القلم السياسي

 

نقد الحكام أم تشويه بلادنا؟

سيد يوسف



 

نقد الحكام أم تشويه بلادنا؟

(وإذا المرء لم يفرق بين حق وباطل فما انتفاعه بعقله يومئذ)

سيد يوسف

 

تمهيد

 لقد استبان لى أن المراهقين فكرياً – أيا كانت أعمارهم – لا يستطيعون التمييز بين ثلاث:

* بين نقد الأخطاء التى تطفح بها مجتمعاتنا ولا سيما السياسية والاجتماعية.

*وبين شتم الأنظمة الحاكمة والتي لها أحوال فرط تهدد أمن البلاد.

*وبين تشويه صورة بلادنا وإبرازها فى صورة قميئة.

والحق أن التمييز بين الثلاثة سهل ميسور إلا على الذين فى عقولهم شيئ أو فى قلوبهم عمى، ولقد استبان لى أن  الصنف الأول فاهم عاقل نرجو له الاستمرار، وأن الصنف الثانى متسرع نخشى له التحول للصنف الثالث، وأما الصنف الثالث فهو نموذج بشرى قميء  بالفعل.

حول هذى المعانى تدور هذى المساجلة .

 

قال صديقى: لا يعجبنى كثرة النقد الذى تتعرض له بلادى ..إنكم تصورون البلاد وكأنها بيت خرب لا يصلح للسكنى..وكأن بلادى قد خلت من كل خير...إنكم تشوهون صورة بلادى بين دول العالم وبين دول المنطقة...وتنشرون (غسيل بلادى) أمام الغرباء...على رسلكم أيها الناقدون..لقد أحرجتم بنى وطنى الذين يعيشون فى الخارج...رفقا بهم..بم يدافعون عن بلادهم..؟!

قلت: ما الذى لا يعجبك تحديداً ...النقد أم

قاطعنى قائلاً: ألست من نشر عن الفساد فى مصر- أنت وغيرك - وقلت – فيما قلتم- والآن بماذا تشير أرقام ‏تقرير‏ ‏التنمية‏ ‏البشرية‏ ‏الدولي‏ ‏لعام‏ 2005 ‏والذي‏ ‏أصدرته‏ ‏الأمم‏ ‏المتحدة‏ ثم قلت:لقد وضع هذا التقرير مصر فى ‏المركز‏ ‏الـ 119 ‏عالميا‏ ‏من‏ ‏بين‏ 177 ‏دولة‏ ‏في‏ ‏معدل‏ ‏التنمية‏ ‏ورقم‏ 13 ‏عربيا‏ً.

‏واحتلت‏ ‏مصر‏ ‏المركز‏ ‏الـ 55 ‏في‏ ‏دليل‏ ‏الفقر بين‏ 103 ‏دولة‏ ‏نامية، ‏‏والمرتبة‏ 87 ‏في‏ ‏معدلات‏ ‏الالتحاق‏ ‏بالتعليم‏، ‏والمركز‏ 105 ‏في‏ ‏الناتج‏ ‏المحلي‏ ‏الإجمالي‏ ‏للفرد.

‏‏والتقرير‏ ‏أشار‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ 10.7مليون‏ ‏مصري‏ ‏لا يستطيعون‏ ‏الحصول‏ ‏علي‏ ‏احتياجاتهم‏ ‏من‏ ‏الغذاء‏ ومستوى‏ ‏الفقر‏ ‏في‏ ‏مجتمعنا‏ ‏وصل‏ ‏إلي‏ 17% .

‏‏شركات‏ ‏القطاع‏ ‏العام‏ ‏التي‏ ‏تمت‏ ‏خصخصتها‏ ‏كانت‏ ‏قيمتها‏ ‏الأصلية‏ 100 ‏مليار‏ ‏جنيه‏ ‏وتم‏ ‏بيعها‏ ‏بـ‏ 16 ‏مليارا‏ً ‏فقط ....وما أحداث عمر أفتدى عنا ببعيد ؟!

‏وضاع‏ ‏من‏ ‏قوت‏ ‏الشعب‏ 150 ‏مليار‏ ‏جنيه‏ ‏سرقها‏ ‏أباطرة‏ ‏قروض‏ ‏البنوك‏ ‏ووصل‏ ‏حجم‏ ‏الديون‏ ‏الداخلية‏ ‏إلي‏ 674 ‏مليار‏ ‏جنيه‏ ‏بما‏ ‏يقرب‏ ‏من‏ 98% ‏من‏ ‏حجم‏ ‏الناتج‏ ‏القومي‏.

 ‏ووصل‏ ‏عدد‏ العاطلين‏ ‏إلي‏ 6 ‏ملايين‏ ‏شخص‏ .

 ‏وحسب‏ ‏التقارير‏ ‏البرلمانية‏ ‏فإن‏ 66% ‏من‏ ‏الدعم‏ ‏الحكومي‏ ‏لا يذهب‏ ‏لمستحقيه‏. وفي‏ ‏دراسة‏ ‏للخبير‏ ‏الاقتصادي‏ ‏نعمان‏ ‏الزياتي‏ ‏عن‏ ‏قضايا‏ ‏الرشوة‏ ‏واستغلال‏ ‏النفوذ‏ ‏قال‏:

إن‏ ‏تكلفة‏ ‏الفساد‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏بلغت‏ 50 ‏مليار‏ ‏جنيه‏ ‏سنويا‏ً ‏وتقارير‏ ‏هيئة‏ ‏النيابة‏ ‏الإدارية‏ ‏تقول‏ ‏إن‏ ‏هناك‏ ‏قضية‏ ‏فساد‏ ‏كل‏ 90 ‏ثانية‏ ‏وهو‏ ‏معدل‏ ‏عالمي‏, ‏أما‏ ‏وحدة‏ ‏قياس‏ ‏الرأي‏ ‏العام‏ ‏بكلية‏ ‏الاقتصاد‏ ‏والعلوم‏ ‏السياسية‏ ‏فلها‏ ‏دراسة‏ ‏تم‏ ‏إجراؤها‏ ‏علي‏ ‏عينة‏ ‏ضمت‏ 680 ‏من‏ ‏النواب‏ ‏والكوادر‏الحزبية والإعلاميين‏ ‏أظهرت‏ ‏أن‏ 78.8% ‏منهم‏ ‏يعتقدون‏ ‏أن‏ ‏معدلات‏ ‏الفساد‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏في‏ ‏تزايد ‏مستمر

‏أما‏ ‏المركز‏ ‏القومي‏ ‏للبحوث‏ ‏فأشار‏ ‏في‏ ‏دراسة‏ ‏عن‏ ‏ظاهرة‏ ‏الرشوة‏ ‏والاختلاس‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ ‏حجم‏ أموال‏ ‏الكسب‏ ‏غير‏ ‏المشروع‏ ‏وصل‏ ‏إلي‏ 99 ‏مليار‏ ‏جنيه‏ ‏في‏ ‏السنوات‏ ‏العشر‏ ‏الأخيرة‏.

‏وعلي‏ ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏فإنه‏ ‏لدينا‏ 13 ‏جهازا‏ ‏رقابيا‏ ‏وتم‏ ‏ضبط‏ ‏عشرات‏ ‏القضايا‏ ‏أي‏ ‏أن‏ ‏الواقع‏ ‏بالفعل‏ ‏كارثة‏!‏ ( نقلاً عن جريدة الشباب  عدد نوفمبر 2005)...

ثم قال: ألست من نشر ذلك؟ أليس فى ذلك إساءة لمصر وتشويه لها ؟ وإحراج للمصريين خارج أوطانهم؟

قلت: كلا

قال :إنك تناقض نفسك وكيف لا وأنتم مهرة فى تشويه كل جميل وتزيين كل قبيح؟

قلت: على رسلك..لم لم تناقش ما جاء بالمقال؟ لم لا تكذب ما نشر ؟ لم تدفع عن الظالمين؟ ما بالك لم تتحرك وبلدك تنهب و..؟

قاطعنى: مثل هذا الكلام يشوه بلدنا .. هكذا أنتم ظاهرة صوتيه...ماذا فعلتم لمصر؟ شوهتموها فقط؟ هل دافعتم عنها؟ هل بنيتم شيئا؟ هل أتقنتم عملكم؟!

قاطعته منفعلاً : هل الشعب هو الذى اعتقل الآلاف؟ هل الشعب هو الذى نشر الفساد وحمى المفسدين؟ هل الشعب هو الذى هرب أموالنا للخارج؟

من شوه مصر : من يصرخون من أوجاع الظالمين أم الظالمون؟

أتستنكرون أن يقول المتألمون آه ؟! ما بالكم؟ كيف تحكمون؟ أين ذهبت عقولكم؟!

يا صديقى يقول تعالى (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) النساء148 ثم عاد إلى هدوئي فقلت : لا عليك ليقضى الله أمراً كان مفعولاً.

قال : لا أفهم .

قلت: الحق أننا كلنا نحب بلادنا وحب الوطن من الإيمان ولكن لكل وسيلته فى التعبير عن حبه وأنت حين رأيتني أخطىء فقد رأيتك أيضا مخطئا بتقاعسك ودفاعك عن الظالمين..  صحيح أننا ننتقد أكثر مما ندعو للإصلاح ولكن هدفنا دوما لفت الانتباه لعل وعسى....

ثم قلت لصديقي سأفكر فى كلامك وما لبثت حتى عدت إلى نفسي أحادثها :

الحق أننا لا نملك إلا إيقاظ الوعى المخدر فى نفوس أبناء وطننا لعل وعسى ..

والحق أننا لم نشوه بلادنا بل شوهها من باعها ونهبها وأمرض شعبها وقتل أبناءها بحماية المعتدين وهرب أموالها بحماية المهربين وسعى لتوريث الحكم بعد أن عانت بلادى حتى تصير جمهورية...فما بال بعض الناس لا يفقهون؟!

والحق أنه من الغباء أن يحزن الملوثون حين يقال لهم ملوثون ولا يحزنون حين يعلمون ذلك من أنفسهم حقيقة وحين لا يستبشعون قذارتهم ..

والحق أن دفاع المراهقين عنهم يذكرنا بقصة أصحاب السبت حين صارت منهم فئة جعلت همها لا أن تقول للظالم اسمع كلام الناصح الأمين ولكن حين وجهت جهدها للذين ينصحون أمتهم ويعظونهم قائلين (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً) الأعراف164 ولقد نالوا جزاء غباءهم إهمالاً وازدراء .

والحق رغم كل هذا أننا مطالبون أن نغير من لهجة ومستوى ولغة حوارنا مع الناس ..

والحق أنه لا وعى بلا لسان مبين وعقل يقظ...وصبر على المصائب والتشويه وغير ذلك.

والحق انه لا قيمة لكل هذا ما لم تصحبه نية صادقة وعقل يقظ وقلب سليم.

فى النهاية

أسأل الله أن يحمى بلادنا من كل سوء ونهب وتوريث...بيقظة وعى العاقلين القادرين.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home