دراسات هامة

 

من سيرتي الذاتية

د. فاروق مواسي



 

من سيرتـــي الذاتيــــة

 

من رحلتي الشعرية:

د فاروق مواســــي

http://wwwgeocities.com/faruqmawasi

 

    هي رحلة شاقة بقدر ما هي ماتعة.  فيها العزلة وفيها التواصل، تصحبني جنية الشعر إلى آفاق جميلة ومدهشة، وقد تنقطع عني حتى يعود الضحى بعد سجو الليل،  وعندها لا تودعني هي... ولا تقليني. بدأت قرزماتي في المدرسة الابتدائية. كنت أولاً أجمع أقوالاً للشعراء في مواضيع معينة، فأنشر ذلك في مجلة"حقيقة الأمر"، وكنت ثانيًا أنشر في " جريدة الحائط" التي كانت تعلق في ساحة المدرسة. ثم أخذت فيما بعد أحوّر أبياتًا شعرية من قصائد معروفة،فإذا قال الرُّصافي:

"هي الأخلاق تنبت كالنبات" قلت أنا :"هي الأرزاء تكثر في البلاد"....وإذا قال قَطري بن الفجاءة: "فصبرًا في مجال الموت صبرًا"، قلت:" فصبرًا في بلايا الدهر صبرًا"...... وهكذا كلمة بدل كلمة ، وجملة بدل  أخرى، وكان الله بالسر عليما.

          ولما حاولت أن أتحرر من هذا التقليد والانتحال كتبت مقطوعة نثرية سميتها شعرًا،وأرسلتها إلى صحيفة "المرصاد" فنشروها في "رسائل القراء"  ، ومعها تعليق ساخر :  "يبدو أن هذا لون من الشعر لا نعرفه". ثم أخذت أحفظ الشعر وأطالعه بكثرة، وشاركت بل فزت في مسابقات أدبية إذاعية،ويظهر أن الاهتمام والصقل والمران تقوي كل موهبة،فهذا المتنبي أستاذي الأول حفظت له مئات الأبيات،فكان ملهمي ومصاحبي حتى يومنا هذا. وقد كتبت له قصيدة هي بعيدة عن أدائه،ولكنها قريبة إلى فخره:

                            يا أبا الطيب أنصت       روحك الصغرى تغني

                            إن يكن مجدي سماء      أنت  رب  منك   فني

لن يكون الشعر شعرا       دون أن يرقى  بفني

                              إن شعري  لهو سحر      من دنان الخمر  دني

..الخ

وبالطبع فهذه "القصائد" الأولى لما تنشر.

وهكذا كنت أدوّن ما يعتلج بخاطري من آلام وآمال فإذا رأيت قصورًا في بعض المعلمين كتبت أهجو            قد ضقت ذرعًا أيها الرجل      أمعلمون توافهٌ   نفـَل ؟!

وخاطبت مفتش المعارف الأستاذ أحمد إدريس -  وهو شاعر كذلك:

أبا مروان قد أبديت ودا      فقلدنا من الأشعار عقدا

ثم عشت مشكلة شخصية عبرت عنها،فقلت في مطلع القصيدة:

قسوة الأقدار فرض لا يطاق      فلماذا العيش من غير اتفاق ؟؟

وفي يوم "النكسة" كتبت قصيدة "كفرية" ظلت في أوراقي..

كانت قصائدي تترى، وكنت أقرأها على هذا المثقف أو ذاك،وأبحث عمن اقرأها له وأجره عندي عظيم. غير أن أحد الزملاء المتأدبين. – وكانت له محاولات شعرية جميلة – كان يعكر علي صفوي وهو يعلق:

"هذا المعنى ضعيف"،"هنا ركيك"،"لم تقل شيئًا جديدًا" ،"اللغة تقليدية".... فتفتر حماستي، وأقول لنفسي:" الشعر صعب وطويل سلَّمه".

 ثم قدّمت لصاحبي هذا قصيدة لي جديدة، وادعيت أنها للشيخ يحيى بن يحيى المعافري، وزعمت أنه شاعر عاش أواخر الدولة العباسية، وقرأت:

                 وحدي بهذا الكون لا خلٌ وفي           يصفي   إليَّ   الود   لم   يتكلف

وعزاء نفسي أنني    مستلهم           فكري وشعري من هواها المسعف

 

قال زميلي:"دعني أنقل هذه القصيدة الرائعة.   قل لي:كيف تعرفت على هذا الشاعر، وأين قرأت له و.و.."؟؟؟!!! فلما انتهى من نسخها أخذت ورقته بين يدي ووضعت اسمي مكان اسم يحيى، لأنني أحق منه بها،  فقال مبهوتًا :"مش معقول" !! وترك الورقة بين يدي.

(تذكرني هذه الحكاية بما جرى مع إسحق المَوصلي الذي قرأ شعرًا له على مسمع الأصمعي:

هل إلى نظرة إليك سبيل       فيُروّى الصَّدي ويُشفى الــعليل

فعلق الأصمعي أن هذا هو "الديباج الخسرواني". وسأل عن صاحب الشعر ،  فلما علم أن الشعر "ابن ليلته" - أي للموصلي – قال"أفسدته،أما إن التوليد فيه بيِّن" .

