القلم النقدي

 

الإعلام الأمريكي وعملية (غسل الدماغ)؟!

حيدر حميد الكريطي



 

الإعلام الأمريكي وعملية (غسل الدماغ)؟!

 حيدر حميد الكريطي

 

يقف الإعلام الأمريكي على قمة هرم السياسة الأمريكية في التحكم في الرأي العام وفق معطيات معينة تساهم في توجيهه بما يخدم الإدارات الأمريكية ويساعدها على تنفيذ سياساتها في الكثير من القضايا والشؤون العامة..

ولو عدنا بالتاريخ إلى الوراء لتبين لنا دور الإعلام الأمريكي في اختلاق الأمور وتزييف التاريخ والتحيز السياسي الفاضح وهو بالطبع ليس وليد سياسة المحافظين الجدد - بالرغم من إبداعهم في هذا المجال - وإنما يعود إلى عقود سابقة وطويلة..

ويرجح الكثير من المختصين أن الدور السياسي للإعلام الأمريكي وتطوره إلى مانراه اليوم من تطورات للعملية الديمقراطية المزعومة!! يرجع بالأساس إلى ما تسمى بلجنة (كريل) عام 1916 عندما كان المواطنون الأمريكييون مسالمين إلى درجة كبيرة ويرون ضرورة عدم تدخل  الولايات المتحدة في حروب أوربية بالأساس في حين كان على إدارة الرئيس ويلسون إلتزامات تجاه الحرب، وكان عليها فعل شيء ما حيال الرأي العام، فقامت الإدارة بإنشاء لجنة للدعاية أطلق عليها (لجنة كريل) للدعاية الحكومية والتي نجحت خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين الأمريكيين المسالمين إلى مواطنين تملكهم (هستيريا الحرب) والرغبة في تدمير كل ماهو ألماني لإنقاذ العالم!!

والتقط فكرة لجنة كريل الكثير من المثقفين والسياسيين الأمريكيين وبدؤوا ببناء تصورات لطبيعة العملية السياسية ودور الإعلام والدعاية ومسألة التعامل مع الرأي العام والجماهير.. وعلى هذا الأساس يقول ليبرمان (محلل وصحفي) :إن الثورة في فن الديمقراطية تكمن في تطوير الجماهير بما يخدم ما يسميه (صناعة الإجماع) بمعنى جعل الرأي العام يوافق على أمور  لايرغبها بالأساس عن طريق استخدام وسائل دعائية..

ولعل المتتبع لوسائل الإعلام الأمريكي (المرئي والمسموع والمقروء) يلاحظ مقدار السم الموجود في المادة الإعلامية الأمريكية، والتي أبعد ما تكون عن الموضوعية والحياد، وإنما مُعدة وبعناية فائقة لخدمة أهداف السياسة الأمريكية سواء من خلال الخبر والمعلومة والمشهد ابتداء أو من خلال إخراجه والتعليق عليه، وربما من خلال إختلاقه أساساً!!

ولنا أن نقرأ هذه العبارات التي وردت في بروتوكولات (حكماء صهيون) ((يجب أن لايصل طرف من خبر إلى المجتمع من غير أن يحظى بموافقتنا ولذلك لابد لنا من السيطرة على وكالات الأنباء التي تتركز فيها الأخبار من كل أنحاء العالم... وحينئذ سنضمن أن لاينشر من الأخبار إلا ما نختاره نحن ونوافق عليه!!)) ..

وبالفعل تقذف اليوم المطابع الأمريكية مايقارب 1800 صحيفة يومياً يتلقفها ملايين الأمريكيين، ولتلك المطبوعات قدرة إعلامية كبيرة تتناول الأنشطة المختلفة، ولها مقدرة عجيبة على إدارة الرؤوس أو تحطيم النفوس والتلاعب بعواطف الناس.. لذلك تبنتها اليهودية في هذا العصر!!

