القلم الفكري

 

حول العولمة

رحيم العراقي



 

حول العولمة

 

رحيم العراقي

 

مؤلف كتاب حول العولمة  جورج سوروس أشهر من نار على علم في أميركا. فهو ملياردير كبير وشخصية نافذة في أوساط السياسيين ورجال الأعمال وأرباب الشركات الكبرى. كما أنه مؤسس الشبكة العالمية للمؤسسات التي تهدف إلى دعم المجتمع المفتوح. وقد ألف سابقاً بعض الكتب التي لاقت رواجاً كبيراً. نذكر من بينها: أزمة العولمة الرأسمالية، والمجتمع المفتوح، وكتباً أخرى. وفي هذا الكتاب الجديد يتابع جورج سوروس مشروعه في نقد العولمة ليس من أجل القضاء عليها أو محاربتها، وإنما من أجل تحسينها وتطويرها. فالرجل يتحدث من داخل العولمة الرأسمالية لا من خارجها.  نقول ذلك وبخاصة أنه أحد كبار المستفيدين منها.

وينقسم الكتاب إلى أربعة فصول مع مقدمة وخاتمة. أما المقدمة فتحمل العنوان التالي: نواقض العولمة الرأسمالية. يتحدث الفصل الأول عن التجارة العالمية وبالأخص الدور الذي تلعبه منظمة التجارة العالمية. وأما الفصل الثاني في الكتاب فيتحدث عن المساعدة الدولية للبلدان الفقيرة وكيفية توزيعها. ويتحدث الفصل الثالث عن الإصلاح الهيكلي للمؤسسات المصرفية الدولية. وأما الفصل الرابع فيتناول بالتخصيص كيفية إصلاح صندوق النقد الدولي وتحسين أدائه، وكذلك تحقيق الاستقرار المصرفي. وأما الخاتمة فهي مهمة جداً لأنها تلخص فلسفة المؤلف كلها وتتخذ العنوان التالي الذي يشبه المانيفست: نحو مجتمع مفتوح على المستوى العالمي.

 

يقول المؤلف منذ البداية ما فحواه:

لا أهدف من تأليف هذا الكتاب إلى تبيان كيفية ممارسة العولمة الرأسمالية لدورها فحسب، وإنما أريد أيضاً أن أقدم بعض المقترحات من أجل تحسينها وتطويرها. ولتحقيق هذا الغرض فإني قدمت تعريفاً ضيقاً للعولمة. فأنا أقصد بها بكل بساطة السماح للرأسمال بالتنقل بشكل حر بين البلدين، ثم التزايد المستمر لهيمنة الأسواق المصرفية العالمية والشركات المتعددة الجنسيات على الاقتصادات القومية للدول هذه هي العولمة في رأيي بالطبع فإني أعترف بأن العولمة الرأسمالية مجحفة أو ظالمة أو لا متوازنة.

في الواقع إن سبب ذلك يعود إلى أن تطور مؤسساتنا الدولية لم يتناسب من حيث الايقاع والسرعة مع تطور الأسواق المصرفية العالمية. يضاف إلى ذلك أن التدابير السياسية التي اتخذناها كانت بطيئة ومتخلفة عن السرعة التي تمت بها العولمة الاقتصادية، بمعنى آخر فإن العولمة السياسية لم تتحقق حتى الآن لكي تتساوق مع العولمة الاقتصادية التي قطعت شوطاً كبيراً في التحقق.

ثم يردف جورج سوروس قائلاً:

لقد لاحظت مؤخراً حصول تحالف غير متعدد بين أصوليي السوق الحرة في جهة أقصى اليمين والمنظمات المضادة للعولمة في أقصى اليسار. هناك تحالف موضوعي غريب الشكل بين هاتين الجهتين العدوتين. وهو تحالف يهدف إلى تدمير المؤسسات الدولية التي نملكها حالياً. إن هدفي من تأليف هذا الكتاب هو تشكيل تحالف آخر يعمل من أجل إصلاح المؤسسات المصرفية والاقتصادية الدولية وتقويتها لا تدميرها. كما أني أهدف إلى إنشاء مؤسسات جديدة بالإضافة إليها وأقصد بهذه المؤسسات أساساً صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي.

وإذا ما نجحنا في إصلاح هذه المؤسسات وتغيير أساليب عملها وإنشاء مؤسسات جديدة إلى جانبها فإن العولمة الرأسمالية سوف تصبح أكثر توازناً وأقل ظلماً.