هذه الحكاية وعشرات غيرها تنحو نحوها أكدت لي ألا أحفل بآراء الآخرين إلى درجة قصوى،بل آخذ ذلك في حسابي دون أن يثبّط أحد  من عزيمتي.

من قصائدي الأولى التي "أعترف" بها  اليوم - كانت قصيدتي "حلم السلام"،  وقد كتبتها على إثر زيارة قمت بها  لفدوى طوقان في منزلها،فلما نشرت القصيدة في "المرصاد" بعثت بها إليها، فأرسلت لي رسالة عنونتها: "إلى الشاعر الرقيق..".

إذن فشعري رقيق لا "ركيك" وبشهادة فدوى طوقان.......

***

 

عندما عدت من نابلس أحمل في سيارتي ديواني الأول "في انتظار القطار" – 1971 كانت الدمعات تنساب خفيفة على خدي، وكنت أحس أن لدي دافعًا لأن أخاطب الجبال والتلال على جانبي الطريق ، وأقول لها إنني  أصدرت ديوانًا، وقد حدث أن أشار لي مسنّ بأن انقله في سيارتي،فنقلته إلى قريته وأهديته كتابي – رغم أنه لم يهتم إلا بصورتي على الغلاف.

كانت قصائد الديوان منتقاة،لغتها متخيرة،وربما كنت أعمد إلى ذلك تدليلاً على براعة مفترضة،وكان غلاف الديوان قد رسمه فنان من نابلس قيل لي مؤخرًا بأنه مجنون، وكان قد أودى بحياة أمه.   ..........ترى هل يرتبط الشعر بنوع من الجنون؟

قدم د.ساسون سوميخ أستاذي – حينذاك – في جامعة بار إيلان هذا الديوان،وكنا صديقين حميمين،فجعل التصدير أبياتًا استقاها من شعر شيلي:

"إن أخلص ضحكاتنا لمثقلة بشيء من الألم، وأعذب أغانينا هي تلك التي تحكي عن أحزن الأحزان".

وفي علمي أن هذا المعنى ورد كذلك في شعر علي محمود طه في ديوأنه "أرواح شاردة" وبصورة مجملة،  وخاصة في الشق الثاني من القول:

وإن أشهى الأغاني في مسامعنا

ما سال وهو حزين اللحن مكتئب

لقد رسخ الأستاذ س.سوميخ بي ثقة بالغة،فهو يحدّث القارئ عن اللذة والفائدة والمتعة في اكتشاف معانيَّ الجديدة والعميقة،وهو يرى أن شعري تجريبي ،  وأن "ثمة بشائر أسلوب خاص بالشاعر الشاب فاروق مواسي ....إذا تعهده صاحبه بالعناية والصقل والمثابرة فلسوف يستطيع أن يصل به درجة الإبداع الفني" (مقدمة الديوان،ص4).

وأحسست أنني، وقفت على قدمي..... ومضيت في سبيلي.

في ديواني الأول أو في نهايته اخترت باب "من الدفتر القديم" ، حيث أودعت فيه قصائد تقليدية الشكل، وكأنني أتحفظ منها، أو أنني منها على استحياء، كما جعلت في الصفحة الأخيرة تذيـيلاً بشرح الأسماء الواردة في قصائدي كالغافقي،"صغير الأندلس"،النرفانا،سيزيف،اللوبركال... وكأنني أهمس للقارئ – ها هي أشعاري تدل على ثقافة واطلاع،فإذا لم تفهمني فالمشكلة هي مشكلتك،أو كما قال أبو تمام  : "يا هذا لم لا تفهم ما يقال"....ومع ذلك،فيشهد الله والشعر والجنية التي حدثتكم عنها أن كل كلمة كتبتها هي صادقة صادقة،وأن لكل قصيدة قصة.فالقصيدة"الأولى في الرثاء" مثلا هي في رثاء الرئيس جمال عبد الناصر،فقد استمعت إلى نعيه في إذاعة القاهرة،فأخذت أكتب وأبكي،ولما فرغت من القصيدة بعد ربع ساعة سميتها"القصيدة الأولى في الرثاء" ظنًا مني أنني أول من رثاه،وكذلك لأنها للرجل العربي الأول في عصرنا ،أو ربما لأن الرثاء الحقيقي في نظري يجب أن يبدأ من هنا،وليس أدل على ذلك من دموعي التي لم تجف .

إن العناوين في أشعاري كثيرًا ما تحتمل أكثر من معنى......فالقطار في ديواني الأول قد يعني قافلة الجمال،والقطار قد يعني المطر، كقول الشاعر:

ألا يا حبذا نفحات نجد      وريا روضه بعد القطار

بمعنى أنني انتظر الغيث الذي يغيث،فينقّي الأرض ويخصبها معًا. وقد يكون العنوان محمولاً على معنى القطار الحديث – أي أنني أنتظر أمرًا لا أعرف إن كان قد وصل أو أنه قد فاتني،أو ربما أنتظر كما ينتظر (جودو).

وقد عبّرت عن القضية الفلسطينية في قصائد – "أنا ومحنة الغافقي"، و "العودة إلى حكاية لقيط الإيادي" وفي "نشيد أو نشيج". كما رثيت عبد المنعم رياض في "بكائية ليست كالبكاء" وهي قصيدة تمزج بين أوزان الشعر وصوره.     وكانت "مرثية حظ عاثر" و "مكاشفة" لهما بعد صوفي،كما كانت هناك قصائد حوارية وخطابية للذات الإلهية.