وتصل أعداد كبيرة من تلك المطبوعات إلى مايسمى بالشرق الأوسط.. وعلى ذكر هذا المصطلح يقول سيد قطب في كتابه (واقعنا المعاصر) : الشرق الأوسط.. تعبير ماكر يراد به إيجاد مكان لإسرائيل في المنطقة لا يثير الإستنكار، فلو وصفت هذه المنطقة بأنها اإسلامية فكيف توجد فيها إسرائيل؟ ولو وصفت حتى بأنها عربية فكيف توجد فيها إسرائيل؟ أما حين تصبح منطقة (جغرافية) لاصفة لها ولا إنتماء فإن وجود إسرائيل فيها يصبح أمراً لا يثير الإستنكار!!.

وعوداً على بدء.. فشواهد المادة السمية في الإعلام الأمريكي كثيرة لايسع المجال لإحصاءها.. لكن وعلى سبيل المثال نشرت صحيفة (شيكاغو صن تايمز) مقالاً افتتاحياً تحت عنوان :لا تفاهم مع الإسلام إلا بلغة الحديد والنار.. وجاءت العبارات التالية: إن الشيوعية أفضل من الإسلام، لأنها في الأصل فكرة غربية يمكن الإلتقاء والتفاهم معها، أما الإسلام فلا التقاء ولاتفاهم معه إلا بلغة الحديد والنار.

ولعل أفضل رد على هكذا عبارات ما قاله من أبناء جلدتهم (السير ك.ب) وهو يهودي الجنسية حيث يقول: (الإسلام هو أعظم دين في العالم لأنه يوحد الخلق ويجعلهم أمة واحدة لا فضل لعربيها على أعجميها إلا بالتقوى).

الشاشة التلفزيونية.. قوة إعلامية..

تبدو أخبار التلفزيون أكثر مصداقية لدى الناس من باقي وسائل الإعلام ولعل السبب يعود إلى نزول الكاميرا التلفزيونية إلى موقع الحدث.. فالتلفزيون اليوم هو الأكثر شعبية حيث تشير آخر الإحصاءات إلى أن الفرد الأمريكي يشاهد التلفزيون مدة (7 ساعات) يومياً كمعدل عام وتؤكد الدراسات أنه إذا كانت حصة المشاهدة التلفزيونية هي 3 ساعات يومياً فإن حصة قراء الصحف والمجلات من الزمن اليومي هي نصف ساعة فقط.

وعندما يذكر التلفيزيون تبرز شبكات التلفزيون الأمريكية كأقوى شبكات للتلفزيون في العالم.. والتي يسيطر عليها اليهود سيطرة شبه تامة!! وتنتشر اليوم في أمريكا أكثر من 1100 شبكة بث تلفزيوني، كما تعتبر الشبكات الثلاثة المسماة (A.B.C و  C.B.S و N.B.C ) أشهر الشبكات في أمريكا.. ولكي ندرك مدى خطورة السيطرة اليهودية على تلك الشبكات الثلاث، يكفي أن نشير أنها تعتبر الموجه السياسي لأفكار ومواقف الملايين من الأمريكيين، بالإضافة إلى الملايين الأخرين في أوروبا وكندا .. وهناك أساليب خبيثة استعملتها تلك الشبكات في اكتساب عطف الرأي الأمريكي تجاه الصهيونية!!

ففي أثناء الإجتياح الإسرائيلي للبنان في منتصف عام 1982 نشطت شبكات التلفزيون الأمريكية في تبني وجهة النظر الصهيونية.. وعندما انكشفت أنباء مجزرة مخيمات (صبرا) و (شاتيلا) و (عين الحلوة) لعبت تلك الشبكات دوراً خبيثاً في محاولة تبرئة اليهود من الجريمة البشعة لتلصقها (بالمارونيين)؟؟ ثم لم تجد بداً بعد أن افتضح دور حكومة (بيغن) من حصر هجومها ضد (بيغن) ووزير دفاعه (شارون) مع الإصرار على تبرئة اليهود من المجزرة!!

