن في المتن الأول من الرحلة، حيث تتحول الجسور إلى دوافع قوية لانتقال كبير، من لحظة الإيماء إلى لحظات داهمة تتوسل الأوثاق فيها نشوب أصوات متاخمة للنص. النص البوليميك، والنص الباطن والظاهر. والأهم، أن نكون بحاجة إلى مداولة جدلية، يلتقي فيها الواقع بالخيال، والحلم بالحقيقة، والأمل باللاأمل.

 

مراكش آكدير الطريق السيار والحاج محمد القنور

التعبير عن ضياع اللحظة هو من صميم الامتداد الزمني. والضياع ليس حسماً لمسبار الوجود ذاته. نتكفل نحن بوضع ميكانيزمات ضاغطة ليكون النص السيار، هو الطريق القادم الذاهب إلى المحج الآكديري. والأقوى في كل شيء، أن يكون الأديب المراكشي محمد القنور هو شعار هذه الغدوة العاشقة لمدينة نصعد إليها، وهي تأتينا من حيث لا ندري

البرنامج مشروع الرحلة إلى آكدير يقف عند هذا التقاطع من طريق يعبدها القنور، بصحوته المبطنة واستغاثته المبصرة وحضوره السيروري. لن يكون صعباً أن تمر على الحواف القاتلة لطريق محفوفة بالمخاطر، نرى أنفسنا فوق صخور مستبدة وظلال نازفة حد الصمت. ولكن الرؤية بمنظار الحاج القنور، وهو يوغل في حجم ضياعنا، وبتلك الشحنات الكامنة في انبثاقه وانطلاقه الترصيعي، يضع الحد لمخاوف السقوط، من قمة الضياع إلى قمة الوجود. خط وحيد يفصلنا بمجال الأرض، تلك السمة البارزة التي يتمكن الأديب القنور من توصيلها عبر أسلاك مرصصة بوقود الضحك حد البكاء، وحد تداول العبر، وبينهما نعود لنخفف الوطء، ويتكلم الشاعر عبد الرحيم عاشر في كل مرة وحين..

 

الصحفيون بآكدير ينتشلون التعليم من أزمة الليل عندما يستيقظ العالم ينام كل شيء بآكدير. غير أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتعليم، والتي يضطلع بشؤون إدارتها أحد أعلام الأدب والنقد المغربي الدكنور حنون مبارك، لا تنام البتة. ليلها مثل نهارها، ووريد شريانها يمتد أفقيا عبر حلم سادر ومتجاسر.

هناك يقف التفراوتي وباكريم وبركة والحمزاوي وليعيوط يستبدون بباب الفندق الفخم، يتبادلون القبل الجانبية، على شرفة وجود آخر بعبير الاحمرار المراكشي. وفي كل شيء يعبر صوت الدكتور حنون ليبيد الإرهاق في نفوسنا ويزل الغشاوة عن بيداء وقت يسرع بخطى كبرى .

ليس جديداً أن نستمع لعرض موثق، عن حالة التربية والتعليم بسوس ماسة درعة. لأن الأمر لا يدعو إلا لانتظار متأن ومحاولة سبر العلائق ووضع المقاربات، لنحصل على المعلوم. بيد أن الداعي للمزيد من التأمل، المساحة الجغرافية الشاهقة التي لا تحدها الأبصار المرئية وأنت تتخيل مدى فرادة الجهد التي تقوم به الأكاديمية لتغطية وتدبير القطاع. القرى الكثيرة والمتكدسة في أعالي الجبال الشاهقة وفي تخوم المداشر والجهات والمدن الصغيرة المكونة للولاية. والتعداد الصارخ للمطالب التي لا تتوقف عن الصراخ. والمشاكل الهيكلية التي تنوء بحملها جبال سوس ذاتها.