***

أصدرت ديواني الثاني "غداة العناق" – 1974 بقالب (فورمات) جديد،وجعلت "غداة" ذات إمكانيتين في القراءة،وكتبت للمجموعة مقدمة سميتها"مفتاح" قلت فيها:

"فإذا ما جذبك الإيقاع إلى بوابة الوصول تلتقي هناك الرمز حارسًا،فيبقيك في مجالات التردد يثير الدهشة .من الكلمة ونغمتها إلى تجربتي،فإذا بها تصبح تجربتك،فتعيد تشكيل القصيدة بالشكل الذي ترتئي،ولا غرو أن تكون أنت الشاعر"،قلت ذلك ولم أكن قد تعرفت بعد على نظرية التلقي.

بدأت المجموعة بقصيدة "المسرح والمهموم" ...وهذه القصيدة مطلوبة في امتحانات البجروت(ضمن الوحدات الأربع)،وقد ترجمها إلى العبرية زكي بنيامين،وحاورني حولها جاد ليفي في الإذاعة العبرية.وفي الديوان قصائد وطنية أخرى ليست مباشرة،كما أن فيها "صورة جديدة لامرئ القيس" و "ليلة ابن المعتز" و "المزمور الحادي والثلاثون" ...ولكل قصيدة حكايتها. ويبدو لي اليوم – ناقدًا – أن هناك ضرورة لاستقصاء أجواء كل قصيدة وظروفها ،  ولتقديم أضواء كاشفة تحد من حرية التخيل التي هي في غلو وإيغال،إذ أنني واثق أن المتعة في التلقي ستكون أكبر وأكثر.

***

صدر ديوان"يا وطني  !!" عن مكتبة الشعب في كفر قاسم سنة 1977م ، وفيه ثلاث قصائد من وحي يوم الأرض، وهنا أخذت أجرؤ أكثر سياسيًا،فأشارك في منصات الحزب الشيوعي،كما كتبت عن وثيقة كينغ العنصرية،ونافحت عن أهالي الخليل المحاصرين، وكتبت عن القدس ولبنان ومسجد قيسارية الذي أضحى حانة، ورثيت راشد حسين،وألقيت القصيدة يوم تشييعه،كما رثيت الفدائيين الذين حرقوا في بيسان.. ومن جهة أخرى كتبت قصيدة فيها نغمة يائسة هي "تنويعات منا وفينا" ،  وكتبت عن "الجاهلية" التي تنخر فينا،وعن بعض تقاليدنا وعاداتنا السلبية.

ولا بد من تسجيل التتويج الذي أملت أن يكون يومًا ما نشيدًا وطنيًا:

الأمل المخضرّ على صفحة قلبي

يسألني يومًا يومًا .....عن دربي

هل أملك أن أحفظ عرضي

أعشق أرضي ؟

........

***

في ديوان "اعتناق الحياة والممات" (1979) طغت قصائد تروي عن البقاء والثبات رغم الموت الذي يحدق بنا ويحيق،فتغزلت وتجرأت، وكتبت قصائد قصيرة منها ما يدعو إلى ضرورة التعايش بين الشعوب. وكانت هناك"لعبة السفر والموت" في أشكال ودوائر وخطوط تتقاطع فيها كلمات مفردة. وكانت هذه التجربة تسجيلاً فنيًا لحادثة سير كادت أن تودي بي. وأنهيت المجموعة بأربع صفحات بيضاء -  هي قصيدة "صمت".وبالطبع فقد كانت هاتان القصيدتان سببًا للتندر من قِبل هذا وذاك،فهذه المفتشة هالة أبراهام المسؤولة عن اختيار النصوص في مناهج التعليم تسألني إن كنت أوافق على اختيار قصيدتي "اللعبة"، وهذا صديق يأتيني مفاخرًا بأنه يحفظ لي قصيدة من ألفها إلى يائها،وعندما أطلب منه أن يقرأ علي ،فإذا به يصمت صمتًا طويلاً..... وقد فوجئ الكثيرون لقولي إنني استطيع أن احلل هذه القصيدة "الصامتة" في كتاب كامل.

أما ديواني "إلى الآفاق" (دار الأسوار – 1979) فقصائده معدة للشبيبة والطلاب، وقد حفزني على كتابتها أن شعراء متميزين في العالم، أعطوا كذلك للأطفال ولأبناء الشبيبة،فالإبداع هو إبداع. وسرني أن بعض قصائدي هذه لاقت استحسان هذا الملحن أو ذاك،فلحنت قصائد "القدس" ،"نعم المعلم" ، "طالب العلم"، "نشيد المطر"،و "دراجتي" وقد صدرت لي أواخر عام 2001 مجموعة أخرى هي "أناشيد وأغاريد".