ثم يضيف الخبير الاستراتيجي الأميركي قائلاً:

إني أتمتع ببعض الصفات التي تسمح لي بأن أخطط لمصير العالم في المستقبل. فأنا اعرف ماذا تعني العولمة الرأسمالية والأسواق المصرفية الدولية لأني جربت نفسي فيها ونجحت. كما أسست بعدئذ شبكة دولية من المؤسسات والجمعيات الهادفة إلى تشكيل المجتمع المفتوح على مستوى العالم كله. أنا لست فقط أحد المصرفيين العالميين الكبار المنشغلين بمصالحهم الخاصة. وإنما يهمني مصير البشرية ومستقبلها على عكس الكثيرين من الرأسماليين وأرباب العمل ومدراء الشركات المتعددة الجنسيات الذين لا يفكرون إلا بزيادة أرباحهم.. ثم يوضح جورج سوروس مقصده بشكل أفضل قائلاً:

صحيح أني أحد الخبراء العديدين في الأسواق المصرفية على مستوى العالم كله. ولكني أختلف عن معظمهم من حيث اهتماماتي الإنسانية وقلقي ليس فقط على أميركا وإنما على الجنس البشري ككل. ولهذا السبب فإني أمضيت السنوات الخمس السابقة في تحليل نواقص العولمة الرأسمالية التي تكتسح العالم حالياً. ونشرت العديد من الكتب والمقالات عن هذا الموضوع الخطير. ومن أهمها كتابي: «المجتمع المفتوح. كيفية إصلاح الرأسمالية» (مطبوعات نيويورك. بوبليك افيرز. 2000 Public Affairs). والبعض يحتج علي قائلاً:

أليس من قبيل التناقض أن تكون أحد المستفيدين الرأسماليين الكبار من العولمة الرأسمالية أو الأسواق المصرفية العالمية ثم تحاول إصلاحهما في آن معا؟!

وكيف يمكن أن نصدقك وأنت ملياردير كبير؟! وأجيب قائلاً: لا أرى أي تناقض في ذلك. فلكي تغير شيئاً ما أو لكي تحسنه ينبغي أن تعرفه أولاً. وأنا معلوماتي عن العولمة والمضاربات في الأسواق المصرفية الدولية ليست نظرية أو تجريدية وإنما عملية محسوسة. وبالتالي فأنا أعرف ما هي الخطوات التي ينبغي اتباعها من أجل إصلاح العولمة وجعلها أكثر إنسانية وعدلاً..

وفي ختام الكتاب يقدم جورج سوروس نوعاً من المانيفست السياسي لإصلاح شئون العالم بعد تفجيرات (11) سبتمبر ونلاحظ أنه يستعرض مختلف جوانب السياسة الأميركية ويقدم بعض النصائح المهمة للرئيس جورج بوش، يقول بالحرف الواحد.

كانت تفجيرات 11 سبتمبر عبارة عن صدمة رهيبة بالنسبة لأميركا والشعب الأميركي فقتل كل هؤلاء المدنيين العزل خلال بضع دقائق عمل رهيب فعلاً، لأول مرة يشعر الأميركان بأن الآخرين يشكلون خطراً حقيقياً عليهم لأول مرة يعرفون بأن بعض الآخرين يكرهونهم إلى درجة مخيفة.

لكن معركة أفغانستان والرد الأميركي الحازم برهنا على أن أميركا قادرة على أن تحقق في بضعة أسابيع ما لم يحققه الاتحاد السوفييتي في عشر سنوات. لقد أثبتت أميركا أنها ليست نمراً من ورق إنها أكبر قوة عسكرية في العالم. ولكن القوة الجبروتية لأميركا تلقي عليها مسئولية ثقيلة في قيادة العالم.

ربما لم تكن أميركا قادرة على أن تفعل أي شيء في العالم ولكن لا يمكن أن يحصل أي شيء مهم بدون إرادتها.

ثم يوضح جورج سوروس منظوره العريض قائلاً:

هناك عاملان يؤثران على سياسة أميركا الخارجية: الواقعية الجيوبوليتيكيه، والمثالية الديمقراطية أو الإنسانية للمجتمع المنفتح أو المفتوح.