أين المفر؟ بل إن الإقبال على تسيير هذه الإمبراطورية الصغرى داخل مملكة بأكملها تحتاج لطاقم حكومي مستقل وأجهزة مخبرية دقيقة، وآليات ضخمة من الهليكوبتر إلى الإبر الصغيرة؟

ما الذي سيفعله الدكتور حنون وبطاقم إداري متواضع، غير الوقوف داخل واد من الحجارة والسجال، في ثورة مشحونة بالتحدي والرهان على المستقبل، ليقدموا شيئا صادقا، بضمير وطني صادق. غير محاولة وانتشال الأحلام من ضياع الزمن والإنسان...

 

نحلق في الفضاء ونعود إلى المطار: التفراوتي يتكلم لأناقته المعتادة، ولقلبه الصاخب المضرج باللغة المتبصرة والعالية الإيفاع يظل التفراوتي الملاذ العميق لتحصيلاتنا وحصائرنا، عبر الرحلة وعبر المتاهة عبر كل شيء. الرجل الذي يتجرد من شوفينيته ويعلن أمام الجميع أنه على استعداد لإنارة ما تبقى من جبال آكدير، شريطة أن نكون جميعاً على مذهب الحب. سأدعه في مغبة الحديث عن مطار المسيرة، وعن مديره المتألق أنس الحكيم، ولأول مرة أوغل بين ثنايا هذه البدعة المحبة له، أن أدعه يخترق مساحة بيضاء داخل هذا السرد الحارق، ليقول كلمته: موازاة مع تسليم شهادة الجودة العالمية "إيزو2000 /9001 لمطار المسيرة تبعالارتقاء خدماته  في مجال الملاحة الجوية, ومجموع الخدمات المقدمة للمسافرين ولشركات النقل الجوي ومختلف المستعملين  لهذه المحطة الجوية الدولية و التي صنفت بذلك كأول مطار إفريقي ووطني مميز بهذه الشهادة الدولية من قبل المكتب الدولي" فيرتاس كاليتي أنترناسيونال" ، وقع السيد عبد الحنين بنعلو المدير العام للمكتب الوطني للمطارات ميثاق للتنمية المستدامة مع السيد انس الحكيم مدير مطار المسيرة وذلك طبقا للمحور التاسع من برنامج التخطيط الاستراتيجي للمكتب 2004/2007  وتبعاً للتصور المعتمد والمنهجية المتبعة في تدبير المكتب الوطني للمطارات الواعي بأنه لا يمكن أن تكون هناك أية تنمية مستدامة على المدى الطويل إذا لم تكن اقتصادياً ذات جدوى واجتماعياً عادلة وبيئياً مقبولة ، وبذلك التزم المكتب الوطني للمطارات بتطبيق مبادئ صاغها في  ميثاق للتنمية المستدامة للمطارات وانخرط في تفعيل بنوده انطلاقاً من مطار المسيرة وذلك عبر تشجيع ثقافة المؤسسة لخدمة التنمية المستدامة, تعبئة مجموع موارده بواسطة نظام حكامة يرتكز على البحث عن التميز والنجاعة الاقتصادية, اعتماد مسؤولية اجتماعية مبنية على تنمية الكفاءات والتحديث الاجتماعي وتكافئ الفرص، تنشيط خدمات ذات فائدة عامة داخل سائر المطارات وتبني توجه تشاركي وتضامني باشراك جميع الفاعلين المعنيين، ضمان حماية الأماكن الطبيعية بالحفاظ على الموارد والتقليص من الأضرار والانعكاسات السلبية على البيئة، تشجيع استعمال التكنولوجيا التي تحترم البيئة، استجابة لحاجيات الحاضر مع الحفاظ على التوازن بين الأجيال، السهر على مطابقة التجهيزات والخدمات مع التشريعات الوطنية والدولية الجاري بها العمل ،إنجاز عمليات التدقيق والتقييم الايكولوجي مع السهر على نشر نتائجها, تشجيع المساعي الهادفة الى تطوير الولوج، السلامة والأمن المتعلقة بمجموع العمليات المطارية فضلا عما تتطلبه القوانين والأنظمة التي تنظم الميدان مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحاضر، واستشراف حاجيات وانتظارات الزبناء، والجماعة وكذلك الشركاء، سواء المعبر عنها أم لا، بما يتيح التطوير المستمر لخدماته وحث الشركاء على الانخراط في الالتزامات التي أخذها المكتب على عاتقه في ميدان التنمية المستدامة.