***

صدر ديوان "من شذور التعب" – 1987م – ضمن "الأعمال الشعرية الكاملة – المجلد الأول"، وفي هذا الديوان قصائد وجدانية منها الوطنية والمراثي (السرطاوي، سامي مرعي  ،  فهد القواسمي،عبد اللطيف الطيباوي، أبي..) وفيه الغزليات الجريئة شكلاً ومضمونًا. ومن الطريف أن أذكر أن هناك قصيدة عنوانها "فاروق مواسي" وتبدأ :

"أحببت هذا الاسم حتى قد كرهته.." وتحدثت فيها عن أشجاني وخيباتي، ومنطلقي هنا أن الشاعر يجب أن يتحدث عن ذاته أولاً وقبلاً.

وفي ديوان "الخروج من النهر" – 1989 ثلاث قصائد طويلة : الأولى "الخلاص من نهر الظمأ"، والثانية "مصطفى العابد"، والثالثة "أندلسيات"، وقد قدم الناشر في "دار الشفق" المجموعة بقوله:

"تتميز أشعار د.مواسي بأنها صادقة تنبجس من نفس حساسة تجيش عاطفة ووطنية، وهو يمارسها معاناة ووجدًا تشي ألمًا ووعدًا.." وإني لأسأل اليوم، هل كنت قد ساعدت الناشر في كتابة هذه الكلمات عن نفسي؟... ربما  !!

نشرت القصيدة الأولى أولاً في 18/12/1987 بعد أيام معدودات من بداية الانتفاضة.

ومن الطريف كذلك، أنني تنبأت فيها بكل ما حدث بعد ذلك من استمرار المقاومة من جهة، ومن قتل وقلع أشجار وهدم ونفي وتشريد وحتى دفن الأحياء من جهة أخرى.

وكانت "أندلسيات" على إثر زيارة لهذه البلاد الرائعة، وقد بدأتها بمعارضة لموشح لسان الدين بن الخطيب، وأنهيتها بالعود إلى الموشح، بينما تخلل ما بينهما أشعار عن مواقع زرتها، وذلك في أوزان مختلفة، اللهم إلا مقطوعة "على نجوة من مضيق جبل طارق" فهذه انطلقت بلا وزن ولا قافية، لأنني لم أجد ما يضبط جموح عاطفتي هنا أو يوقع إحساسي.

***

في ديواني "قبلة بعد الفراق" – 1990 كتبت عن قيامة الشهيد، ورثيت أبا جهاد، وخاطبت "العقل" اليهودي في أكثر من قصيدة. ومن جهة أخرى كتبت تخطيطات لوجوه رائدة في مجتمعنا.

أما  ديوان "ما قبل البعد" – 1993م ففيه قصائد عن القدس، وهنا بدأت بما أسميته "قـُصَيِّدات" وهي تتراوح بين الحب والوطن والفلسفة الذاتية.

وفي ديوان "لما فقدت معناها الأسماء" – 1995م مزقت كلمة (معناها) على الغلاف إلى ثلاثة أقسام، وبدأت المجموعة بغزلية لرفيقة عمري، حيث شكوت لها بعض ما أعانيه من عقوق، وشكرت لها وقوفها إلى جانبي في كل أزمة. كما تحديت الذين كانوا يتقولون بعض الاقاويل على توفيق زياد – القائد الوطني، فكتبت قصيدة "كأسك يا توفيق  ! ". وفي الديوان قصيدة "الماء المجنون ورثاء المجهول" وهي على إثر زيارة لي إلى المغرب، وكنت قد زرت مشاهد لا تنسى في أعقاب فيضان هائل، وفيه كذلك قصيدتي "بكائية على الصلاة الإبراهيمية" عن جريمة غولدشتاين في الخليل – وقد نشرت هذه القصيدة في "أخبار الأدب" المصرية وبمكان بارز ، وقرأتها على مسامع إيهود أولمرت  (كان رئيسًا لبلدية القدس )  ، وأحس بنبضها من نبراتي في قراءتها .

واختتمت المجموعة بقصيدة ليست لي، وإنما هي تتحدث عني، تبدأها هي:

ألأنك لم تقرع في شعرك باب السلطان

لم تتمسح أعتابـًا في بهتان

ما استاموا لك في سوق الشعر

أغنية

***

في "خاطرتي والضوء/نبضات" (1998) الصادر عن "بيت الكاتب" في الناصرة، بدأت بجواز مرور شرحت فيه أن كتاباتي ليست طواعية وترفـًا، بل هي تعبير عن قلق ينتابني. وكانت قصيدة "حبي فلسطيني" فاتحة لديواني:

الأرض أرضي وليس الشوق يبريني

الشوق يحدو إلى حبي  -   فلسطيني

ومن العجيب أنني كنت قد نشرتها "يحدوني" وقرأتها مرارًا وتكرارًا كذلك دون أن أنتبه إلى كسر في الوزن، حتى نبهني عليه أحد الأصدقاء، وكم صعب علي تقبل التصويب.....

وثمة قصائد أخرى منها "عذاب المدى" بعد زيارة لي لأطلال عين غزال وإجزم، وقرأت هذه القصيدة الطويلة فيما بعد على مسامع ابن عين غزال قريبي الدكتور إحسان عباس فأثرت أشجــانه.

أما "حوارية الموت" فربما تكون أول قصيدة تناولت الموت بتفصيل وفلسفة مركزة وبأضواء تنبث فيها رفضيات الموت.(قرأت بعدها  بفترة "جدارية محمود درويش" المعبرة عن تجربة حية درامية).

