فن تشكيلي

 

ألوان احتلال .. وفن ابتذال

ماجد مقداد



 

ألوان احتلال .. وفن ابتذال

ماجد مقداد

"
من طين بلادي .. لطم أخدادي " .. نتغنى بها كوطنية فكر . واخلاص مبدأ وأصالة هوية . لكن لو أسقطناها على الفن كما كل شيء .. ألا يستحق أن يكون اللون مصبوغاً بفلسطينية غير عادية ؟ فتتغنى الفرشاة بنكهة الاصالة. وعظمة الحفاظ على التراث والهوية. ونبذ الخساسة في الأعمال الفنية . قبل زمن لم يكن بعيد تحدث الفنان الفلسطيني عن خليط ( الهوية . الحرية . الوطن . الشعب . الفقر . الظلم . الحق . الاحتلال . وأمل لا ينتهي ( فأعطانا الأعمال في رؤية الوطن من زواياه المختلفة .. وجعل للقضية أبعاد لم تكن في الحسبان . فقام الفنان الأصيل بتجديد ثقة الفلسطيني بفلسطينيته . وربط المتلقى بتراثه وحقيقة وجوده كشعب له تاريخ ووطن . فوضع كل ما هو مقدس داخل أجراره الفخارية المكسرة .. وألهب المشاعر بالنيران الثائرة في " جنة ونار " الثوب الفلسطيني . فحصد رواد الفن ما زرعوا بمنجل الأجيال التي حافظت على ذاك الإرث الثقيل . وبقي التواصل المتجدد يحمله الزمن من جيل الى جيل . إلا أن المجهود الذي قضوا به عمرهم لغرس الهوية في الفن الفلسطيني اصطدم بقانون جديد لإدارة الصراع . فظهر مصطلح " صهينة الفن " .
مع تفشي مرض الحداثة بين صفوف الأجيال الفنية الشابة . وهنا أعني الحداثة بالسلبيات التي حاكتها بفقدانها لأي معنى انساني . الحداثة التي خلت من المشاعر . ومن الفكر الواعي . فأصبح الفن محكوماً بزيارة لمعسكر فرنسي ومخيم غربي رقم خمسة . ولقد لعبت المؤسسات الاستشراقية والتي كثرت في مجتمعنا دور البطولة في مسلسل سلخ الفنان من أصالته . واقتلاع جذور التراث من أرض أعماله الفنية بمختلف المسميات . وتعددت الأحضان الدافئة التي اقنعت بعض المجرورين الى اللون المسموم بأن ما يقدموه من فن هابط مبتذل هو الفن بعينه . فظهر فن " البقرات الثلاث " الذي جاب أوروبا من بعد الهلام المصنوع بفكر صهيوني من خلال أشباه فنانين تشرذموا وتسلقوا على مبادئهم ليتفق مع ما أرادوا من مصلحة تبادلية نفعية ذات أنا أوحد لهم .. وبتقديمات خدماتية إحتلالية مجانية قدمت بمغريات متعة .
لكنهم لم يدركوا حقيقة جردتهم من أقنعتهم الزائفة . فقد شكل هروبهم من الضعف الواقعي إلى خربشات الحداثة وتفاهاتها الشرخ الكافي لتمزيق الصهينة الفنية . خصوصاً بعد ظهور الأجيال المتلاحقة من الفنانين الذين آمنوا بتأصيل الفن . واقتنعوا بأن الفن رسالة وعليهم أن يرصدوا واقع ليصل للعالم بأسره . لأن  يتم تقليد الغرب تقليداً أعمى دون وعي لطبيعتهم والتي حكمتهم طبيعة عيشهم ونمطية الفراغ الهدفي . فغدوا بلا هدف . وأصبحت لوحاتهم مجردة من معايير الإنسانية . ورغم نبذ الجيل الصاعد لتلك الطريقة المشوهة للتعبير . لإدراكهم المتنامي لطبيعة ما يقوم به الإحتلال من دور بارز في عملية السلخ والتجرير والابتذال . إلا أننا نأسف لوجود بعض الأساتذة في الفن يصفقون لنجاح الصهينة الفنية لخدمة مصالحهم ولتشوه أفكارهم مع أن المسألة واضحة وجلية .
الكارثة في الموضوع أنه رغم أن من يقدم الفن المبتذل والمصبوغ بلون الإحتلال وخدمة أهدافه . لا زال يلقى الدعم من الجهات الرسمية والغير رسمية . ووصل بهم التهكم والتهجم على عمالقة ورواد الفن الأصيل وعمالقة الواقعية والتراث. حتى أنه لم يسلم من سخط هؤلاء الضعفاء من يخرج للشارع ليعبر عن سخطه مما يحدث في المجتمع فيحكي ما أراد على الجدران . ويثير الشارع بصدق رسالته لقربه منهم . ولأن طول الجدار استفزه ولم يستفز غيره . وشخبطة الكثيرين دمرت أصالة فنه. جعلوا من بساطته وتعيد فكره سخرية لحواراتهم .. مع أن أصحاب اللون القذر حقيقتهم فنية وليست فكرية سياسية بحتة. فلوحاتهم تخلو من معالم العمل الفني بكل المقاييس الصارمة والحديثة ..
بعد كل هذا أطرح تساؤلات إجاباتها من نور الشمس . من يخدم من فنيا ؟ وما هو الفرق بين الفن المبتذل والفن الاصيل ؟ ومن يحق له نقد الفن بأصوله ؟ هل تربعت الحداثة على عقول الفنانين بمساوئها ؟ ما هو السبيل للحفاظ على الهوية وأصالة الفن في وجه الاحتلال ؟ عرفنا العالم بكوفية ثورتنا وفننا .. فهل عرفتنا قذارة الألوان ؟ وهل فرق العالم بين لوحة الفلسطيني المصهين عن خربشات كل المخربشية ؟ وما هو الحل ...؟؟

 




 

اطبع الموضوع  

Home