 

وبعد هذا وذاك، كان أنس الحكيم وبابتسامته العريضة والممتدة في غيابات الصحو والاجتذاب يترصدنا في كل خطوة، ويجيبنا عن كل لمسة ونسمة، ليعود إلى قاعدته، سالما وغانما، حيث سيبرز كشخص كارزمي في جلسة السهر والمسامرة.

الشبكة الطرقية وإبراهيم باعمال الشحرور المتيقظ ليس صعبا أن تؤلف القلوب أحياناً، ولكن الأصعب كيف تستعمل أبنيتك الراصدة لتؤلف هذه القلوب. في الشبكة الطرقية التي فتق نجادها المهندس الشحرور إبراهيم باعمال، المدير الجهوي لوزارة التجهيز والنقل بسوس العالمة، تنتمي هذه الوصلة الفريدة من فن التآلف حيث يستعرض باعمال تجربته الحادة والقاطعة ليشهدنا على مدى التواصل بين مراكش وآكدير. يقول إن الجغرافيا لا تحد الرغبة في الحياة بل إن العلم هو أساس هذا التواصل. ويستثمر معرفته الميدانية بالطرق الكبرى والصغرى، ليجيد تحويلنا إلى مناط اشتغالي بليغ. وبالأرقام الدقيقة وغير القابلة لأية مساومة فجة يصعنا أمام الرهان الصعب لإحياء جذوة المثلث السياحي الأكبر بالمملكة المغربي، مراكش آكدير وارزازات. حيث سنتمكن من رفع إيقاع الإقتصاد، ونثير الكثير من الحصافة الطرقية عبر شبكة متكاملة وفاعلة.:

كان باعمال صادقاً وهو يمتح من بريق شجرة الأركان؟ كان مزهراً بنورانيتها وهو يحاول قدر الإمكان مغادرة الجحفل الكبير من قطيعها الذي سيباد. غير أنه أبدى أسفاً عميقاً، مشوباً بالحذر. إذ يجب قبول الواقع، يقول باعمال لأن الأمر يدعو لذلك، المصلحة الكبرى تفرض الرهان، حتى لو كان ضد الطبيعة والبيئة، والمصلحة الكبرى تجب ما قبلها...

 La medina d, agadir coco polizzi

مدينة مغربية بقلب إيطالي "لاميدينا داكادير" منشأة سياحية كبرى، من تصميم وعبفرية فنان إيطالي ولد بالرباط  اسمه "كوكو بوليدزي" تقف هذه المدينة الرومانتيكية الباذخة على تخوم واد من الرمل وأشجار الكاليبتوس، على مساحة تقدر بأربعة هكتارات. جاءت من زمن بدأ السجال السياحي فيه يأخذ مجرى ملتفاً حول الاستثمار والصعوبات الإدارية. في عام 1992 جاء كوكو الإيطالي ليضع رهانه السياحي الهام في ربطة العنق، وليتحدى كل صعوبات الاستثمار في هذا المجال المتأبي والضاغط. عمل كوكو على استنباط كل الخصوصيات الهندسية المغربية في المركب السياحي، في التقوسات، وفي المنظر العام، وفي الحجارة ونوع المواد المستعملة في البناء. وبين هذا وذاك عمل كوكو على صناعة سوق داخل المركب السياحي، يشبه إلى حد ما سوق السمارين بمراكش وفاس، يفتح فيه لعملاء من الصناع التقليديين ومن أصحاب المواهب قلبه للعمل بشروط تحفيزية، من دون ضرائب أو عائدات.كوكو يتكلم بطلاقة غريبة، دون خوف أو وجل. قال لنا إن المغرب بلد جميل وخارق للعادة، لكن بعض من أداروا رحى تدبير شؤونه السياحية والمحلية لم يكونوا في مستوى الرهان، وعليهم أن يعيدوا تشكيل أرواحهم من جديد، لتكون قابلة للتعامل الإنساني وخدمة الإنسانية.