وفي الديوان بعض القصائد الاجتماعية:"باسم الشرف" – وهي عن قتل المرأة ظلمًا وعدوانًا ،  و "مأهاة من جيل اليوم"- وهي عن بعض الشباب الخنَّع. واستمرت هنا أيضًا قُصَيداتي أو مقابساتي، واختتمت المجموعة "بسمفونية" هتاف  الصدر ،  وهي غزلية جريئة، ثم بشلالات نياغارا(بعد أن تمليت منها) – حيث لاقت هذه أصداء طيبة، ولا يزال بعض الأصدقاء يحفظون منها، بل يسمعون أذني عنها ما يروق لها سماعه.

***

ماذا يعني لي الشعر:

للأمانة سأبدأ هنا بإعادة بعض ما كنت قد ذكرته للطالبة ألطاف أبو هنطش التي كتبت عن شعري في نطاق وظيفة تخرج،( وقد نشرت أقوالي في صحيفة "أيام العرب" 23/6/2000 ) قلت:

" أجبت عن هذا السؤال بصور مختلفة تبعًا للموقف عن العلاقة الجدلية بين الشعر والحياة – أي ماذا يجب أن يعكس الذات بصورة خاصة أم الذات المعبرة عن الهم الجمعي؟ هل هو الفيض التلقائي حسب ووردزوورث أم هو عملية بنائية تنطلق من الشعور، وكلها كنت قد عايشتها حقًا وصدقـًا.

شبهت قصيدتي بأنها فراشة زرقاء لاحقتها ، وإذ أمسكت بها تناثرت.... ولم يبق منها إلا كلمة "حب".

إنني أعمد إلى الشفافية في الأداء، ذلك لأن الكلام المبهم مستغلق، ولا يؤدي إلى شيء،قلت:

" لو يأتي من يحفظ شعرًا مخصيًا أو معميّا

يلقيه على مسمع معشوقة

هل ترعش شفتاها

هل ينبض نهداها

هل تطلق آها

أم تتحرك

لوداع؟!"

القصيدة – في رأيي – التزام إبداعي صادق،تعبر عن الشاعر وعن همومه التي تتلاقى وهموم مجتمعه، والشاعر له جوانب وحالات وأشجان،وأحاديث ذات شجون،وهو يحس القضية، ويتألم، ويعشق، ويرفض، وقد تكون بعض انطلاقاته سياسية،أو قد تكون السياسة لبستها.... فكونت فرادة بمعنى INDIVIDUAL .

الشعر ليس هواية بمعنى ترفي،بل هو قدري ولعنتي وحبي ومجتلاي،وكما تفرح الوردة في نشر أريجها أفرح أنا في نشر قصيدتي. أستمع إلى ردود الفعل،وأسعد إذا راقت أو إذا ذُكرت بخير. بعد سنتين أرى كل قصيدة بمنظارها الحدثي أو المنطلق من التجربة بعينها.

وكثيرًا ما أقرأ قصيدة لي  قديمة ،  فأقول لنفسي :" اليوم أنت – يا ولد – لا تستطيع أن تكتب سطرًا مما كتبت. كيف استطاع فاروق الأمس أن يهتدي إلى هذه المعاني؟ "

وإذا لم أجد لقصيدتي أذنـًا أقول لها : لك الله يا قصيدتي...لابد إلا أن يحضر الناقد الجاد/فانتظري!.

يهمني أن يرضى الجمهور الواسع عن قصيدتي الوطنية،ولا يهمني كثيرًا أن أجد العدد الكبير لقصيدتي الفكرانية أو المتعمقة. أما "الوطن" في كتابتي فهو يعني المكان والزمان والنباتات والطيور والتربة والهواء والسماء، وأهم من ذلك الناس بعلاقاتهم وانفعالاتهم وتداخلاتهم وتشربهم لهذا الوطن، ففلسطين ليست مجرد ترديد يُحفظ،.... إنها كينونة وانصهار في بوتقة.

 القصيدة لدي تتخلق بعدما أعايش أحداثها أو أجواءها أو أشعتها، أحيانًا تلد مخلوقًا كاملاً مثل قصيدتي "ندّ على أضرحة عراقية" -  إذ وردت علي بسبب العدوان على العراق،فكتبتها بتواصل والدموع تنساب من مآقيّ. ولم أكن في بلاد الأندلس – حين كحلت عيني بمناظرها -  أنظم أو أستشعر، بل ظننت أن معين الشعر قد نضب.... إلا أن زوجتي كانت تطمئنني أنني بعد عودتي سأكتب قصيدة - هي القصيدة في نظرها. و صدق حدسها في أنني كتبت .... .

إن أهم ما يميز شعري هو الصدق، فقصيدة غزلية مثلاً من شأنها أن تقيم عليّ القيامة أمام زوجتي، ذلك لأنها تعرف أنني لا أكتب هكذا عفوًا أو عبثًا أو من غير نار تتوهج في خلل الرماد. ثم إنني أعالج (التابوهات) – المحرَّمات من دين وسياسة وجنس بصراحة ،  وإن لم تكن أحيانـًا غير متناهية. فاقرأ قصيدتي " أغسل خوفي" مثلاً لتجد هذه النقمة العارمة على التزمت الديني البعيد عن المنطق الذي ورد في قولة تعالى "لا إكراه في الدين".