ويعتبر الفيلم التلفزيوني (امرأة تدعى جولدا) الذي يحكي قصة حياة (جولدا مائيير) واحداً من أخطر إنجازات الإعلام الأمريكي - الصهيوني، وقد بلغت تكاليفه أربعة ملايين دولار، شارك فيه 75 ممثلاً يهودياً،.. وفي أحد مشاهد الفيلم يسأل طفل أمريكي الممثلة التي قامت بدور جولدا: متى يتحقق السلام بينكم وبين العرب؟ فتجيبه قائلة: عندما يزيد حب العرب لأولادهم، على بغضهم لليهود سيتحقق السلام بيننا..!!

ومن الأفلام التي تفوح منها رائحة الخبث الصهيوني، مسلسل (تعلم اللغة الإنكليزية) الذي عرضه التلفزيون الأمريكي العام، وتدور حلقاته حول خليط من الناس ينتمون إلى شعوب مختلفة، ويجمعهم صف دراسي في إحدى مدارس تعلم اللغة الإنكليزية للأجانب وقد حرص مخرج المسلسل اليهودي على أن يحشر في الفليم طالباً باكستانياً مسلماً، وآخر هندياً من طائفة السيخ، ولايترك هذا الهندي الخبيث مناسبة إلا ويوجه إهاناته للباكستاني بصورة قصد منها الإساءة للإسلام!! ففي إحدى حلقات المسلسل يطلب الأستاذ الإنكليزي من الهندي اختيار كلمة مرادفة لكلمة (غبي) فيسارع الهندي ليعطي كلمة (مسلم) في جو هزلي!!

وتقديراً لهكذا إنتاج فقد عرضته العشرات من تلفزيونات العرب!!

الإعلام الأمريكي.. صورة لسياساتها..

وفي هذا المجال يطرح الباحثون السؤال الآتي: هل يتوجب على الإعلام الأمريكي أن يقدم وجهة نظر الحكومة الأمريكية فحسب أم أن عليه أن يقدم الحقيقة بأوجهها؟!..

يقول (ول روجرز): إنني أعلم عن السياسات فقط عبر ما أقرأه في الصحافة. ولعل روجرز لو سألناه اليوم سيجيب: إنني أعلم عنها فقط من خلال ما أشاهده على شاشات التلفاز..

ولكن يبقى هناك إشكال قائم: إن مانعرفه عن السياسات هو ما تخبرنا به وسائل الإعلام إلا إذا كان الشخص من طاقم مكاتب البيت الأبيض أو الكونغرس أو أقسام السياسة الخارجية، رغم هذا فإننا لا نعلم بالضبط ما يجري هناك، ولا نستطيع أن نعرف كل ما يحدث رغم أن الكثير من تلك التفاصيل هي إما مملة أو لا قيمة لها.. لهذا السبب نحن مقتنعين بأهمية وسائل الإعلام والتي عن طريقها نفهم عن السياسيين رؤاهم ومواقفهم بل نحن مقتنعون أن كل ما يقولونه هو الحقيقة!!

وأغلب ما نعرفه عن السياسة في الولايات المتحدة لا يأتي من التجربة الشخصية بل من تجربة بالواسطة فالحقائق والأفكار تحمل عبر الواسطة: الكتاب، الصحافة، التلفزيون، المجلات، السينما، الأنترنت، الأشرطة بأنواعها المدمجة والفيديوية والصوتية، إن هذه القوة الهائلة للوسائل الإتصالية السبعة التي تفعل فعلتها في التعبير عن السياسات الأمريكية اليوم، وهي التي تشكل الرسائل المطلوبة إلى الرأي العام، وفي كل الأحوال فإن الهدف هو في التعبير عن التباينات في الخطاب عبر بث الأهداف السياسية في هيئة رسائل!!

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home