فإن تغلب العامل الأول أصبحت سياسة أميركا مكيافيلية هدفها تحقيق مصلحتها الخاصة فقط، وإذا تغلب العامل الثاني أصبحت سياستها إنسانية: بمعنى أن تأخذ مصالح الشعوب الأخرى بعين الإعتبار أيضاً وليس فقط مصلحتها الخاصة.

كل سياسة أميركا منذ البداية تتراوح بين هذين القطبين ففي أيام روزفيلت كانت مكيافيلية أكثر مما كانت إنسانية، وفي أيام ويلسون كانت مثالية وإنسانية أكثر مما كانت واقعية ومكيافيلية ولكنها في معظم الأحيان مزيج من هذين العاملين.

بعد سقوط الشيوعية كانت أمام أميركا فرصة سانحة لكي تبرهن على كرمها وأريحيتها وعلى مثاليتها وإنسانيتها كان ينبغي عليها أن تقدم مساعدات ضخمة لدول أوروبا الشرقية من أجل أن تنهض وتبني نفسها، مثلما قدمت مساعدات ضخمة من خلال خطة مارشال إلى أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها لم تفعل وهكذا ضيعت فرصة ثمينة واتبعت سياسة الواقعية الجيوبوليتيكية أي المكيافيلية. ثم يردف الخبير الاستراتيجي جورج سوروس قائلاً:

إن سبب ذلك يعود إلى الدور الكبير الذي يلعبه أصوليو الرأسمالية الأميركية في تحديد سياستها الخارجية، ينبغي العلم أنه توجد أصولية رأسمالية مثلما توجد أصولية دينية، والنزعة الرأسمالية المحضة هي التي منعت الإدارة الأميركية من مساعدة الآخرين، فهي تعتقد أن النجاح أو الفعالية ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للسياسة الخارجية الأميركية، فتحقيق مصلحة أميركا هو الهدف الأول والأخير وعلى العالم السلام، هذه النظرة الأنانية الضيقة هي السبب في حقد الآخرين على أميركا، ينبغي العلم أن الولايات المتحدة تستطيع أن تفرض على الآخرين ما تريده من قرارات أو معاهدات ولكنها ترفض أن يفرض عليها الآخرون أي قرار لا يتماشى مع مصلحة الأصولية الرأسمالية الأميركية.

والدليل على ذلك أنها عطلت إنشاء محكمة العقوبات الدولية، ورفضت التوقيع على معاهدة كيوتو من أجل حماية البيئة والمناخ الأرضي ورفضت التوقيع على معاهدة نزع الألغام الأرضية.. الخ.

لكن أميركا لا تستطيع بواسطة سياسة القوة أن تفرض إرادتها على العالم أبدياً.. فعاجلاً أو آجلاً قد يحصل تحالف دولي ضدها، أو قد تنشأ قوة عظمى لكي تتحداها.

البعض يفكر في الصين كمنافس محتمل ولكن ليس في الأمد المنظور. فهي لا تزال ضعيفة فيما يخص التكنولوجيا العسكرية أو امكاناتها لاتزال وراء روسيا بمسافة كبيرة وبخاصة فيما يتعلق بسلاح الجو.

هناك قوتان تستطيعان منافسة أميركا في المدى المنظور هما: الإتحاد الأوروبي وروسيا، ولكن الإتحاد الأوروبي لم يتوحد بعد عسكرياً كما توحد اقتصادياً، يضاف إلى ذلك أن معظم دوله حليفة لأميركا ومرتبطة معها بمعاهدات قوية من خلال حلف الأطلسي، أما روسيا فإنها تحلم بحل مشاكلها الاقتصادية قبل أي شيء آخر وهي بحاجة ماسة إلى رضا أميركا عليها.. ثم يختتم جورج سوروس كلامه قائلاً: ومحذراً:

إن على أميركا ألا تغتر بقوتها كثيراً، فالقوة لا تدوم وإنما ينبغي عليها أن تفكر باتباع سياسة أخلاقية فيما يخص العلاقة مع العالم الخارجي إذا ما أرادت النجاح في القضاء على الارهاب وهذه السياسة الأخلاقية تتمثل في محاربة جذور الإرهاب وأسبابه: أي الفقر، والجوع والجهل والإستبداد السياسي فهل ستعي أميركا أن مصلحتها تكمن في اتباع سياسة أخلاقية لا سياسة مكيافيلية أو ذرائعية؟ هذا هو السؤال الأساسي المطروح في المستقبل والإجابة عنه سلباً أو ايجاباً سوف تحسم مصير العالم.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home