أحاسب قصيدتي_ ناقدًا – ولا أحابيها، بل أجد الجرأة لأن أقول لشاعر معين "قصيدتك هذه أفضل من قصيدتي في بابها " وقد حدث ذلك أكثر من مرة. وبالطبع فهذه صفة تندر بين الشعراء، وقد لا يصدقها عني بعض الأصدقاء..... ولكنها حقيقة.

الرمز وارد كثيرًا في قصائدي بأشكالها المختلفة، فمن الرموز ما هو تاريخي أو أسطوري، أو فولكلوري، فلسفي أو إبداعي مستجد.

وفي شعري تناصّات كثيرة من القرآن ومن وحي الصوفية. والدين لدي هو حضور الحضارة الإسلامية العربية في نسيج قصيدتي حضورًا يتجاوز الناحية الشكلية غير الموظفة.

ليس في شعري ولا أظن في شعرنا المحلي وقفات وصفية طويلة مستقاة من الطبيعة، فالطبيعة عندي هي الوطن،المرأة،والإنسان في الطبيعة.

شعري هو أناي،تلخيص لي،وأحب أن ينطلق.....وأن يكون حرًا يعانق الكون كله.....أطمح إلى  أن تكون كل قصيدة في دوائر ثلاث على مستوى التوصيل(وهذا القول كررته،مع أن الأمر متعذر في كل القصائد):

-         دائرة ذاتية  -  وهذا البعد يقرأه كل قارئ ويجد فيه نجواه.

-         دائرة فلسطينية – أن يجد القارئ بعدًا وطنيًا يحلّق فيه.

-         دائرة إنسانية – أن يقرأ قصيدتي قارئ أرجنتيني -  مثلا -  فيجد فيها طاقة خلاقة وشمولية إنسانية، وبالفعل فلدي عشرات القصائد مما ينطبق عليها ذلك.

أما عن الشكل الشعري فلي قصائد كثيرة على الصياغة التقليدية،وخاصة قصائد الرثاء ،  أو القصائد التي تلقى في المحافل الوطنية.

أما القصائد التفعيلية فهي الغالبة على شعري. بينما "قصيدة النثر" كتبتها في حالات تضطرني إلى الخروج من إيقاع أو تطريب، كما أشرت في حديثي عن وقفتي أمام مضيق جبل طارق، وهذا القصائد لا تتجاوز أصابع اليد. أجدد وأبدع – ما وسعتني الحيلة – في كل قصيدة مبنى ومضمونًا ،وأحاول أن أخلق الصور المتوالدة ليكون ثمة إيحاء ومشاركة. وقد تسألوني: كيف تبدأ قصيدتي غالبًا؟ إنها تبدأ بتهويمة أو دندنة إيقاعية لمعنى معين، ثم ما تلبث الصور تتآزر وتتضافر حتى تشكل بنية القصيدة. أكتب القصيدة أنى حلت الفكرة وخطرت الصورة، وكأنها  تتهادى أمام مخيلتي ، فإذا استجاشتني للكتابة أعانق جسدها. أحيانًا أكون سائقًا سيارتي، وآنًا أكون على فراشي، آنا بين كتبي وبعد ومضة أشعَلَها كتاب ما، أو إبراقة شعت من قصيدة لشاعر معين.

 

أشغلت الأنثى حيزًا في شعري، ذلك لأن الأنثى هي الرقة والجمال والعذوبة والأنس. هي الصوت العذب الذي يسري على النفس. هي المشاركة الوجدانية الأخاذة التي تعطي الرجل معنى التكامل بقدر ما يعطيها الرجل إحساسًا بالتفوق. المرأة هي نقطة قوتي، وهي نقطة ضعفي. وقصائدي الغزلية أكثر من أن تُحصى، فكثير منها كتبته لبعضهن.... ولم احتفظ أنا  بنسخة عنه، ومنه ما لا أجرؤ على نشره، فجعلته في دفتر "المكنونات"  ، ففيه شبق جنسي كنت قد عبرت عنه في السبعينيات والثمانينيات.

ومن غزلياتي ما هو مرتبط بالأرض كما هو الحال في كثير من شعرنا الفلسطيني. وثمة غزل آخر لا عهد لنا به من قبل، فقد كتبت قصيدة أهديتها لرفيقة عمري أثارت غيرة زوجات بعض الشعراء من أصحابنا ، فاضطروا للكتابة  كل إلى حرمه المصون .

أما الغموض الشفاف فهو المستحب لدي، إذ أنفر من كل تعقيد والتواء حتى في المخاطبات اليومية. أطالب القارئ أن يكون مسلحًا بمعرفة أولية عن الشعر وتوليداته، ولا يهمني كيف يقرأ أو يفهم. الشفافية هي كشفافية الحسناء التي لا يسلس قيادها لأول لمسة يد أو لأول نظرة، بل هي التي تعطي وتمنع، وتراوح وتجذب، تؤمّل بقدر ما تكون عصيـّة. الجمال الغامض الذي لا يتكشف مجانًا هو لدي الأحب. إن الصورة البعيدة عن الفانتازيا المُغربة في الإبهام هي التي تقدم لنا خيالاً نستطيع أن نحلق في أجوائه وأبهائه.