سنقف قليلا لنتبادل الحديث، ولنعيد ضبط ميكانيزمات الحوار بيننا. سنتواصل، من أجل أن يكون المغرب بألف خير. هكذا اتفقنا على أمل أن تعكس هذه الرؤية في مراكش، حيث يتفاوض كوكو لصناعة مدينة من الأحلام ، شبيهة بمدبنة كوكو آكدير...

تحت شجرة أركانة القيوح

لم يكن ختاما أن نصل إلى مفازة الأركان، وإلى ضيعة الليمون، حيث يقيم أكبر برلماني مغربي. فلاح أصيل. يحب الأركان، ويضع دارا مبنية بالتراب البلدي وبالسقف الخشبي رهنا لإشارة الزوار والأصدقاء ممن يحبون الحديث مع علي القيوح.

لوحات جميلة لا تنسى. فرقة موسيقية شعبية من بلاد هوارة تقص أحاديث الحب والهيام والتاريخ والأمل والعيش ...وعلى الإيقاع المتواتر يصنع الجميع من حضور الصحافة والأدب ما يجب أن يعبر عن السعادة العميقة. بيد أن الأمر الأكثر جمالاً وبهاء رقصة الشاعر عبد الرحيم عاشر. حيث يخرج من عباءته الأثيرية ليستبد بالفضاء. يميط اللثام عن شجرة أركانة، ويتحسسها بطرافته ونبله المعهود. يشمخ ويضحك ويستنفر القوى من أجل البلاء الحسن عند وضع الطعام. قصعة "الكسكس" باللبن في "الحلاب" ونصال داهم في ربقة كل ما لذ وطاب...عبد الرحيم عاشر الذي نستمد منه قوة الرهان على الحياة، وعلى التواصل ومحبة الآخرين. عبد الرحيم عاشر الذي غطا كل سموق شجرة الأركانة، ليمتع حياتنا ورحلتنا بالجمال واليقظة...

عبد الرحيم عاشر الذي قال له علي القيوح بعد أن أهدانا لوحة نادي الصحافة بآكدير، إن عاشر قادر على شحن الذاكرة برقصته المثيرة، وعليه أن يتوحد فيها ليستطيع العبور بنا إلى أرض الأحلام.

توأمة الروح وأشياء أخرى

توامة المستقبل بين ناديي الصحافة بمراكش وآكدير، لم تكم رحلة فقط بل جسراً عابراً للأرواح. كانت أغنية خالدة في عمق إنجازاتنا. كان فيها كل من الدكتور مبارك حنون والمهندس إبراهيم باعمال والأستاذ أنس الحكيم والمفكر السياحي كوكو بوليدزي والدكتور خالد ألعيوط والإذاعية مريم الصيفي وعامل إنزكان يت ملول ورؤساء الجماعات المحلية بآكدير وبرلمانييها. وأعضاء نادي الصحافة بآكدير جميعهم والشعراء والموسيقيون وكل شيء يفتنون أفقنا المنشود، ويوزعون قلوبهم خافقة بالمحبة والحب،... حيث سنعيد ترتيب أوراقنا على إيقاع العودة إلى مراكش، لكن هذه المرة، عبر النزول المفاجئ، في اتجاه فسحة الحياة مع الحاج محمد القنور......

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home