***

شاركت وأشارك في الندوات الشعرية المختلفة، وكذلك في المهرجانات الشعرية وغير الشعرية (النشاطات في الجبهة، ومرة كانت في الحركة التقدمية)، وقد حضرت مهرجان لندن الثقافي الذي أقامه رياض نجيب الريس في لندن صيف 1988م، وذلك بتوصية من سميح القاسم الذي كان رئيسًا لاتحاد الكتاب العرب في البلاد (كنت نائبا للرئيس آنذاك).

وفي لندن تعرفنا إلى عشرات الشعراء - أذكر منهم نزار قباني، وسعاد الصباح، ومحمد عفيفي مطر، وبلند الحيدري، وأحمد مطر و...، وفي الليلة المخصصة للشعر الفلسطيني قرأ محمود درويش وسميح القاسم وطه محمد علي، وقرأت أنا قصيدتي  "الخروج من نهر الظمأ" -  القصيدة التي تتناول الانتفاضة – وكانت موضوع الساعة – قال لي  الناقد المعروف غالي شكري، وكان قد قرأ بعض نتاجي قبلاً: لماذا قرأت هذه القصيدة؟ قالها بنوع من العتاب وإبداء عدم الإعجاب.

أما صبري حافظ فقد حياني وقال: مثل هذا الشعر المقاتل ضروري أن ندرسه وندرسّه. ومهما يكن فقد استمتعت جدًا باللقاءات الكثيرة والسهرات الأدبية التي كانت لي أشبه بحلم، وشاركت فيها بحضور بارز، وظلت الصور الفوتوغرافية شاهدًا جميلاً ومعبرًا ، ومدعاةً للاعتزاز  .

في سنة 1990 قرأت شعرًا في معرض الكتاب الدولي في القاهرة بتقديم جميل لا يُنسى ....من محمد أبو دومة. ومن خلال لقاءاتي المتكررة في معرض الكتاب وفي أكثر من سنة تعرفت إلى كبار الشعراء والمتميزين من النقاد.

وفي نفس هذه السنة دعيت لحضور مهرجان الشعر العالمي في القدس، وذلك في مشكنوت شأننيم، وكان المهرجان سنتها حاشدًا بالمدعوين، حيث شارك الشعراء العرب واليهود في البلاد، كما شارك بعض الشعراء الفلسطينيين. وتعرفت جيدًا في هذه اللقاءات إلى الشاعر يهودا عميحاي -  كبير الشعراء العبريين، وكنت قرأت ثلاث قصائد بالعربية قام الممثل مكرم خوري بقراءتها بالعبرية.

وصدر عن المهرجان كتاب يضم أنتولوجيا شعرية بالعبرية والإنجليزية، فكانت قصيدتي "الشيخ والبحر" ممثلة لي في هذا الكتاب.

وقبيل ذلك في سنة 1989م صدرت لي مجموعة شعرية بالعبرية هي "الأحزان التي لم تفهم" (העצבונים שלא הובנו) بترجمة روجيه تابور وإصدار رابطات الكتاب في إسرائيل ، وبتقديم دافيد ساندو.

ثم شاركت في قراءات شعرية في ألمانيا، وذلك ضمن ندوات كنت أُدعى إليها. ومن الجرأة أن أترجم قصيدتي بنفسي إلى الألمانية. فأدعها بعد ذلك في يد من ينقحها، ثم أقرأها بالألمانية. (الألمان يتحمسون جدًا لمن يستخدم لغتهم).

وهنا لا بد من ذكر الإلقاء وفنه، فكثيرًا ما اسمع تقريظًا لطريقة إلقائي، فأسمع من  يصفها بالتماثل مع الصدق الذي ينطلق من أعماقي.... بل إن شاعرة عبرية أصرت على أن أقرأ لها قصيدتها على مسمع الجمهور، وكنا مدعوين معًا. ومهما أوتيت من قوة هنا إذا صح ذلك – فإنني أشهد أن الإلقاء الذي بهرني و "دوّخني" هو إلقاء الشاعر الروسي  يفتشنكو  ، وكنت قد تعرفت إليه في "بيت الأديب" في تل أبيب. كما كانت تثيرني قراءات سميح القاسم ومحمود درويش ونزار قباني على وجه الخصوص. ومما يُعجب في الإلقاء أن يحفظ المُلقي قصيدته غيبــًا، وهنا تواصل أقوى وأعلى، وليس أدل على ذلك من إلقاء الفنانة نضال الأشقر -  المبدعة جدًا في إلقائها وفي أدائها ( وقد عبرت لها عن رغبتي أن تقرأ لي  ، فسألتني أن أرسل لها  قصائدي ، وهيهات  أن تصل ! ).

لقد كتب عني أو عن شعري الكثيرون، فأصدر خلدون الشيخ علي كتاب "صورة الشهيد الفلسطيني في أشعار فاروق مواسي" – جنين 1995م، ويضم الكتاب بين دفتيه كذلك مقالات لحسان نزال، عبد الناصر صالح، بدر الكيلاني، سناء بدوي وغيرهم. كما أصدر د. يحيى زكريا الآغا كتاب "إضاءات في الشعر المعاصر" ج2، دار الحكمة – 1998م ضمّنه فصلاً بعنوان "فاروق مواسي – التزام، انصهار وانبعاث" (ص189 – 233).

 وكانت قد صدرت مقالات عديدة أذكر منها مقالات  دالية بشارة، أنطوان شلحت، محمود غنايم، صبحية الصالح، مفيد صيداوي ، عبد اللطيف عقل، محمود مرعي، وائل سعيد، وحسين حمزة...

ومن المقالات الهامة التي تناولت شعري كذلك مقال محمد عبد الله الجعيدي: "حضور الأندلس في الأدب الفلسطيني الحديث" (عالم الفكر، الكويت – العدد الرابع، يونيو 2000) وحول هذا الموضوع أيضًا كتب رؤوبين سنير دراسته بالإنجليزية التي عنونها "نهوض الأندلس من دمشق. الأندلس في الشعر العربي الحديث"

Hispanic Issues، volume 21 p 263 – 293.

وقد ذكَرني بإشارات متفرقة هنا وهناك، ولما سألته:

 لماذا تركزت على محمود درويش و "كمنجته" في الأندلس، وهو لم يتناول التفاعل مع هذه البلاد بصورة بيّـنة، وأغفلت مقطوعاتي التي تخدم دراستك وموضوعك بصورة مباشرة  ؟

صارحني وبجرأة:

–       إن الكتابة العلمية أيضًا تجري وراء الأسماء المعروفة، فيكفي أن أقول "محمود درويش " حتى تجد الآذان صاغية والانفتاح لقبول ما أقول، فاعذرني، واعلم أنني لا أنكر أنك أكثر من تناول هذا الموضوع بشاعرية واقتناص للمكان.

وهنا لا بد من ذكر أن هناك بعض الدراسات قد تناولت شعري، وهي لطلاب في الجامعات ودور المعلمين. وعلى ذكر ذلك، فانا أرفض أن يكتب أي طالب من طلابي دراسة عن شعري، حرصًا على الموضوعية، بيد أني أشجعهم على تناول قصائد الشعراء المحليين، حتى ولو تنكر لي بعضهم أو أساء.

***

كم يسعدني أن التقي من لم أكن أعرفه، فأجده يحفظ  من شعري .   وقصيدة "شوق الأرض دليل" التي اختزنت طاقات مقهورة في داخلي على ضوء الأحداث المتلاحقة في اضطهاد أبناء شعبي كتبتها بحرقة حقيقية ،  وقد أسعدني أن يقول لي أستاذي المرحوم حسن بشارة بعد أن قرأها: "لقد نفست عن غيظنا كلنا".

   أقول بعدها في نفسي : ثمة ما يستحق أن أكتب وأواصل. ذلك لأنني أتردد أحيانــًا  قبل أن امسك القلم، وأبحر في دنيا القصيدة، فمن الذي يقرأ حقــًا ؟ !  و "ماذا يفيد القول في روع الأعاصير" ؟ 

ومما يثبّط قليلا أن الصحف تفتح أحضانها لكل "حكي" واختلط القمح بالزؤان والشاعر بالشعرور، فاعتزلوا يا أولي الألباب.

ان الحديث عن المحاولات البعيدة عن الأدب الذي يثبط العزيمة يعيدني إلى محاولاتي الأولى في تأسيس "الورشة الأدبية" لتدريب "الشعراء المبتدئين"، فكنت أدعو لذلك بعض الأدباء المعروفين ليناقشوا المتأدبين، وقد تناولت هذه الفكرة في حديثي عن رحلتي النقدية، وحبذا عودة الفكرة ، وحبذا أن يقوم بذلك غيري.

غير أن علي واجبًا للاعتراف أن صديقي  المرحوم نواف عبد حسن -  القارئ المتميز كان قد عرفني على مجلة "الآداب" التي كنا نقرأها في جبعات حبيبة، فنتعرف إلى الأصوات الشعرية الجديدة، وعلى الأبعاد النقدية المختلفة، وكان يصر علي أن أتقبل الشعر الحر أكثر فأكثر، بل هو الذي غير اسمي المستعار (  اللامستعار- حقيقة ) :  "محمد إبراهيم" ..... فكتبت اسمي في صحيفة "الأنباء" في بداية السبعينيات، وكان هو المواكِب والمصاحب لكل ما أكتب .....حتى وإن كان له تحفظ هنا وهناك.

كما أن علي واجبــًا للشكر للدكتور فهد أبو خضرة والشاعر حنا أبو حنا اللذين ارتأيا أن أضم مختارات من شعري  ( بعد إحجامي عن ذلك ) - لمختارات الشعر الفلسطيني التي صدرت عن مجلة "مواقف" العدد 24 -25/2000م، وهي من اختياري وتقديمي.

وبعد..

فهذا مجمل لرحلتي الشعرية، وقفت خلالها في محطات ومعالم، صاحبتني، وكانت لك مني مواقف متباينة، ومهما يكن فإن الشاعر فيَّ ممثل لما نعانيه جميعًا، فما أنا إلا واحد منكم، قلبي ينبض بحبكم، ولن تضنوا علي بالقول "الله يعطيك العافية !"

ومع العافية سأواصل المشوار، ومن يدري فلعل الشعر يحدث بعد ذلك أمرا.*

 

* ملاحظة :  بعد كتابة هذا العرض أصدرت الأعمال الشعرية الكاملة في مجلدين ( إصدار مكتبة كل شيء ، حيفا – 2005 ) .

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home